(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

ثالثًا: خدمتُه كأسقف وكاردينال وبابا
في الـ25 من مارس/آذار للعام 1977، عيّنه البابا بولس السّادس (المتنيّح في الـ6 من أغسطس/آب 1978) رئيسَ أساقفة "ميونيخ وفريسينج"؛ وفي الـ28 من مايو/أيار للعام ذاته، نال رسامته الأسقفيّة. فكان أوّل كاهن إيبارشيّ، بعد 80 عامًا، يتولّى رعاية الإيبارشيّة البافاريّة العظيمة. وقد اختار شعاره الأسقفيّ على هذا النّحو: "مُعاوِنون للحقّ-للحقيقة" (3 يو 8 ). وشرح هو ذاتُه سببَ اختياره لهذا الشّعار الرّوحيّ قائلًا:

«قبل كلّ شيء، لأنّه قد بدأ لي أنّه يمكن أن يعبّر جيّدًا عن الاستمراريّة بين مهمّتي السّابقة [كأستاذ] ورسالتي الجديدة. فعلى الرّغم من كلّ الاختلافات، إنّ ما كان وما زال على المِحَكّ هو اتّباع الحقيقة، والبقاء في خدمتها. وأيضًا لأنّ موضوع الحقيقة في عالم اليوم يكاد يكون مختفيًّا تقريبًا، إذ إنّه يبدو وكأنّه شيء كبير جدًّا بالنسبة للإنسان؛ ومع ذلك، إذا كانت الحقيقة غير موجودة فإنّ كلّ شيء ينهار» .

لقد أقامه البابا بولس السّادس كاردينالًا في الـ27 من يونيو/حزيران من العام ذاته. وأمّا في العام 1978، فقد شارك الكاردينال راتسينغر في اجتماع الكونكلاف، الذي عُقِد في الفترة من 25 إلى 26 أغسطس/آب، والذي انتخِب فيه البابا يوحنّا بولس الأوّل، الذي عيّنه بدوره مبعوثًا خاصًّا له إلى المؤتمر المريميّ الدّوليّ الثّالث، الذي انعقد في "غواياكيل" (الإكوادور)، في الفترة من الـ16 إلى الـ24  من سبتمبر/أيلول. وفي شهر أكتوبر/تشرين الأوّل من العام نفسه، شارك أيضًا في اجتماع الكونكلاف الذي انتخِب فيه البابا يوحنّا بولس الثّاني.

في الـ25 من نوفمبر/تشرين الثّاني للعام 1981، عيّنه البابا يوحنّا بولس الثّاني رئيسًا لمجمع العقيدة والإيمان، وأصبح أيضًا رئيس اللّجنة الحبريّة البِيبْليّة واللّجنة الثِّيولوجيّة العالميّة. ولذا فقد تخلّى عن التّدبير الرّعويّ لإيبارشيّة "ميونيخ وفريسينج"، في الـ15 من فبراير/شباط للعام 1982. ومن ضمن أعماله العديدة والهامّة، في هذه الفترة، كان قيامه برئاسة اللّجنة المنوطة بإعداد كتاب "التَّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة"، الذي صدر في عام 1992، أثناء حبريّة البابا يوحنَّا بولس الثّاني. 

في العام 2005، كُلِّف الكاردينال راتسينغر بكتابة تأمّلات "مراحل درب الصّليب"، التى احتِفل بها يوم الجمعة المقدّسة أو العظيمة في "الكولوسيوم" بروما. وقد سطَّر هذه الكلمات المعبِّرة، في المرحلة التّاسعة: «كم من مرّة نحتفل بأنفسنا فقط دون أيّ اعتبار له [ليسوع]! كم من مرّة شُوِّهَت كلمته وأُسِيء استعمالها! ما مدى ضآلة الإيمان في العديد من النّظريّات، وكم من كلمات فارغة! كم من قذارة قائمة في الكنيسة، وبالتّحديد أيضًا بين أولئك الذين ينبغي أن ينتموا له كليّةً، في الكهنوت! كم من كبرياء، وكم من اكتفاء ذاتيّ!» .

وبعد نياحة البابا يوحنَّا بولس الثّاني، في الـ2 من أبريل/نيسان للعام 2005، انتخَب الآباءُ الكرادلة راتسينغر بابا للكنيسة الكاثوليكيّة، فاتَّخذ اسم "بِنِديكْتُس السَّادس عشر". وبعد بضعة أعوام من حبريّته، في الـ11 من فبراير/شباط للعام 2013، فاجأ البابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر العالم أجمع بتقديم استقالته بمحض إرادته وبكامل قواه العقليّة؛ وأعلن باللّغة اللّاتينيّة أنّه لم يعد لديه القوّة اللّاَزِمة لمواصلة قيادة الكنيسة الكاثوليكية. وبدايةً من الـ28 من فبراير/شباط للعام 2013، بات كرسى روما شاغرًا، حتّى اختيار البابا فرنسيس (منذ الـ13 من مارس/آذار للعام 2013). وإن كان قد بحث الكثيرون عن الدوافع الكامنة وراء استقالة البابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر المفاجئة، إلَّا أنّه لا يستطيع أحدٌ إخفاء دهشته حيال هذا الحدث الذي يدّل أوّل ما يدّل على تواضع وتجرُّد ونزاهة وشَجاعة هذا "البابا اللّاهوتي".

رابعًا: رحلاتُه الرّسوليّة
قام البابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر بأربع وعشرين رحلة رسوليّة: بدايةً من الرّحلة الأولى إلى مدينة "كولونيا" الألمانيّة بمناسبة اليوم العالميّ العشرين للشبيبة، في شهر أغسطس/آب للعام 2005، حتّى الرّحلة الأخيرة إلى لبنان في شهر سبتمبر/أيلول للعام 2012. وقد زار البابا جميع القارات عبر مراحل، من بينها تركيا، والبرازيل، والولايات المتّحدة، وسيدني، والكاميرون وأنغولا، والأردن، وبنين، والمكسيك وكوبا، بالإضافة إلى رحلات أخرى إلى أوروبا: بولندا، وإسبانيا، والنّمسا، وفرنسا، وجمهوريّة التّشيك، ومالطا، والبرتغال، وقبرص، والمملكة المتّحدة، وكرواتيا، وألمانيا.

في رحلته إلى الأراضي المقدّسة (من الـ8 إلى الـ15 من مايو/أيار للعام 2009)، أثناء تأمُّله في الأرض المباركة (الأردن وإسرائيل والأراضي الفلسطينيّة المستقلّة)، ذكّر قداستُه شعوبَ مختلف البلدان والأديان بأهمّيّة البحث عن الله بجديّة وصدق. ونجد كلماته صالحة ومفيدة حتّى اليوم، خاصّة لأولئك الذين يعتبرون أنفسهم مؤمنين: «على خطى الأنبياء والرّسل والقدّيسين، نحن مدعوون للسير مع الله، ومواصلة رسالته، والشّهادة لإنجيل محبّة الله ورحمته الشّاملتين» .

وفي زيارته لأراضي لبنان الحبيبِ (من الـ14 إلى الـ16 من سبتمبر/أيلول للعام 2012)، إذ سلّم "الإِرشادَ الرَّسوليّ" ("الكنيسةُ في الشَّرقِ الأوسطِ") للكنائس الشّرقيّة، توجَّه قداسته بالشُّكر والتَّشجيع والبركة إلى كنائس الشَّرق الأوسط جمعاء، وبالأخصّ الكنائس الكاثوليكيَّة ذات الحقِّ الخاصّ: 

«يا كنائسَ الشّرقِ الأوسط، لا تَخفْنَ، لأنَّ الرَّبَّ حقّاً معكُنّ حتّى إنتهاء العالم! لا تَخفْنَ، لأنَّ الكنيسةَ الجامعةَ ترافقكُنّ بقُربها منكِ إنسانيِّاً وروحيِّاً! بمشاعرِ الرجاءِ والتّشجيع هذه بأن تكونوا مبادرين فعّالين للإيمان عبر الشّركة والشّهادة، سأسلّم يوم الأحد الإرشاد الرسولي لأخوتي الموقَّرين البطاركة، ورؤساء الأساقفة والأساقفة، ولجميع الكهنة، والشمامسة، والمكرَّسين والمكرَّسات، وللإكليريكيِّين، وللمؤمنين العلمانيِّين. "فتَشَجَّعوا" (يو ١٦، ٣٣)! بشفاعة العذراء مريم، أمِّ الله، أَستدعي وبعاطفة كبيرة فيضاً من النعم الإلهيِّة عليكم جميعاً! ليمنح اللهُ كلَّ شعوبِ الشّرق الأوسط أن يحيوا في السّلام والأُخُوَّة والحُرِّيِّة الدّينيِّة! ليباركَكُم اللهُ جميعاً!» .

[يُتبَع]

[مقالةٌ نُشِرت في مجلّة "نور على الطريق" (التابعة لمعهد التربيّة الدينيّة بالسكاكيني)، في عددها الأوّل للعام 2024 (رقم 145/ 750)، ص. 1-23].