د.منى نوال حلمى
«فريدة» صديقتى اللطيفة الظريفة الشجاعة، المثقفة المبدعة المتفلسفة.. حسناء الملامح، رشيقة القوام.. تستمع أكثر مما تتكلم، تؤمن بالانطباعات الأولى، والجريمة الكاملة، وبأن الخريف ٢١ سبتمبر– ٢١ ديسمبر، هو وقت استثنائى للبكاء، والعشق، وفعل الخير فى صمت.
صديقتى لا تحب الرجل الذى لا يكتفى بالماء والصابون، ويضع عطرا، يسبقه إلى المكان بآلاف الأميال. ولا تحب المرأة التى تلبس الملابس الفاخرة، ورنات الأقراط، والخلخال، والأساور، والسلاسل، تجلس بالنيابة عنها، على المقعد.
علمتنى «فريدة»، متى يكون الصبر، «عبئا» ثقيلا على كرامتى. ومتى يكون «حكمة» لا تخطئ مواعيد الزرع، والحصاد.
«صديقتى» لا تؤيد العقوبات البدنية، تحقيقا للعدالة، ولا تشترط بناء المدارس، إقرارا للتعليم. عشاؤها قطعتان من الجُبن القريش، طعام الحكماء «الموز»، وحلقتان من أفلام «لوريل»، و«هاردى». تصون الجميل، لا تنسى «منْ أكلت معاه عيش وملح». تحب ألوان، وأمواج «البحر»، بطلة السباحة ألفين مِتر حُرة، سباق النفس الطويل، فى بحور الشِعر.
أهم وأجمل، ما تتميز به، «فريدة»، أنها تعرف، متى تظهر ومتى تختفى.. متى أسمع صوتها، ولا أراها.. متى أراها ولا أسمعها.. ومتى لا أراها، ومتى لا أسمعها.
لكنها «حاضرة» حضورا يُطيل العُمر، وغائبة ذلك «الغياب» الموغل فى التجسد.
«فريدة»، صديقتى الجريئة النادرة، على أصعب الأشياء قادرة. عندما أمرض أنا، ترتفع درجة حرارتها، تشعر بالتقلصات فى معدتها.. أدفع أنا ثمن الروشتة من جيبى، وتدفعه هى، من تسارع دقات قلبها، ونقص الأكسجين فى دمها، و«أمص» حبيب، يتدلل عليها.
على مدى سنوات العمر، تحملتنى، «فريدة»، وتقبلتنى، كما أنا، بالفراغ القابع داخلى، قبل امتلائى، سخية العطاء لعيوبى قبل ميزاتى. فى حبها، لا تفرق بين محاسنى، وسيئاتى. تفتح مظلتها لأحتمى من السحابات الممطرات، بينما تشرب هى ماء المطر، لاعتقادها أنها «تُشفى» من الأمراض، وتبطل عمل العيون الحاسدة.
لا تعتقد «فريدة» أن الصداقة تحتم تبادل النصيحة بين الأصدقاء. لا أتذكر أنها فى وقت ما، قدمت لى النصيحة، التى تراها «وصاية مقنعة»، «طريقة دبلوماسية» للسيطرة، و«سحبا»، أو «سحلا» على سجادة الغرور والتكبر.
«فريدة» منذ عرفتها، وهى «وحدانية» لا أب، لا أم، لا زوج، لا أطفال. ليس هذا غريبا. الغريب حقا، أننى لأم أسألها. وحتى هذه اللحظة، لا أعرف هل تعتقد فى الأديان؟.. هل تؤمن بوجود الحاسة السادسة، وهل البريق الأزرق، فى عينيها، أمر طبيعى، أو من شُغل العدسات اللاصقة؟.
أنا، و«فريدة»، نتشارك فى كوننا «دقة قديمة». نحب الجبنة الرومى القديمة، وملمس الخشب القديم، الأزياء القديمة، رائحة البخور القديم، العطر القديم الملتصق بصدر أمهاتنا، الضوء المنبعث من الشموع القديمة، الأغنيات القديمة، الموسيقى المتدفقة من الأسطواتات القديمة المشروخة. ولمعان الذهب الطالع من جوف الأرض، إلى القلوب، والعيون.
«ما هى أكبر مصيبة فى رأيك.. يا فريدة؟»... أسألها ونحن فى الكازينو المطل على النيل، وقت الغروب، نرتشف القهوة، بُن مخصوص فاتح، محوج بالحبهان، تجيبنى: «معقول نفكر فى المصايب، وقدامنا المنظر التُحفة ده؟..». قلت: «نفكر فى المصايب أحسن من إنها هى اللى تفكر فينا».
بعد لحظات من الشرود، تقول: مافيش مصيبة أكبر من «القهر».. ولا انتِ رأيك إيه؟. أتأمل خيوط البُن، المتشابكة داخل فنجان القهوة، قائلة: القهر سلاح مدمر، مخرب، بس فيه مصيبة أكبر منه. تسألنى «فريدة»، وقد طلبت فنجانا آخر من القهوة: إيه ممكن يكون مصيبة أكبر من القهر، من فقدانى الحرية؟.. قلت: المصيبة الأكبر من القهر، هى «التعود» عليه، وتحوله إلى شىء «عادى»، «مقبول»، «مستساغ».
تضحك «فريدة» ضحكتها المحوجة بالروح الطفولية، قائلة: يعنى يبقى زى العلاقة «السامة» فى الجواز.. لا انفصال، ولا ارتباط.. «الغربة» بين الاتنين، هى «الوطن».
«الدهشة» واحدة من أصول المتعة والتلذذ، لنُبقِها جوهر الحياة.
خِتامه شِعر
«أمى» الذائبة فى الغياب
بلمسة واحدة
كانت تستطيع أن تحول
تراب قلبى إلى «دهب»
وتصنع من الدهب
سبائك من القُبلات
المتدفقة دفئا
لا ينقطع
غير مشروط
بالطاعة والشغف
أجهز الشاى وأنادى عليها:
ماما الحلوة.. الشاى قرب يبرد
أنادى وأنتظر
يبرد الشاى وينسكب
ما الحياة الا «أمى»
نغزل معا خيوط الوقت
أن ترحل..
ينزف العمر جمرا وينتحب
نقلا عن المصرى اليوم





