الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
قد يبدو العنوان صادمًا، فكيف يمكن أن يصبح "التوحيد" مشكلةً سياسيّة؟ هل الاعتراض هنا على الإيمان بإلهٍ واحد؟ بالتأكيد لا. فعالِم اللاهوت الشهير ليوناردو بوف نفسه يشدّد على أنّ وحدانيّة الله جزء أصيل من الإيمان الثالوثيّ. السؤال الذي يطرحه أدقّ: ماذا يحدث حين نفهم وحدانيّة الله من خلال خبراتنا البشريّة في السلطة والاستبداد، ثم نعيد استخدام هذه الصورة الدينيّة لتبرير السلطة نفسها؟

ينطلق بوف من ملاحظة تاريخيّة. لقد عرفت المجتمعات طويلًا تركيز السلطة في شخص واحد: الأب في الأسرة الأبويّة، والملك في الدولة، ورئيس القبيلة في الجماعة. ومن هذه الخبرة وُلد منطق يمكن تلخيصه في العبارة: «إله واحد، ملك واحد، شريعة واحدة». ويستشهد بوف بقولٍ منسوب إلى جنكيز خان: «في السماء إله واحد فقط، وعلى الأرض سيّد واحد فقط». ثم يلاحظ أنّ المنطق نفسه يمكن أن يتسرّب إلى الخطاب الكنسيّ: إله واحد، مسيح واحد، كنيسة واحدة، ومن ثمّ سلطة واحدة تتدرّج من أعلى إلى أسفل. 

المشكلة إذًا لا تكمن في وحدانيّة الله، وإنما في صورة مخصوصة لها: الله بوصفه رأس هرم كونيّ، ومن تحته تتدرّج السلطات في هرم آخر. عندئذ يصبح التصوّر اللاهوتيّ انعكاسًا للبنية السياسيّة، ثم يعود ليمنح هذه البنية نفسها شرعيّة مقدّسة. ولهذا يستعيد بوف إريك پيترسون وكتابه الشهير «التوحيد بوصفه مشكلةً سياسيّة». وما يريد إبرازه هو وجود حركة متبادلة: المجتمع السلطويّ يساعد على إنتاج تصوّر سلطويّ عن الله، ثم يُستخدم هذا التصوّر عن الله لتبرير تركيز السلطة السياسيّة والدينيّة. وبوف يسمّي هذا النوع من التفكير «توحيدًا غير ثالوثيّ» أو «سابقًا للثالوث»؛ أي إنّه يعترف بالواحد، لكنه يكاد ينسى أنّ الله، في الإيمان المسيحيّ، ليس وحدةً منعزلة، وإنما شركة الآب والابن والروح القدس. 

إنّ بوففي تساإله عن الله يتسائل أيضًا عن "من أين جاءت الصورة التي نحملها عنه؟ هل خبرة المجتمع السلطويّ جعلتنا نتخيّل الله ملكًا مطلقًا، ثم أسقطنا هذا النموذج على الكنيسة والأسرة والسياسة؟ في المقابل، يبدأ بوف من حقيقة أخرى: «في البدء» ليست عزلة الواحد، وإنما شركة. الله هو الآب والابن والروح القدس إلهٌ واحد؛ والتمايز بين الأقانيم لا يلغي الوحدة، والوحدة لا تمحو التمايز. الشركة هي، عند بوف، الكلمة الأولى والأخيرة في سرّ الله وفي سرّ العالم.  

ومن هنا تأخذ عقيدة الثالوث عنده معنًى سياسيًّا واجتماعيًّا أيضًا. إذا كان الأصل الأسمى للوجود شركةً بين أقانيم متمايزين ومتساوين في الكرامة، فلا يستطيع المسيحيّ أن يجعل الاستبداد أو إلغاء الاختلاف أو احتكار السلطة انعكاسًا طبيعيًّا للنظام الإلهيّ. ولهذا يستعيد بوف، بجرأة شديدة، شعارًا استعمله بعض الإصلاحيّين الاشتراكيّين الروس في أواخر القرن التاسع عشر: «الثالوث الأقدس هو برنامجنا الاجتماعيّ». ولا يقصد أن نستخرج من العقيدة الثالوثيّة نظامًا سياسيًّا جاهزًا، وإنما أن الإيمان بالله شركةً يضع أمام المجتمع معيارًا نقديًّا: المساواة، والمشاركة، واحترام الاختلاف، والعلاقة التي لا يبتلع فيها الواحد الآخر. 

ويبلغ نقده الكنيسة نفسها. فإذا كانت الشركة هي التي تجمع الأقانيم الإلهيّة، فكيف يمكن للكنيسة أن تتحدّث عن الثالوث بينما تُدار عمليًّا بمنطق شديد المركزيّة، تقلّ فيه مشاركة المؤمنين وتتركّز السلطة في فئة محدودة؟ عند بوف، لا يكفي أن نعترف بالثالوث في قانون الإيمان؛ ينبغي أن يصبح هذا الإيمان قابلًا لأن يُرى في شكل العلاقات الكنسيّة نفسها. فالكنيسة، من حيث حقيقتها اللاهوتيّة، «جماعة المؤمنين»، وكلّ موهبة فيها ينبغي أن تُعاش من أجل الجميع.  وهنا تظهر المفارقة: يمكن لإنسان أن يعترف لفظيًّا بالثالوث، بينما يكون تصوّره العمليّ عن الله أقرب إلى ملك منفرد على رأس هرم. ويمكن لكنيسة أن تصلّي «المجد للآب والابن والروح القدس»، بينما تكون علاقاتها الداخليّة بعيدة عن المشاركة والشركة.

إذًا، «وحدانيّة الله بوصفها مشكلةً سياسيّة» لا تعني أنّ التوحيد مشكلة. المشكلة تبدأ حين نختزل الواحد في «الحاكم الواحد»، ونحوّل الله إلى النسخة السماويّة من سلطان أرضيّ، ثم نطلب من الأرض أن تقلّد السماء التي صنعناها نحن. أمّا الثالوث، في قراءة بوف، يقلب الصورة: الله ليس عزلة القدرة، وإنما شركة المحبّة.

وأخيرًا، حين نقول «الله واحد»، أيّ «واحد» نتخيّل؟ واحدًا يعلو الجميع ويحتكر كلّ شيء؟ أم الواحد الذي وحدته نفسها علاقة-شركة، وعطاء، ومحبّة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ