كتب - محرر الاقباط متحدون 
ألقى بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر، كلمة من دير بوزه بشمال إيطاليا، بعنوان "حضورٌ حيّ ومستقبلٌ مشترك: مسيحيو الشرق الأوسط... من ناجين إلى صُنّاع سلام".

الحضور الكريم، أصحاب السعادة، السيدات والسادة،
عندما نتحدث عن المسيحيين في الشرق الأوسط، لا ينبغي أن نبدأ بالحديث عن اختفائهم، بل يجب أن نبدأ بحضورهم. فالمسيحية ليست وجوداً دخيلاً على الشرق الأوسط؛ بل هي وليدة تلك الأرض. فيها تأسست جماعاتها الأولى، وفي أنطاكية دُعي التلاميذ "مسيحيين" للمرة الأولى، كما ورد في سفر أعمال الرسل. وعلى مر القرون، شارك المسيحيون في صياغة تاريخ هذه المنطقة وثقافتها وحياتها الفكرية ومسيرة تطورها؛ إذ تُعد كنائسهم وأديرتهم ومدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم جزءاً لا يتجزأ من التراث الحي للشرق الأوسط. ولهذا، فإن الحديث عن مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط ليس مجرد حديث عن الحفاظ على فصلٍ من فصول التاريخ، بل هو حديث عن مستقبل الشرق الأوسط بأسره. فالحضور المسيحي حضورٌ حيّ، ويجب أن يظل جزءاً من مستقبلنا المشترك.

وتُذكّرنا هذه الإسهامات بحقيقة هامة: أن الحضور المسيحي لا يتعلق فقط بما يحتاجه المسيحيون من المجتمع، بل يتعلق أيضاً بما يقدمونه لهذا المجتمع.

ولهذا السبب، لا ينبغي اختزال مسألة الحضور المسيحي في قضية "حماية الأقليات". فالحماية مهمة بالطبع، وكذلك الأمن وحرية المعتقد؛ لكننا يجب أن نتطلع إلى ما هو أسمى من مجرد الحماية. يجب أن نتطلع إلى المواطنة المتساوية؛ إلى مجتمع لا يكتفي فيه المسيحيون بالبقاء أو النجاة فحسب، بل يشاركون بفعالية وبكامل الحقوق؛ مجتمع يقف فيه المسلمون والمسيحيون وكل المواطنين على قدم المساواة أمام القانون؛ مجتمع لا تكون فيه الهوية سبباً للإقصاء، بل يُعترف فيه بالتنوع كجزء من ثراء الدول. إن هذا ليس مجرد تطلّع مسيحي، بل هو مبدأ من مبادئ الحوكمة السليمة، ومبدأ من مبادئ الكرامة الإنسانية، وهو في نهاية المطاف مبدأ أساسي للاستقرار. لأن المجتمع الذي يحمي حقوق أقلياته يعزز حقوق جميع مواطنيه.

علينا أيضاً أن نكون صادقين بشأن التحديات؛ فقد عانت المجتمعات المسيحية في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط من الصراعات، وانعدام الأمن، والمصاعب الاقتصادية، والتمييز، والنزوح، والهجرة. وفي بعض المناطق، شهدت أعدادهم تراجعاً حاداً. ولعل الجانب الأكثر إيلاماً في هذا التراجع هو رحيل جيل الشباب؛  فالشبان والشابات يغادرون بحثاً عن الأمان، والفرص، والتعليم، والعمل، ومستقبلٍ لعائلاتهم. وهذا يطرح سؤالاً أعتقد أنه يجب أن يشغلنا جميعاً: أي نوع من الشرق الأوسط سنبني إذا لم يعد الشباب يؤمنون بإمكانية بناء مستقبلهم فيه؟.

إن هذا السؤال لا يخص المسيحيين وحدهم، بل يخص المنطقة بأسرها. فلا ينبغي للشاب المسيحي أن يضطر للاختيار بين إيمانه ومستقبلٍ آمن، ولا ينبغي للشاب المسلم أن يضطر للاختيار بين البقاء في وطنه والحصول على فرصة للازدهار.

وعليه، لا يمكن أن تقتصر الإجابة ببساطة على مطالبة المسيحيين بالبقاء؛ بل يجب أن نساعد في تهيئة الظروف التي تجعل من البقاء خياراً ذا جدوى وقيمة. وهذا يتطلب أن نمنحهم قبل كل شيء، الأمل. الأمل في أن يترعرع الأبناء في أمان، وأن يكون للعمل مستقبل، وممارسة الشعائر الدينية بحرية، والأمل في أن يكون لي مكانة في وطنٍ أدعوه بيتاً.
سيداتي وسادتي،

هنا تبرز أهمية القيادة السياسية؛ إذ لا يمكن لمستقبل المجتمعات المسيحية أن يظل معتمداً إلى ما لا نهاية على الحماية الاستثنائية، أو الرعاية السياسية، أو الاهتمام الدولي الذي يعقب كل أزمة. إن ما نحتاجه هو مؤسسات أقوى وثقافة قائمة على المواطنة: مؤسسات تحمي كل مواطن، وقوانين تُطبَّق على الجميع بالتساوي، ونظام تعليمي يرسخ قيم الاحترام بدلاً من الانقسام، وأنظمة سياسية تتيح للمواطنين المشاركة بغض النظر عن هويتهم الدينية، ومجتمعات لا تنظر إلى التنوع الديني والثقافي باعتباره تهديداً، بل مصدراً للقوة.
إن هذا ليس مثالاً بعيداً عن الواقع، بل هو ركيزة عملية لبناء مجتمعات تنعم بالسلام. وهنا، أرى أن للمسيحيين دوراً هاماً يؤدونه؛ فلا ينبغي النظر إليهم على أنهم مجرد جماعة تحتاج إلى الحماية، بل يجب اعتبارهم شركاء، شركاء في كل شيء، وخاصةً في تلك المهمة الشاقة المتمثلة في إعادة بناء الثقة والسلام بين المجتمعات.

وبالتالي، يمكن للوجود المسيحي أن يكون جزءاً من الحل، لا مجرد مصدر للقلق. وهذا يقودنا إلى الرسالة الجوهرية التي نود أن نختتم بها حديثنا اليوم.

فالسؤال المطروح أمامنا ليس ببساطة: "كيف نحافظ على وجود المسيحيين في الشرق الأوسط؟". بل السؤال الأعمق هو: "كيف نبني شرقاً أوسطاً يمكن للمسيحيين والمسلمين وجميع المواطنين أن يزدهروا فيه معاً؟".

إنه سؤال أوسع نطاقاً، وأعتقد أنه يبعث على قدر أكبر بكثير من الأمل، لأن مستقبل المسيحيين لا يمكن فصله عن مستقبل مجتمعاتهم. فعندما يتحقق الأمن، يستفيد المسيحيون؛ وعندما تتحقق العدالة، يستفيد المسيحيون؛ وعندما تتوفر الحرية، يستفيد المسيحيون؛ وعندما تتاح الفرص الاقتصادية، يستفيد المسيحيون. ولكن، يستفيد أيضاً كل مواطن آخر.

لذا، فإن الدفاع عن الوجود المسيحي لا يهدف إلى خلق حالة من الانفصال، بل يرمي إلى الدفاع عن مبدأ أن لكل إنسان الحق في الانتماء والمشاركة والأمل.

أصحاب السعادة، السيدات والسادة،تلك هي، في نهاية المطاف، الرؤية التي ينبغي لنا السعي لتحقيقها؛ لا شرق أوسط تعيش فيه جماعة على حساب أخرى، بل شرقاً أوسطاً تُصان فيه التعددية، وتُحترم فيه المواطنة المتساوية وحرية المعتقد، وتتمكن فيه كل جماعة من الإسهام في الصالح العام. فالوجود المسيحي في الشرق الأوسط ليس مجرد ذكرى من الماضي، بل هو وجود حي وفاعل. وبفضل الحكمة والشجاعة والقيادة السياسية، يمكن لهذا الوجود، بل يجب عليه، أن يكون جزءاً من مستقبلنا المشترك.

لقد عرف الشرق الأوسط الصراعات والانقسامات والمعاناة، لكنه قدّم للعالم أيضاً نماذج استثنائية للحضارة والإيمان والتعايش والمعرفة والصمود الإنساني. لا ينبغي لنا أن نسمح بأن تصبح قضية المسيحيين في الشرق الأوسط مجرد قصة عما كان في الماضي؛ بل يجب أن تظل قصة عما يمكن أن يتحقق في المستقبل. فلنترك الكنائس والأديرة تواصل دورها كأماكن للعبادة، وكذلك مراكز الخدمة الاجتماعية المسيحية لتساعد الفقراء والنازحين، ولندعم المؤسسات المسيحية لتستمر كمساحات للحوار وللمصالحة والتعاون بين أتباع الديانات المختلفة. ولتستمر المدارس المسيحية في تعليم الأجيال، والمستشفيات المسيحية في خدمة كل مريض، والجمعيات المسيحية في الإسهام في الحياة الثقافية والاجتماعية والإنسانية في بلدانها. والأهم من ذلك كله، لنُمكّن الشباب المسيحيين من القول: "هذا هو وطني، ولي فيه مستقبل، وأريد بناء هذا المستقبل مع جيراني".

أسمحوا لي أن أستحضر ههنا قصة من الأدب الرهباني في كنيستنا، عن قديسٍ اسمه مكاريوس، كان يجوب في الصحراء حاملاً عصاه. فوجد جمجمة ملقاة في الرمال. فلمسها بعصاه وسألها: جمجمة من أنت؟ فأجابت الجمجمة: أنا جمجمة لص وقاطع طريق. فسألها القديس: وأين أنت الآن؟ فأجابت: في جهنم. فسألها مجدداً: وكيف هي حالك في جهنم؟ فأجابت: أنا في ألم وعذاب لا ينتهي. ففي جهنم نحن مقيدون، كل منا ظهره نحو ظهر الآخر، لا يمكننا رؤية وجوهنا ولا يمكننا الكلام، وهذا هو أكثر ما يعذبنا. فالجحيم الحقيقي هو عدم لقيا الآخر، وعدم التواصل معه، وغياب الحوار. شكراً لكم.