القمص يوحنا نصيف
    يجري البعض وراء المعجزات والغيبيّات، إذ يبحثون فيها عن حلول سهلة وسريعة لمشاكلهم.. وأحيانًا يُحبَطون جدًّا عندما لا تَحدث لهم المعجزة التي يطلبونها، وقد يعتبرون ذلك غضبًا من الله عليهم، أو يتشكّكون في كلّ ما يُكتَب عن معجزات حدثت بالفِعل!

    لذلك أودّ أن نناقش معًا -في مقالتين متتاليتين- هذه المجموعة من الأسئلة والأفكار:
   1- هل المعجزات هي لازِمة من لوازِم الإيمان المسيحي؟
   2- وهل هي إشارة لِرِضَى الله عنّا؟ ولماذا يَفعل معجزاتٍ مع غيرنا ولا يَفعَل معنا؟
   3- وهل هي أصلًا آيات للمؤمنين أم لغير المؤمنين؟
   4- وهل يليق بنا أن نُعَلِّق إيمانَنا عليها؟
   5- وهل كلّ ما نسمعه عن معجزات ينبغي أن نصدّقه؟
   6- وهل يمكن للشيطان أن يصنع معجزات؟
   7- وهل هناك خطورة أو ضرر من السعي وراء المعجزات؟!

    بنعمة المسيح سأناقش هذه الأسئلة السبعة بغير ترتيب، بادِئًا حديثي بنموذج توضيحي لطيف من حياة القدّيس بولس الرسول:
    + أثناء خدمة القدّيس بولس في مدينة أفسس، حدث الكثير من الأمور العجيبة في تلك الفترة التي استمرّت حوالي ثلاث سنوات. فبعد أن كرزَ في مجمع اليهود لمدّة ثلاثة أشهر، ثار اليهود ضدّه وشتموه وطردوه، أمّا هو فلم يقاوِم الشرّ، بل إذ كان يرى أهميّة مواصلة التبشير بالمسيح في تلك المدينة، قام بنقل نشاطه الكرازي من المَجمَع اليهودي إلى مَدرَسة يملكها شخص اسمه "تيرانُّس". ربّما يكون قد قام بتأجير قاعة أو حُجرة أو أكثر في ذلك المبنى، ليلتقي فيه يوميًّا مع التلاميذ وكلّ الراغبين في السماع عن الإيمان بالمسيح، شارِحًا لهم كلمة الربّ وطريق الحياة الأبديّة. وربّما أيضًا كان يستأجِر مبنى المدرسة في توقيت يومي معيّن تكون فيه المدرسة خالية، بعيدًا عن مواعيد الدراسة.

    + لقد كانت مدينة أفسس مركَزًا سياحيًّا كبيرًا، ويزورهًا جمهور كبير من كلّ مناطق آسيا الصغرى، وخاصّةً للمشاركة في الاحتفالات الصاخبة بالإِلَهة الأُنثى "دَيانا"؛ ولكن بسبب خدمة القدّيس بولس الجميلة، وحلاوة حديثه عن محبّة المسيح وخلاصه، فقد كان أولئك السائحون للمدينة يعرجون أثناء زيارتهم على مدرسة تيرانُّس، ليستمعوا لأحاديث بولس الرسول الشيّقة؛ وهكذا صار مكان تواجُد بولس من معالِم المدينة التي يحرص الزوّار على المرور بها.. وقد أعطَى الربّ لبولس نعمة عظيمة، فكانت كلمات الحياة الأبديّة تجري على فمه لتروي النفوس العطشَى، وتقودهم للتوبة، ومِن ثَمّ الانتقال من عبادة الأوثان النجسة إلى عبادة الله الحيّ، والشركة مع الثالوث القدّوس!

    + يقول سِفر أعمال الرسل أنّ "اللهُ كان يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ، حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الْأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الْأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ" (أع19: 11-12). هكذا كان الله يؤيِّد الكرازة بالآيات التابعة العظيمة بحسب وعده (مر16: 17-20)، فقد نظر الله إلى أمانة بولس وصبره ومثابرته في نشر كلمة الله، فأعطاه نعمة لعمل معجزات مُبهِرة، بل أنّ المعجزات كانت تَحدُث للناس بواسِطته دون أن يدري، إذ أنّ الناس كانت تشعر بالقوّة الإلهيّة التي فيه، فيأخذوا بعضًا من المناديل والمآزِر التي كان يضعها على جسده المريض، ويستخدموها لشفاء المرضى وإخراج الأرواح الشرّيرة!

    + نلاحظ هنا أنّ الكرازة هي أساسًا تتمّ من خلال الوعظ والتبشير بكلمة الخلاص وبمحبّة المسيح، ثم قد تأتي المعجزات لتأييد البشارة، أو لا تأتي.. ولكنّ المعجزات وحدها بدون تعليم ليست دُعامة قويّة للإيمان، فالإنسان مع مرور الوقت يَفقِد تأثير المعجزة عليه، أمّا الإيمان المبنِي على فهم وتصديق كلمة الله، وبناء الحياة على محبته والعمل بوصاياه، فهذا هو ما يجعل الإنسان قويًّا راسِخًا، ثابتًا في محبّة الله، وفي شركة حيّة معه، وبالتالي لا يتزعزع إيمانه مهما كانت التحدّيات التي تواجهه.

    + العجيب أنّ بولس كان نشيطًا جدًّا في خدمته وملتهِبًا بالروح، على الرغم أنّه كان مُصابًا بمرض مزعِج في جسده، ويحتاج هو نفسه للشفاء؛ فقد كان يُعاني من قروحٍ أو جروح تستلزم مناديل وعصائب! ولكنّ نعمة الله كانت تسنده بقوّة في ظروف ضعف جسده؛ وهكذا كان الله أمينًا في وَعدِهِ له: "تكفيك نعمتي، لأنّ قوّتي في الضعف تُكمَل" (2كو12: 9).

    + لقد ظلّ بولس مريضًا رغم أنّه كان يَشفِي المرضى، بل أنّه حتّى اللفائف التي كانت على جسده المريض وضع الله فيها قوّةً للشفاء. يا للعجب!

    + من هنا نفهم أيضًا أنّه ليس شرطًا أن يعمل الله لنا معجزات شفاء، كي تكون هذه علامة مساندته لنا ورِضاه عنّا، بل قد نظلّ مرضى بينما يعمل الله فينا بقوّة وبسرور؛ فتدابير الله في حياتنا غالبًا ما تفوق فهمنا المحدود، ولكن هي في مُجمَلِها تدابير خلاصيّة؛ إذ هو يشتاق بالأكثر أن يعمل فينا وبنا لأجل خلاص نفوسنا ونفوس الذين حولنا. وحتّى الأمراض والأوجاع والمناخس التي يضربنا بها عدو الخير، فهي ليست علامات لغضب الله علينا، بل إنّه قادر أن يحوِّلها لفائدتنا، إذ أنّ مرورنا بمثل هذه الضيقات يجعلنا نتّضع ونتّكل على الله أكثر (2كو12: 7)، وبالتالي تكون وسيلةً لخلاصنا، وبركةً للآخَرين أيضًا!

    + هذا ما فهمه القدّيس بولس، بعد أن تضرّع ثلاث مرّات من أجل الشفاء دون جدوى. لقد أدرك أنّ المرض والضعف سيستمرّ معه لكي لا يَرتفع بفرط الإعلانات، بل يظلّ محفوظًا في التواضُع. لذلك عندما سمع رَدّ الله على صلاته "تكفيك نعمتي"، قال كلماته الشهيرة: "بِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذَلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالِاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لِأَجْلِ الْمَسِيحِ. لِأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ" (2كو12: 9-10).

(يُتَّبَع)
القمص يوحنا نصيف