بقلم حسام بدراوي
كيف استطاعت امرأة عاشت قبل أكثر من ألفي عام أن تبقى حاضرة بهذا الدفء في ‏قلوب ملايين البشر؟ وكيف أصبحت واحدة من الشخصيات النادرة التي يستطيع ‏المسلم والمسيحي أن يذكر اسمها، فيشعر كلاهما بالمحبة والإجلال، وإن اختلفت العقيدة ‏والتفسير اللاهوتي؟

في كل عام، مع بداية صيام السيدة العذراء، أشعر أن مصر كلها تتنفس اسمًا واحدًا: ‏مريم.‏
لا أعرف امرأة في تاريخ الأديان استطاعت أن تجمع حولها هذا القدر من الحب العابر ‏للطوائف والمذاهب. فقد اختلف البشر في قضايا العقيدة والتاريخ والسياسة، لكنهم قلّما ‏اختلفوا في محبة مريم.‏
وربما كان هذا هو سرها الأول.‏

فهي ليست مجرد شخصية دينية، بل جسر إنساني نادر، يلتقي عنده المؤمنون دون أن ‏يتخلى أحد منهم عن عقيدته.‏
في القرآن الكريم، هي المرأة الوحيدة التي ذُكر اسمها صراحة، والوحيدة التي خُصصت لها ‏سورة كاملة، وفيها يقول الله تعالى:‏
وَإِذْ‎ ‎قَالَتِ‎ ‎الْمَلَائِكَةُ‎ ‎يَا‎ ‎مَرْيَمُ‎ ‎إِنَّ‎ ‎اللَّهَ‎ ‎اصْطَفَاكِ‎ ‎وَطَهَّرَكِ‎ ‎وَاصْطَفَاكِ‎ ‎عَلَىٰ‎ ‎نِسَاءِ‎ ‎الْعَالَمِينَ
وفي الإنجيل، تُدعى “المباركة في النساء‎”‎‏
.‏
نصّان مختلفان، وعقيدتان مختلفتان، لكنهما يلتقيان عند المعنى نفسه: الطهارة والاصطفاء.‏
لكن ما يشدني في مريم ليس فقط مكانتها الدينية، بل إنسانيتها.‏
فالقرآن لا يقدم لنا رمزًا منزّهًا عن المشاعر، بل امرأة تخاف، وتتألم، وتشعر بالوحدة.‏
وعندما اشتد بها المخاض قالت:‏
‏﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا﴾.‏

يا لها من عبارة إنسانية عميقة.‏
إنها ليست خطابًا لاهوتيًا، بل صرخة امرأة تواجه لحظة لا يشبهها شيء.‏
ثم يأتيها الاطمئنان.‏
وكأن الرسالة تقول لنا إن الإيمان لا يعني غياب الخوف، وإنما القدرة على العبور خلاله.‏
وأكثر ما يلفتني في شخصية مريم أنها لم تنتصر بالكلام.‏
لم تدخل في جدال مع من اتهمها.‏
لم تدافع عن نفسها.‏
ولم تشرح معجزتها.‏
بل تركت الحقيقة تتحدث عنها.‏
ولهذا أرى أنها تمثل ما يمكن أن نسميه “لاهوت الصمت‎”‎‏

ففي زمن أصبح فيه الصخب وسيلة لإثبات الذات، تبدو مريم درسًا مختلفًا تمامًا.‏
الصمت عندها ليس ضعفًا، بل ثقة.‏
والسكينة ليست استسلامًا، بل يقين بأن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى صراخ.‏
ثم هناك الجانب العلمي، الذي يثير الدهشة أكثر مما يثير الجدل.‏
فعيسى عليه السلام وُلِد ذكرًا.‏
ومن منظور علم الوراثة، يحتاج تكوين الذكر إلى وجود الكروموسوم Y، بينما تحمل المرأة ‏كروموسومي X فقط.‏
ولو حدث تكاثر عذري طبيعي في الثدييات، فلن ينتج ذكرًا بهذه الصورة.‏
ومن هنا تبدو المعجزة أعمق مما نتصور.‏
فليست المعجزة مجرد حمل بلا أب، وإنما خلق المادة الوراثية نفسها بأمر إلهي.‏

هنا يقف العلم باحترام أمام حدود قدرته.‏
فالعلم يشرح كيف تعمل قوانين الطبيعة، لكنه لا يستطيع أن يفسر اللحظة التي يختار ‏فيها الخالق أن يخلق خارج هذه القوانين.‏
وسؤال الكروموسوم Y ليس اعتراضًا على الإيمان، بل تعبير عن دهشة الإنسان أمام ‏معجزة تتجاوز أدواته العلمية.‏
ولمصر مع مريم قصة أخرى.‏
فوفق التقليد المسيحي، كانت مصر الملاذ الذي لجأت إليه العائلة المقدسة هربًا من ‏بطش هيرودس.‏
ولذلك بقيت رحلة العائلة المقدسة جزءًا من الذاكرة الروحية والجغرافية للمصريين.‏
سواء نظرنا إليها من زاوية التاريخ أو من زاوية الإيمان، يبقى معناها الإنساني بالغ الجمال.‏
لقد كانت مصر يومًا وطنًا فتح ذراعيه لأم تحمل طفلها، تبحث عن الأمان.‏
وربما لهذا يشعر المصري، مسلمًا كان أو مسيحيًا، بأن قصة مريم ليست بعيدة عنه.‏
إنها جزء من ذاكرته الوطنية كما هي جزء من ذاكرته الدينية.‏
ثم تأتي أكثر لحظات القصة إيلامًا.‏

ماذا حدث لمريم بعد رفع المسيح أو بعد حادثة الصلب بحسب الإيمان المسيحي؟
النصوص تكاد تصمت.‏
تذكر حضورها عند اللحظات الكبرى، ثم تختفي.‏
وهذا الصمت يحمل، في رأيي، معنى بالغ العمق.‏
فقد أدت دورها، ثم انسحبت من المشهد.‏
لم تبحث عن سلطة.‏
ولم تسع إلى مجد.‏
ولم تجعل من نفسها محور التاريخ.‏
اختفت كما يختفي النهر بعد أن يروي الأرض.‏
وكأن بعض الشخصيات العظيمة لا تحتاج إلى نهاية مكتوبة، لأن أثرها أصبح أكبر من ‏سيرتها.‏
وربما هنا يكمن سر المحبة التي تحيط باسمها.‏
قبل أن تكون رمزًا دينيًا، كانت أمًا.‏
والأمومة لغة يفهمها كل البشر.‏

قبل أن تُكتب الكتب المقدسة، كانت هناك أم تحتضن طفلها.‏
وقبل أن يتحدث الفلاسفة عن الرحمة، كانت الأم تمارسها.‏
ولهذا يصل كثيرون إلى مريم من باب الأمومة قبل أن يصلوا إليها من باب العقيدة.‏
ويبقى أمر يثير التأمل.‏
لم تكن مريم ملكة.‏
ولم تقُد جيشًا.‏
ولم تمتلك ثروة.‏
ولم تحكم دولة.‏
ولم تكتب كتابًا.‏
ولم تكن لديها وسائل إعلام أو مؤسسات تصنع شهرتها.‏

ومع ذلك، بعد أكثر من ألفي عام، ما زال اسمها حيًا في المساجد والكنائس والبيوت ‏والقلوب.‏
رحل الملوك والأباطرة.‏
واختفت أسماء أصحاب السلطة.‏
أما هي فبقيت.‏
لأن السلطة تصنع حضورًا مؤقتًا، أما المحبة فتصنع الخلود.‏

وفي أيام صيام العذراء، لا أرى المناسبة مجرد ممارسة دينية مسيحية جليلة، بل أراها ‏أيضًا فرصة للتأمل في مساحة إنسانية نادرة.‏
فلا يحتاج المسلم إلى أن يصبح مسيحيًا لكي يحب مريم، ولا يحتاج المسيحي إلى أن ‏يتخلى عن خصوصية إيمانه لكي يفرح بأن جاره المسلم يجلّها.‏
فالاختلاف في العقيدة لا يمنع اللقاء على القيم.‏
وربما كانت الحضارة الحقيقية هي أن نختلف في فهم السماء، بينما نتشارك على الأرض ‏الرحمة والعدل والمحبة والكرامة.‏
وفي زمن يتصارع فيه الناس حول الهويات والرموز، تبقى مريم شاهدًا على إمكانية أن ‏يجتمع المختلفون حول إنسان واحد.‏
لم تترك لنا كل الإجابات.‏
بل تركت لنا سؤالًا أجمل:‏

كيف استطاعت امرأة أن تحمل أعظم أسرار السماء، ثم تمشي على الأرض كأي أم ‏خائفة، ثم تختفي في هدوء بعد أن غيّرت مجرى التاريخ؟
ربما لا نجد الجواب كاملًا في النصوص.‏
لكننا نجده، كل عام، في القلوب التي ما زالت تذكر اسمها بالمحبة.‏
ولعل هذا هو سرّ العذراء.‏
نقلا عن مجلة Egyptian Geographic