حمدي رزق
تتلبسنى روح العمدة (عبدالرحيم كبير الرحيمية قبلى) كل صباح، والسؤال لم يعد تكتب إيه يا عبدالرحيم، هذا سؤال المقال الماضى بنفس العنوان تقريبا، الجديد: تكتب إيه جديد يا عبدالرحيم؟!
على طريقة ظل يفكر ويفكر، أظل معلقا على حرف، فى انتظار سقوط (تفاحة نيوتن) من أعلى الشجرة، لعل وعسى يفتح علينا الله بفكرة، وهذا نادر الحدوث، فلست إسحاق نيوتن والبلدية قطعت الشجرة، بالمناسبة التفاحة الشهيرة لم تسقط على رأس (العم نيوتن) كما تروج القصة الكرتونية، بل سقطت على الأرض أمامه، ففتح الله عليه بقانون الجاذبية الأرضية.
والدعاء موصول، يفتح علينا ربنا بفكرة، مجرد فكرة، فكرة لله، ولعلها تكون فكرة جديدة جذابة، السر فى الجاذبية، جاذبية الفكرة.
كل صباح أراجع مقولة «رينيه ديكارت» الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، وبالمثل «أنا أكتب، إذن أنا موجود»، أخشى الكتابة فحسب لإثبات وجود، أقصد حضورا، أو مضطرا لملء مساحات محجوزة سلفًا.. لا أخفى عليكم، أكتب مجبورًا على الكتابة، شغلتى ومهنتى وأكل عيشى، تكتب مسرورًا أو مهمومًا، ومثلى مفطور على الكتابة، مضروب فى عقله بالكتابة، تقول عليه ملبوس، ممسوس، عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتى.. وهكذا دواليك، تمر سنين العمر كر حبات المسبحة من بين أصابع رجل صالح، كتابة كتابة كتابة، اللى نبات فيه نصبح فيه، والبحث والتنقيب جارٍ عن فكرة، شرط تكون جذابة.
العم «فيكتور هوجو» فى قبره يزعق فينا: «لا شىء أقوى من فكرة حان وقت ظهورها»، ومثلى فى عرض فكرة، الكاتب عادة عنده فكر، ليس مرضًا عقليًا عافانا الله، الكتابة كما الوحى، فإذا انقطع الوحى، وهربت بنات الأفكار، ماذا يكتب الكاتب والخلان قد كتبوا كل ما يستحق الكتابة؟!
صحيح البعض يعتنق مذهب التكرار يعلم الشطار، شاطر فى غزل فكرة من الهوا الطاير، ولكن التكرار يقبر الأفكار والإلحاح كالإلحاف ممل ثقيل الدم، إعادة تدوير الأفكار، الرسكلة من أمراض الكتابة المزمنة.
صديقى من أفلام الأبيض والأسود كبير الرحيمية قبلى يزورنى كل صباح، بتغريدته المعتادة تكتب إيه جديد يا عبدالرحيم، لا أدرى جوابًا، وعبثًا تبحث عن فكرة فى تلافيف الفضاء الإلكترونى، ترجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير، كليلًا متعبًا منقطعًا من الإعياء بسبب كثرة التكرار والتأمل..
البويات والمنصات الإخبارية مفعمة بأخبار الحرب الإيرانية، وهجمات الحوثى، والمسيرات الأوكرانية، وليس فى خطابات زعامات العالم الحر جديد، سوى سردية ترامب التى يلوكها صباح مساء، والسوشيال ميديا منشغلة بزواج ملك الحديد وعودة هشام عبد الحميد، وإكس تحول إلى مشادات يومية بين الحاج أشرف السعد ومناكفيه، والفيس مرشوم بمنشورات منقوعة فى الكذب، وفضائيات الليل وآخره مندمجة فى التحليل، أقرب إلى مرافعات دفاعية لمواقف وهمية تزعم وطنية.
تكتب إيه جديد يا عبدالرحيم، سؤال ينكد عليك عيشتك، يعكر مزاجك، ومزاجك متكلف بن محوج، ونسكافيه بلاك، وشاى الكابوس، تحديدًا شاى الكابوس مطلوب بشدة فى الحالة الكابوسية التى يعيشها كتاب الأعمدة اليومية، عقل كاتب اليومى لا بيهدى ولا بيرتاح فى يوم، حالتهم صعبة تصعب على القارئ، أصعب من حالة راكب الحصان فى الغمام.
نقلا عن المصري اليوم





