عيد النيروز القبطي… حين يصبح الإيمان حبًا أقوى من الموت
بقلم: مدحت قلادة
في الحادي عشر من سبتمبر، تبدأ الكنيسة القبطية عامًا جديدًا في عيد النيروز، عيد الشهداء.
وما أعمق أن تبدأ الكنيسة عامها الجديد بتذكار الذين سبقونا إلى السماء!
فهي لا تفتح صفحة جديدة من التاريخ بالنسيان، بل بالذكرى؛ ولا تسألنا فقط: كم سنة مضت؟ بل تضع أمامنا سؤالًا أعمق:
لمن نعيش؟ وما الذي يمكن أن نبقى أمناء له حتى النفس الأخير؟
ومن هنا يأتي السؤال:
أيها الشهيد… من أنت؟
في المسيحية، الشهيد هو الشاهد للمسيح.
ليس قاتلًا، ولا سفاحًا، ولا مفجرًا، ولا صانعًا للضحايا.
لا يوجد مجد مسيحي في قتل إنسان.
فالشهيد المسيحي لا يحتاج إلى جثة إنسان آخر لكي تثبت شهادته، ولا يحمل سلاحًا ليصنع ضحايا.
قد يُقتل، لكنه لا يقتل.
قد يُظلم، لكنه لا يتحول إلى ظالم.
وقد يواجه الكراهية، لكنه لا يجعل الكراهية تسكن قلبه.
إنه لا يبحث عن الموت، بل يبحث عن الأمانة.
وإذا أصبحت الأمانة للمسيح مكلفة حتى الموت، يختار ألا ينكر من أحب.
هذه هي الشهادة المسيحية: أن يبقى الإنسان أمينًا لإيمانه بالمسيح حتى النفس الأخير.
المسيح… أصل الشهادة ونموذجها
ولكي نفهم الشهيد، علينا أولًا أن ننظر إلى المسيح.
المسيح لم يأتِ ليقتل أعداءه، بل ليخلص الإنسان.
وعندما استُخدم السيف، قال:
«رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ»
(متى 26: 52)
ثم مضى إلى الصليب.
لم يواجه الكراهية بكراهية، ولا العنف بعنف، بل واجه الشر بالمحبة.
ومن فوق الصليب قال:
«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ»
(لوقا 23: 34)
وقال:
«لَيْسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِأَجْلِ أَحِبَّائِهِ»
(يوحنا 15: 13)
تأمل:
أن يضع الإنسان نفسه.
لا أن يضع الآخرين للموت.
أن يقدم حياته.
لا أن يسلب حياة غيره.
ومن هنا يبدأ سر الشهادة.
الإيمان بالمسيح… الإيمان الذي يغيّر الإنسان
المسيح لا يترك الإنسان كما وجده.
الإيمان به يحوّل الخاطئ إلى قديس، واللص إلى تائب، والمرتعب إلى جبار، والتلميذ الخائف إلى رسول، والرسول الأمين إلى شهيد.
بطرس الذي أنكر المسيح من الخوف، صار رسولًا يقف بشجاعة.
والتلاميذ الذين اختبأوا بعد الصليب، خرجوا إلى العالم ليشهدوا للمسيح.
وبولس الذي كان يضطهد الكنيسة، صار رسولًا يحمل في جسده سمات الرب يسوع.
قال:
«فَإِنِّي أَحْمِلُ فِي جَسَدِي سِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ»
(غلاطية 6: 17)
لم تكن قوتهم في السلاح.
كانت قوتهم في المسيح الذي غيّرهم.
ولهذا قدم الرسل والتلاميذ ذواتهم، ونالوا لقب الشهداء؛ لأنهم شهدوا للإيمان بالمسيح، وشهدوا لقيامته، وشهدوا لمحبة عرفوها وعاشوها
الشهيد لا يموت من أجل شهوة… بل من أجل المسيح
وهنا نلمس جوهرًا مهمًا في معنى الشهادة المسيحية.
فالشهيد المسيحي لا يثبت على إيمانه انتظارًا لمكافأة جسدية أو لذة حسية.
رجاؤه ليس في امرأة، ولا في طعام، ولا في شراب، ولا في متعة جسدية.
إنه لا يقول:
«سأموت لأحصل على شهوات أكثر.»
بل يقول:
«سأبقى أمينًا لمن أحبني.»
لأن المسيح بالنسبة إليه ليس فكرة مجهولة أو اسمًا سمع عنه.
إنه رب عرفه، وأحبه، وعاش معه بالإيمان.
عاش معه في الصلاة، وفي الإنجيل، وفي التوبة، وفي الإفخارستيا، وفي الغفران، وفي كل تفاصيل حياته.
كانت هناك عِشرة عمر مع المسيح؛ علاقة يومية تتعمق يومًا بعد يوم.
ولهذا عندما جاءت ساعة الاختبار، لم يكن يواجه مجرد عقيدة، بل كان يواجه سؤال الحب:
هل أنكر من أحبني وغيّر حياتي، أم أبقى أمينًا له؟
وهنا نفهم كلمات بوليكاربوس:
«ستة وثمانون عامًا وأنا أخدمه، ولم يصنع بي سوءًا قط؛ فكيف أجدف على ملكي الذي خلصني؟»
هذه ليست صفقة بين إنسان ومكافأة.
إنها علاقة حب وأمانة.
ولهذا قال بولس:
«لِيَ الْحَيَاةُ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ»
(فيلبي 1: 21)
ما هو الربح؟
المسيح.
ليس الربح شهوة.
ولا متعة جسدية.
ولا امتلاك المزيد من ملذات الأرض.
فالرب يسوع يقول عن القيامة:
«لَا يُزَوِّجُونَ وَلَا يُزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلَائِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ»
(متى 22: 30)
رجاء الشهيد إذن ليس امتدادًا لشهوات الأرض، بل القيامة والحياة الأبدية والحضور مع المسيح.
المسيح هو الجائزة.
المسيح هو الحياة.
المسيح هو الرجاء.
من الرسل إلى شهداء ليبيا
وهذا الخط لم ينقطع.
من الرسل والتلاميذ، إلى شهداء الكنيسة الأولى، إلى شهداء كل العصور، بقيت الشهادة المسيحية تحمل المعنى نفسه:
إنسان عرف المسيح، فأحبه؛ وأحب المسيح، فثبت فيه؛ وثبت فيه، فلم ينكره حتى النهاية.
يعقوب المقطع، الذي تمزق جسده ولم يتمزق إيمانه.
وبوليكاربوس، الذي تمسك بمن خدمه طوال حياته.
ثم شهداء ليبيا الواحد والعشرون.
رجال خرجوا من بيوتهم يطلبون لقمة العيش.
لم يخرجوا ليقتلوا.
لم يحملوا سيوفًا.
لم يحملوا قنابل.
لم يبحثوا عن ضحايا.
لكن عندما واجهوا الموت، ظل اسم المسيح أغلى من الحياة.
لم يموتوا لأنهم أرادوا قتل غيرهم، بل لأنهم لم يريدوا أن ينكروا المسيح.
وهنا تكمن قوة شهادتهم.
ما الذي يجعل الشهيد شهيدًا؟
ليس عدد الذين قتلهم.
ولا السلاح الذي حمله.
ولا الدمار الذي تركه.
بل أمانته للمسيح.
ولهذا يقول سفر الرؤيا:
«كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ»
(رؤيا 2: 10)
لاحظ:
أمينًا.
هذه هي كلمة الشهادة.
فالشهيد المسيحي لا يحتاج إلى قتل أحد لكي يشهد.
دمه هو الشاهد.
ثباته هو الشاهد.
إيمانه هو الشاهد.
ومحبته هي الشاهد.
عيد النيروز… ماذا يقول لنا الشهداء؟
في عيد النيروز، نحن لا نحتفل بالموت.
نحن نحتفل بالإيمان الذي كان أقوى من الموت.
ولا نتذكر الشهداء لكي نتعلم كيف نموت، بل لكي نتعلم كيف نحيا.
أن نعيش للمسيح.
أن نغفر.
أن نحب.
أن نرفض الكراهية.
أن نغلب الشر بالخير.
فقد لا يُطلب منا أن نموت شهداء، لكن يُطلب منا أن نعيش شهودًا.
أن تكون حياتنا نفسها شهادة للمسيح.
أيها الشهيد… من أنت؟
أنت إنسان غيّره المسيح.
الخاطئ الذي صار قديسًا.
والخائف الذي صار جبارًا.
والتلميذ الذي صار رسولًا.
والرسول الذي صار شهيدًا.
أنت لست شاهدًا على قدرتك على قتل إنسان.
أنت شاهد على قدرة المسيح على تغيير الإنسان.
لم تحمل سيفًا لتقتل.
لم تحمل قنبلة لتصنع ضحايا.
لم تبحث عن مكسب أرضي أو شهوة جسدية.
أنت فقط تمسكت بمن عرفته وأحببته وعشت معه بالإيمان، حتى لم تستطع أن تنكره.
ولهذا لا يقول الشهيد المسيحي للعالم:
«انظروا كم قتلت.»
بل يقول:
«انظروا كم أحببت.»
فالشهادة المسيحية ليست أن يموت الآخرون لكي يُسمّى الإنسان شهيدًا.
بل أن يموت الإنسان، إن دُعي إلى ذلك، وهو متمسك بالمسيح.
وهنا تبقى رسالة شهداء الكنيسة عبر الأجيال:
المسيح يغيّر الإنسان.
والمحبة أقوى من الخوف.
والإيمان أقوى من الموت.
المسيح أحب حتى المنتهى… والشهيد أحبه حتى المنتهى.
كل عام قبطي جديد،
وكل عام وقلوبنا ثابتة في المسيح.
وكل عام وشهداؤنا في مجد المسيح.
هذه هي الشهادة.





