الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
لكن إلى جانب الاعتراض المنطقيّ والأنطولوجيّ على فكرة القدرة المطلقة، يوجد اعتراض آخر، أكثر لاهوتيّة ودينيّة بالمعنى الحقيقيّ. يمكننا أن نجمع بين قدرة الله المطلقة وصلاحه المطلق بثمن واحد فقط: أن يصبح الله غير قابل للفهم تمامًا. فأمام وجود الشرّ في العالم، إذا أردنا أن نحتفظ بالقدرة المطلقة والصلاح المطلق معًا، علينا أن نضحّي بإمكان فهم الله. ولا يمكن القول إنّ إلهًا مطلق الصلاح ومطلق القدرة يسمح مع ذلك للعالم بأن يكون كما هو إلّا إذا جعلنا هذا الإله غير قابل للفهم تمامًا.

وبصيغة أعمّ، توجد ثلاث صفات أمامنا: الصلاح المطلق، والقدرة المطلقة، وإمكان فهم الله. والعلاقة بينها، في رأيي، هي أنّ الجمع بين اثنتين منها يستبعد الثالثة. فأيّ هذه الصفات ينتمي حقًّا إلى مفهومنا عن الله؟ وأيّها ينبغي أن يتراجع أمام المطالب الأقوى للصفات الأخرى؟ الصلاح، بلا شكّ، لا يمكن فصله عن مفهوم الله، ولا يمكن التخفيف منه. أمّا إمكان فهم الله، فهو محدود بطبيعة الله وبقدرة الإنسان، ولذلك لا نستطيع أن ندّعي فهمًا كاملًا، لكن لا يجوز أيضًا إلغاؤه تمامًا.

فإنّ "Deus absconditus" أي «الإله المحتجب» تمامًا — فضلًا عن إله عبثيّ — مفهوم شديد الغربة عن اليهوديّة. فتعليمنا، أي التوراة، يقوم على الافتراض بأنّنا نستطيع أن نفهم شيئًا عن الله، وإن لم نفهمه بالكامل: شيئًا من إرادته ومقاصده، بل ومن طبيعته، لأنّه كشف لنا شيئًا من ذاته. لقد حدث وحي. ولدينا وصاياه وشريعته. وقد تكلّم مباشرةً مع بعض البشر، أي الأنبياء، الذين صاروا فمه للناس، مستخدمًا لغة البشر وفي أزمنتهم. نعم، تمرّ معرفتنا بالله عبر هذا الوسيط المحدود، لكنها لا تختفي في ظلام كامل. فإله مستتر تمامًا لا يمكن قبوله بحسب المعايير اليهوديّة. لكن هذا هو بالضبط ما ينبغي أن يكون عليه الله إذا قلنا إنّه صالح وكليّ القدرة معًا.

بعد أوشڤيتس، يمكننا أن نقول بقوّة أكبر من أيّ وقت مضى إنّ إلهًا كليّ القدرة ينبغي أن يكون إمّا غير صالح، أو أن يكون، في حكمه للعالم، غير قابل للفهم تمامًا. لكن إذا كان ينبغي لله أن يظلّ قابلًا للفهم بطريقة ما وإلى حدّ ما — وهذا ما ينبغي أن نتمسّك به — فيجب أن يكون صلاحه متّسقًا مع وجود الشرّ. ولا يكون ذلك ممكنًا إلّا إذا لم يكن كليّ القدرة. عندئذ فقط يمكننا أن نحافظ على أنّه صالح وقابل للفهم، مع بقاء الشرّ موجودًا في العالم. وبما أنّ مفهوم القدرة المطلقة ظهر لنا مشكوكًا فيه أصلًا، فهو الذي ينبغي أن يتراجع.

وحتى الآن لم تفعل حجّتنا بشأن القدرة أكثر من وضع مبدأ لأيّ لاهوت يمكن قبوله مع الاستمرار في التراث اليهوديّ: ينبغي أن تُفهَم قدرة الله بوصفها محدودةً بشيء يعترف الله بوجوده المستقلّ وبقدرته على الفعل بذاته.² ويمكن، بالطبع، تفسير ذلك على أنّه تنازل إراديّ من الله: فهو ما زال يمتلك القدرة كاملةً ويستطيع الرجوع عن هذا التنازل متى شاء، لكنه يختار ألّا يستخدم قدرته بالكامل احترامًا لحقّ الخليقة في الاستقلال. وربما يكون هذا التفسير أكثر قبولًا للمؤمنين المتديّنين. لكنّه لا يكفي.

فأمام فظاعة ما يفعله بعض حاملي صورة الله في الخليقة بالأبرياء، مرّة بعد أخرى، ومن جانب واحد تمامًا، كنّا نتوقّع من الإله الصالح أن يكسر أحيانًا، ولو مرّة، قاعدة ضبط ذاته مهما كانت صارمة، وأن يتدخّل بمعجزة منقذة.³ لكن لم تحدث معجزة منقذة. خلال الأعوام التي كانت أوشڤيتس تعمل فيها، ظلّ الله صامتًا. أما المعجزات التي حدثت فقد جاءت من الإنسان وحده: من أولئك الأفراد، ومعظمهم مجهولون، من «أبرار الأمم»، الذين لم يتراجعوا أمام التضحية القصوى لكي يساعدوا وينقذوا ويخفّفوا الألم، بل وحتى، عندما لم يبقَ شيء آخر، لكي يشاركوا إسرائيل مصيره. سأعود إليهم لاحقًا.

لكن الله ظلّ صامتًا. وهنا أقول — أو تقول أسطورتي: لم يتدخّل الله، لا لأنّه اختار ألّا يتدخّل، وإنما لأنّه لم يستطع. وانطلاقًا من أسباب فرضتها الخبرة المعاصرة بقوّة، أتبنّى فكرة إله تخلّى، طوال زمن مسار العالم الجاري، عن أيّ قدرة على التدخّل في المجرى الفيزيائيّ للأشياء.

وهو يستجيب لما تفعله أحداث العالم بكيانه، لا «بيد قويّة وذراع ممدودة»، كما نتلو نحن اليهود في كلّ فصح حين نذكر الخروج من مصر، وإنما بنداء صامت ملحّ صادر عن غايته التي لم تتحقّق بعد. ولا شكّ أنّ تأمّلي هنا يبتعد كثيرًا عن أقدم التعاليم اليهوديّة. فمع سقوط «اليد القويّة» تسقط بعض مقالات الإيمان الثلاث عشرة عند موسى بن ميمون، التي ننشدها في عبادتنا: القول إنّ الله يحكم الكون، وإنّه يكافئ الصالح ويعاقب الشرير، بل وحتى القول بمجيء المسيح الموعود.

لكن لا تسقط تلك التي تتحدّث عن نداء الله إلى النفوس،⁴ وعن إلهامه للأنبياء والتوراة، ولا تسقط أيضًا فكرة الاختيار؛ لأنّ العجز الذي أتحدّث عنه يخصّ المجال الفيزيائيّ وحده. وفوق كلّ شيء، تظلّ وحدانيّة الله ثابتةً بلا نقصان، ومعها: «اسمع يا إسرائيل». ولا نستعين بأيّ ثنائيّة مانويّة لكي نفسّر الشرّ؛ فالشرّ ينشأ من قلوب البشر وحدهم، ومن هناك يكتسب قوّته في العالم. ومجرّد السماح بالحرّيّة البشريّة تضمّن منذ ذلك الحين تنازلًا عن انفراد القدرة الإلهيّة. وقد قادتنا مناقشتنا للقدرة نفسها أصلًا إلى رفض القدرة الإلهيّة المطلقة.

وبعد التخلّي عن فكرة القدرة المطلقة، يبقى أمامنا نظريًّا أحد خيارين: إمّا ثنائيّة سابقة على الخلق، لاهوتيّة أو أنطولوجيّة، وإمّا تحديد الله لذاته من خلال الخلق من العدم. وقد تتّخذ الثنائيّة الأولى صورةً مانويّة، أي وجود قوّة شرّ فاعلة تقاوم الغاية الإلهيّة منذ الأزل، فنحصل على لاهوت إلهين. وقد تتّخذ صورةً أفلاطونيّة: مادة سلبيّة تفرض النقص على تحقّق المثال في العالم، أي ثنائيّة الصورة والمادّة.

الأولى غير مقبولة بوضوح في اليهوديّة. أما الثانية فقد تفسّر، في أفضل الأحوال، النقص والضرورة الطبيعيّة، لكنها لا تفسّر الشرّ الإيجابيّ المتعمّد، الذي يفترض حرّيّةً مُنحت القدرة على الفعل من ذاتها، مستقلّةً في هذا المجال عن قدرة الله. والمشكلة التي ينبغي للاهوت اليهوديّ مواجهتها الآن هي واقع الشرّ المتعمّد ونجاحه، أكثر من ويلات السببيّة الطبيعيّة العمياء؛ أي أوشڤيتس، لا زلزال لشبونة.

ووحده الخلق من العدم يتيح لنا الجمع بين وحدانيّة المبدأ الإلهيّ وبين ذلك التحديد الذاتيّ الذي يتيح وجود عالم واستقلاله. لقد كان الخلق ذلك الفعل من السيادة المطلقة الذي وافق فيه الله، من أجل وجود المحدود القادر على تقرير ذاته، على ألّا يبقى مطلقًا بعد ذلك بالمعنى نفسه. أي إنّ الخلق كان فعلًا من تقييد الله لذاته.

يتبع…