بقلم: أيمن فايز عطية
فبعض الذين لم يدخلوا المهنة بعد… قد يملكون ما تبحث عنه المهنة نفسها.

ذهبت بدعوة من الفنان رفيق يسي؛ صداقة جمعتنا قبل أن تأخذنا الفنون إلى طريقين مختلفين: هو إلى المسرح، وأنا إلى الصورة والفن التشكيلي والإخراج. ظننت أنني ذاهب لأساند صديقًا، فإذا بالخشبة تعيد إليَّ سؤالًا لم أذهب للبحث عنه:

أين يسكن الاحتراف فعلًا؟
لا أكتب كناقد مسرحي؛ وكان في القاعة من يملكون هذه الصفة وأدواتها أكثر مني. لكن قراءة الصورة كانت هوايتي قبل أن تصبح حرفتي. عشت مع التكوين واللون والكتلة والفراغ، ثم مع الكاميرا والكادر والمونتاج والإخراج. لذلك حين أشاهد خشبة، تعمل عيني بطريقتها: أقرأ الإنسان داخل الكادر، والمسافة حوله، والضوء حين يتكلم، والصمت حين يصبح جزءًا من الصورة.

وفي عروض «حلاوة شمسنا للمسرح» كان أول ما تكشفه العين قلة الإمكانات. وآخر عرض مسرحي حضرته كان «الملك لير» على خشبة المسرح القومي؛ أي على الطرف الآخر تقريبًا من معادلة الإمكانات.

لكن المقارنة هنا لا تهمني.
لأنني اكتشفت أن ما ينقص هذا المسرح من عتاد وتقنيات، يحاول تعويضه بما لا يُشترى: الإنسان، والفكرة، والتدريب، والعفوية، وعين المخرج، وروح الجماعة.

وهنا بدأت متعتي الحقيقية.
بعض من شاهدتهم يخوضون تجربة التمثيل للمرة الأولى. بالطبع تظهر خشونة البداية أحيانًا، لكن يظهر معها شيء قد يفقده المحترف نفسه إذا لم ينتبه: الطبيعية. تلك اللحظة التي لا ترى فيها شخصًا «يؤدي» إحساسًا بقدر ما ترى إنسانًا يصدقه.

وهذا لا ينتقص من الاحتراف؛ فالتدريب هو ما يستطيع أن يحوّل الومضة إلى قدرة. لكنه يعيد السؤال إلى مكانه الصحيح:
هل الاحتراف يصنع الموهبة، أم يأتي ليصقل موهبة سبقت المهنة؟

ربما لهذا تذكرت فيلم «رفعت عيني للسما»؛ تجربة خرجت من البرشا في المنيا، وبطلاتها لم يأتين من مصنع النجومية ولا من الوسط الفني المحترف، ثم وصلت إلى مهرجان «كان» وحصدت «العين الذهبية». لم تكن الجائزة وحدها هي اللافتة، بل السؤال الذي أعادته التجربة إلى الواجهة: هل الموهبة حكر على من يحمل صفة «فنان محترف»؟

فالاحتراف مهم، لكن الموهبة لا تستأذنه كي تولد.

وجدت هذه الفكرة مجسدة أيضًا في الأطفال. لم يكونوا زينة خفيفة على أطراف العروض الثلاثة؛ كانوا في قلب التجربة. والطفل على الخشبة لا يمثل حاضر العرض فقط، بل احتمال المسرح نفسه بعد سنوات. وأجمل ما لديه أنه لم يتعلم بعد كيف «يتصنع الطبيعية».
ومن الطفل اتسعت الصورة إلى الأسرة كلها.

ألعاب وشاشات وإنترنت وذكاء اصطناعي؛ ثم شباب وعلاقات زوجية، وبيت تتراجع فيه الجلسة العائلية، وصولًا إلى أب كبير يدخل المستشفى ويمر بالغيبوبة بينما لا يدرك أبناؤه ما حدث له.

وهنا توقف العرض عند صورة أعرف أنها تمس جمهورنا سريعًا، لكن سعد فراج لم يجعلها مجرد استدرار للعاطفة. كان في حضوره شيء من وقار العمر نفسه؛ رجل لا يحتاج إلى كثير من الحركة كي نشعر بثقل ما حدث له. وربما اقترب المشهد أحيانًا من المنطقة الوعظية التي يألفها جمهورنا، لكنه عبرها إلى شيء أكثر إنسانية:

أننا لا ننسى أهلنا دائمًا لأننا لا نحبهم؛ قد ننساهم لأن الحياة تراكم فوقهم تفاصيلها، حتى يصبح الحب نفسه مؤجلًا.
وهذه عندي كانت من أقسى صور الليلة. أب موجود، وأبناء موجودون، ووسائل الاتصال في أيدي الجميع، ومع ذلك يمكن أن يصبح الإنسان الأقرب إلينا أبعد شخص عنا.

نمتلك وسائل اتصال لم يعرفها أي جيل سابق، وقد نصبح أقل اتصالًا بمن يجلسون إلى جوارنا.
لكن هنا أيضًا كان خلافي الفكري مع العرض.

شعرت أن الإنترنت والذكاء الاصطناعي دخلا في معظم الوقت من باب الخطر، بينما كنت أحتاج إلى كادر أوسع. فالتكنولوجيا لم تخترع ضعف الحوار الأسري، ولا الوحدة، ولا مشكلات الأزواج، ولا انشغال الأبناء عن آبائهم. تستطيع أن تضخمها بصورة مخيفة، نعم؛ لكنها تستطيع كذلك أن تفتح المعرفة، وتقرب المسافات، وتمنح الطفل والشاب أدوات للتعلم والإبداع لم تكن متاحة لأجيال سابقة.

لذلك لا أعتقد أن الحصانة هي أن نخيف أبناءنا من لغة زمنهم.
الحصانة أن نجيد نحن وهم لغة العصر، دون أن نفقد لغتنا الإنسانية.

كنت أتمنى أن أرى على الخشبة الوجهين: طفلًا تبتلعه الشاشة، وآخر يفتح بها العالم؛ شابًا يجعل الذكاء الاصطناعي بديلًا عن عقله، وآخر يجعله شريكًا في البحث والسؤال. ليس دفاعًا عن التكنولوجيا، وإنما دفاعًا عن الدراما؛ لأن الفن يصبح أغنى عندما لا يقدم المتهم جاهزًا، بل يترك المسؤولية في يد الإنسان.
وربما كانت أجمل مفارقة في الليلة أن الإجابة التي كنت أبحث عنها في النص وجدتها في الفريق نفسه.

رأيت ناجي عبدالله لا باعتباره فقط المؤلف والمخرج و«سيد الكادر»، بل كأب لأسرة فنية يعرف أبناءها كما يعرف الأب أولاده؛ يعرف اختلافاتهم وقدراتهم، ويمنح لكل منهم مساحته. ومحبة الفريق له لم تكن تحتاج إلى إعلان. كانت تُرى.

وحتى عندما كان يخرج ليقدم أبطال العرض، بدا أحيانًا كأنه «مذيع ربط» بين الفقرات، بابتسامة لا تفارقه؛ لكن خلف هذه الخفة كان هناك شيء أهم: رجل يعرف أن الكادر ليس ملكًا للمخرج، وأن نجاحه الحقيقي أن يدخل الآخرون إلى الضوء.

وهنا فهمت لماذا بدت كلمة «فريق» أقل من الحقيقة.

كانت أسرة عمل.
من يقف أمام الستار، ومن يظل خلفه؛ ممثل، طفل، شاب، صاحب خبرة، ومن يواجه الجمهور للمرة الأولى، ومن يعمل في الصوت والإضاءة والملابس والتنظيم ولا يعرف الجمهور اسمه. في تجربة محدودة المال كهذه، هؤلاء ليسوا «مساعدين» للعمل؛ هم رأس ماله.

ولهذا خرجت من الليلة لا مشغولًا بفقر الإمكانات، بل بثروة أخرى.

المسرح الكبير يستطيع أن يشتري أفضل ضوء وصوت وديكور، وهذا جزء أصيل من الصناعة لا أقلل منه لحظة. لكن أغلى التجهيزات لا تعرف أين تضع الإنسان داخل الكادر، ولا تستطيع أن تخلق علاقة بين فريق ومخرجه، ولا أن تشتري حضورًا أو موهبة أو صدقًا.

ذهبت لأساند صديقي رفيق يسي، فوجدت أمامي تجربة لا أريد أن أبالغ في مديحها، ولا أن أحاكمها بمقاييس مسرح الدولة. يكفيني أنها أعادت إليَّ سؤالًا كنت أظنه محسومًا:

هل الاحتراف أن تمتلك أفضل أدوات الفن… أم أن تعرف كيف تصنع فنًا حين لا تمتلكها؟
ربما نحتاج إلى الاثنين.
لكن إن اضطررت إلى اختيار نقطة البداية، فسأختار دائمًا العين والإنسان.
لأن الجهاز الاحترافي يمكن شراؤه غدًا.
أما الروح التي تعرف ماذا تفعل به، فلا توجد في قوائم الأسعار.

وربما حان للفريق نفسه أن يخطو خطوة أخرى: من «حلاوة شمسنا» إلى «حلاوة فننا». فالهوية التي صنعها أحد عشر عامًا من العمل لم تعد تحتاج إلى استعارة أغنية قديمة كي تجذب الجمهور؛ صار للفريق ما يكفي من التجربة ليصنع اسمه كما صنع مسرحه.

وتبقى كلمة امتنان لدير الآباء الفرنسيسكان؛ ذلك الصرح الذي فتح بابه لهذه التجربة، فكان وراء الضوء مساحة آمنت بأن الفن يستحق مكانًا ليولد وينمو.