(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

مُقدّمةٌ
في صباح يوم السّبت الموافق الـ31 من شهر ديسمبر/كانون الأوّل للعام 2022، رحل عن عالمنا البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر، الذي يحتلّ التّرتيب الـ265 في قائمة باباوات الكنيسة الكاثوليكيّة. وهو عَالِمُ لاهوت كاثوليكيّ ألمانيّ؛ وكان كاهنًا منذ عام 1951، ورئيس أساقفة وكاردينالًا منذ عام 1977، ورئيس مجمع العقيدة والإيمان منذ عام 1981، وعميد الكرادلة منذ عام 2002. وفي العام 2005، انتخِب بابا للكنيسة الكاثوليكيّة متّخِذًا اسم "بِنِديكْتُس السَّادس عشر" (وهو مستوحَى من اسم البابا "بِنِديكْتُس الخامس عشر" والقدّيس "بِنِديكْتُس النُّورسيّ"). وبعد بضعة أعوام، في العام 2013، قدّم استقالته كأسقف لكرسي روما. ولا يزال فكره وكِتاباته في غاية الأهمّيّة بالنسبة للمسيحيّين المعاصرين جميعًا، وليس للكاثوليك فحسب؛ وحيال إنتاجه الفكريّ الثّريّ ثمّة معجبون ومنتقدون.

ويحاول هذا المقالُ تقديم بِيوغْرَافيا (سِيرَة حياتيّة) مُوجَزة عن البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر، مع إبراز بعض المحطَّات المهمّة في حياته كمسيحيّ وعَالِم لاهوت وقائد دينيّ وبابا. وقد اعتمدنا في كتابة هذه السّطور على مراجع ومواقع رسميّة متاحة باللّغات الأجنبيّة.

أوّلًا: طفولتُه وشبابه
وُلِد جوزيف راتسينغر في "ماركتل آم إن" (ألمانيا)، في أراضي إيبارشيّة "باسّاو"، في الـ16 من أبريل/نيسان 1927. وقد تزامن ميلاده مع يوم السّبت المقدّس، وعُمِّد في اليوم ذاته. وكان والده ينحدر من عائلة عريقة من المزارعين من "بافاريا السّفليّة"، وظروفه الاقتصاديّة كانت متواضعة إلى حدّ ما. وكانت والدته ابنة أحد الحِرفيّين من "ريمستينغ" على بحيرة "شيم"، وقبل أن تتزوّج عملت كطاهية في فنادق مختلفة.

قضى راتسينغر طفولته ومراهقته في "تراونشتاين"، وهي بلدة صغيرة بالقرب من الحدود النّمساويّة، على بعد ثلاثين كيلومترًا من "سالزبورغ". وفي هذا السّياق تلقّى تكوينه المسيحيّ والإنسانيّ والثّقافيّ. لم تكن فترة شبابه بالأمر السّهل والهَيِّن. وقد أعدّه إيمانُ عائلته وتعاليمها لمواجهة التّجربة القاسيّة لتلك الأوقات العصيبة التي حافظ فيها النّظام النّازيّ على مناخ من العداء الشّديد تجاه الكنيسة الكاثوليكية. فقد شاهد الشّاب راتسينغر كيف ضرب النّازيّون كاهنًا قبل احتفاله بالقداس الإلهيّ. وتحديدًا، في هذا الجوّ المعقّد والصّعب، اكتشف جمال وحقيقة الإيمان بالمسيح. ولقد لعبت عائلته دورًا هامًّا ومحوريًّا في حياته، إذ عاشت– دائمًا وبوضوح– شاهدة للخير والرّجاء، مع انتماء عميق الجذور إلى الكنيسة. وفي الأشهر الأخيرة للحرب العالميّة الثّانية، جُنِّد راتسينغر في الخدمات المساعدة المضادة للطائرات.

ثانيًا: دراستُه وسيامته الكهنوتيّة ونشاطه العلميّ والكنسيّ
من العام 1946 إلى العام 1951، درس راتسينغر الفلسفة وعلم اللّاهوت في المدرسة العليا للدراسات الفلسفيّة واللّاهوتيّة في "فريسينج"، وأيضًا في جامعة "ميونيخ" في "بافاريا". ونال السّيامة الكهنوتيّة في الـ29 من يونيو/حزيران للعام 1951. وبعد عام واحد، بدأ نشاطه كأستاذ في مدرسة "فريسينج" العليا.
وفي العام 1953، حصل على درجة الدّكتوراة في علم اللّاهوت بأطروحة تحت عنوان: "شعب وبيت الله في التّعليم حول الكنيسة عند القدّيس أَوْغسطينُس". وبعد أربعة أعوام، وبتوجيه من البرُوفيسور المعروف في علم اللّاهوت الأساسيّ "غوتليب سونجن" (Gottlieb Söhngen)، حصل على إذن التّدريس في الجامعات الألمانيّة بأطروحة تحت عنوان: "لاهوت التّاريخ عند القدّيس بونافنتورا".

بعد أن عمل أستاذًا لعلم اللّاهوت العقائديّ والأساسيّ في المدرسة العليا للفلسفة واللّاهوت في "فريسينج"، واصل نشاطه التّدريسيّ في "بونّ"، من العام 1959 إلى العام 1963؛ ثمّ في "ميونستر"، من العام 1963 إلى العام 1966؛ وفي "توبنغن"، من العام 1966 إلى العام 1969. وفي العام 1969، أصبح أستاذًا للعقيدة وتاريخها في جامعة "ريغنسبورغ"، حيث شغل أيضًا منصب نائب رئيس الجامعة.

من العام 1962 إلى العام 1965، قدّم راتسينغر عدّة إسهامات ملحوظة في وثائق المجمع الفاتيكانيّ الثّاني بصفته "خبيرًا"، ولا سيّما في الدّستورين العقائدين حول الكنيسة ("نور الأمم") وحول الوحي الإلهيّ ("كلمة الله"). وقد شارك أيضًا كمستشار لاهوتيّ للكاردينال جوزيف فرينجز، رئيس أساقفة كولونيا.

لقد قاده نشاطه العلميّ المكثّف إلى شغل مناصب مهمّة في خدمة مجلس الأساقفة الألمان واللّجنة الثِّيولوجيّة العالميّة. وفي العام 1972، أسّس مع هَنْس أُورس فُون بَالْتَزَر وهنري دُي لوباك وغيرهما من كبار علماء اللّاهوت الكاثوليك المجلّة اللّاهوتيّة "الشّراكة" ("Communio").

[يُتبَع]

[مقالةٌ نُشِرت في مجلّة "نور على الطريق" (التابعة لمعهد التربيّة الدينيّة بالسكاكيني)، في عددها الأوّل للعام 2024 (رقم 145/ 750)، ص. 1-23].