(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
مِن الجميل والمعبِّر للغاية أن يبدأ البابا لاوُن الرابع عشر رسالته العامّة الأولى «الإنسانيّة الرائعة»، التي تتناول عصرَ الذكاء الاصطناعيّ، برمزَيْن أو صورَتْين من الكتاب المقدَّس (بنود 7-10): بناء برج بابل (تكوين 11: 1-9)، وإعادة بناء أسوار أورشليم (نحميا 2-6). ويتعلّق الأمر بمدينتَيْن: الأولى (بابل) هي من دون الله، ومبنيةٌ على الكبرياء والادّعاء بالاكتفاء الذاتيّ، وتسعى إلى "بلوغ السماء دون بركة الله"؛ والنتيجةُ الحتميّة هي التشتّت. وأمّا الثانية (أورشليم)، وانطلاقًا من حالة الخراب التي أصابتها، قد وُلِدتْ من جديدٍ، إذ "إنّه عملٌ يضع الله في المقام الأوّل، ويعيد بناء الروابط قبل الحجارة"؛ والنتيجةُ المفرحة هي التناغم والانسجام.
ومن خلال رَبْطِ هذين الرمزَيْن أو الصورَتْين لهاتَيْن المدينتَيْن بالتكنولوجيا والثورة الرقميّة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعيّ، يمكن التأكيد، مع قداسة البابا، بأنّ الاكتشافات العلميّة: «من النّاحية النّظريّة، هي ليست في حدّ ذاتها حلًّا لمشاكل الإنسانيّة، كما أنّها ليست في حدّ ذاتها شرًّا، ولكن، من النّاحية العمليّة، هي ليست محايدة، لأنّها تتّخذ وجهَ الذي يفكّر فيها، ويموّلها، وينظّمها، ويستخدمها. لهذا السّبب، فإنّ الخيار الأوّل ليس بين "نَعم" أو "لا" للتكنولوجيا، بل بين بناء بابل أو إعادة بناء أورشليم: بين سُلطة تدّعي السّيطرة على السّماء، وبين شعب، في حضور الله، يشرع في العمل متّحدًا لإعادة بناء أسوار العيش الأخويّ معًا» (بند 9).
وهذا الربطُ عينه (بمفارقته) يتحوّل بدوره إلى "بركةٍ" نلتمسها من لدن الله، و"مهمّةٍ" ملحّة تنتظرنا، أي «أن نكون بناة للتواصل، لا مهندسي بابل، وخدّامًا للملكوت الآتي، لا سادة لأبراج محكوم عليها بالانهيار» (بند 16). وكذلك يبات هذا الربطُ "صورةَ بناءٍ" لمشروعَيْن للاختيار بينهما أيضًا: «من جهةٍ برج بابل، حيث يقود العمل الجماعيّ مشروعًا للسّيطرة وينتهي بتجريد الإنسان من إنسانيّته (راجع تكوين 11، 1-9). ومن جهةٍ أخرى أنقاض أورشليم، التي أعيد بناؤها قطعة قطعة تحت قيادة نحميا، كعمل مشترك مسؤول (راجع نحميا 2-6)» (بند 90).
إنّ هاتَيْن المدينتَيْن الكتابيّتَيْن ليستا بعيدتَيْن عن مدينتي القدّيس أَغسطينُس: مدينة "حُبّ الذات فقط" الأرضيّة، ومدينة "حُبّ الله والقريب" السماويّة (بند 130). وساحةُ الصراع بين هذَيْن الحُبّين، المشتعل في قلبِ كلّ واحدٍ منّا أيضًا، هي ساحةُ صراعٍ بين "منطِقَين متعارِضَين": «من جهةٍ، التّجربة لبناء برج بابل، بالاعتماد على القوّة والكبرياء، ومن جهةٍ أخرى، الصّبر لبناء أورشليم من جديد، كما في زمن نحميا، "قطعة قطعة"، لحماية الإنسان والخير العام» (بند 184).
بعد أن تساءل البابا لاوُن الرابع عشر، طوال رسالته العامّة الأولى «الإنسانيّة الرائعة»، عن نوعيّة "العالم الذي نبنيه"، وعن "ماذا يعني أن نحمي الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعيّ"، قد أشار، في خاتمة رسالته العامّة، إلى الخطوط العريضة لمسيرة الحياة المسيحيّة في عصر التكنولوجيا والثورة الرقميّة، أي إلى "بوصلةٍ لحياةٍ إنجيليّة في العصر الرّقميّ" (بنود 229-245). فعلى الصعيدَيْن العمليّ والرعويّ، وللبلوغ إلى الهدف المنشود (أي أن نكون خدّامًا لملكوت الله ولمدينة "حُبّ الله والقريب" السماويّة، لإعادة بناء أسوار أورشليم)، قَدّم البابا «مسيرةً للحياة المسيحيّة متّسمة بالبساطة ومتطلّبة نعيش بها هذا التّغيير التّاريخيّ في ضوء الإنجيل. إنّها مسيرة تنشأ من التّأمّل في مخطّط الله، وتعيش الوَحدة الكنسيّة وتتغذّى من كلمة الله والإفخارستيّا، وتبني العالم في الخير، وتصلّي مع مريم العذراء» (بند 229).
وبكلماتٍ وَجيزة، دعا البابا الجميعَ إلى ما يلي:
1. التأمّل في "مخطّط الله"، أي في سرّ التجسّد، وفي "جسد الابن، الفقير والضعيف"، وفي "إلهٍ يولد في المذود ونسجد له، إلهٍ يعيش ويتجوَّل في اليهوديّة، إلهٍ يموت على الصّليب، إلهٍ مات ورقد في القبر"، و"في وجه الابن، في الإنسانيّة الرّائعة التي تضيء أيضًا عصر الذّكاء الاصطناعيّ" (بنود 230-233)؛
2. الروحانيّة الإفخارستيّة، أي "روحانيّة الوَحدة الكنسيّة في المحبّة" (بند 234)؛
3. «روحانيّة "المهندس المعماريّ الحكيم" الذي يلتزم في بناء العالم في الخير، وهو مدفوع برجاء ملكوت الله [...] يجب أن نكون أُمناء للحقّ، ونستثمر في التّربية، ونهتمّ بالعلاقات، ونحبّ العدل والسّلام» (بند 236)؛
4. و«بعد الإيمان الذي يتأمّل في مخطّط محبّة الآب، والمحبّة التي توحّدنا في جسد كنسيّ واحد، والرّجاء الذي يعزّز عملنا في العالم»، تأتي "الصلاة" برفقة "شاعرة ونبيّة الفداء" و«سيِّدة نشيد "تعظّم نفسي الرّبّ"»، أي مريم العذراء (بنود 243-245).





