مارجريت عازر

لم يعد مقبولًا أن نتعامل مع المواطن باعتباره مجرد رقم فى بيانات التضخم أو مستفيدًا فى منظومة دعم أو اسمًا فى قاعدة بيانات للحماية الاجتماعية. المواطن هو الهدف الحقيقى من أى إصلاح اقتصادى وهو فى الوقت نفسه شريكه وصاحب المصلحة الأولى فى نجاحه.

 

نحن أمام لحظة تحتاج إلى مراجعة جادة لفلسفة التعامل مع الأزمات الاقتصادية. فالحماية الاجتماعية ضرورة لا خلاف عليها، والدولة مطالبة بأن تمد يدها إلى الفئات الأكثر احتياجاً، لكن السؤال السياسى الأهم هو هل نستطيع أن نبنى منظومة تجعل المواطن أقل احتياجاً للدعم مع مرور الوقت؟

 

فليس من الحكمة أن تظل الدولة فى موقع من يحاول فقط تعويض المواطن عن آثار ارتفاع الأسعار بينما يبقى أصل المشكلة قائماً: دخل محدود وارتفاع فى تكلفة الحياة وفجوة بين ما يحصل عليه المواطن وما يحتاجه للعيش بصورة كريمة.

 

وهذا يعنى أن يكون رفع دخول المواطنين جزءاً أساسيًا من المعادلة الاقتصادية وليس التعامل معه باعتباره عبئاً على الموازنة. كما يعنى أن يصبح خلق فرص العمل المنتجة ودعم الصناعة والزراعة وتشجيع المشروعات الصغيرة وتطوير التعليم الفنى وربط التدريب باحتياجات سوق العمل أهدافًا سياسية واقتصادية فى آن واحد.

 

والأهم أن يشعر المواطن بأن الإصلاح الاقتصادى ليس مجرد إجراءات تُطلب منه وإنما مشروع وطنى له نصيب واضح من ثماره.

 

فالاستقرار الاقتصادى لا يبنى بالأرقام وحدها والاستقرار السياسى لا ينفصل عن إحساس المواطن بالأمان الاجتماعى. وكلما اتسعت الفجوة بين لغة المؤشرات الاقتصادية ولغة الحياة اليومية أصبح من الضرورى أن يكون هناك خطاب أكثر وضوحاً وصدقاً مع الناس.

 

وهنا يأتى دور البرلمان. المطلوب ليس فقط إصدار القوانين وإنما ممارسة رقابة حقيقية على الأسعار والأسواق ومراجعة أثر السياسات الاقتصادية والاجتماعية على الطبقة المتوسطة والفئات الأكثر احتياجاً وطرح البدائل عندما تكون هناك حاجة إلى بدائل.

 

أما الأحزاب السياسية فلا ينبغى أن تكتفى بالبيانات والمواقف الموسمية. الحزب الحقيقى هو الذى ينزل إلى الشارع يسمع المواطن، يفهم مشكلته ثم يحول هذا الصوت إلى تشريع أو سياسة أو حل قابل للتنفيذ.

 

كما أن الحكومة مطالبة بأن تجعل المواطن شريكاً فى فهم الإصلاح لا متلقياً لنتائجه فقط. فكل قرار اقتصادى يحتاج إلى تفسير واضح وكل إصلاح يحتاج إلى عدالة فى توزيع أعبائه وكل نجاح يحتاج إلى أن يشعر به المواطن فى حياته اليومية.

 

نحن لا نحتاج إلى دولة توزع الدعم فقط ولا إلى مواطن ينتظر الدعم فقط.

 

نحتاج إلى دولة تخلق الفرص ومواطن قادر على استغلالها واقتصاد يرفع الإنتاجية والدخل وحماية اجتماعية تحفظ كرامة من لا يستطيعون العمل.

 

المعركة الحقيقية ليست مع الدعم وإنما مع الاحتياج الدائم إلى الدعم.

 

ولذلك فإن السؤال الذى يجب أن يشغلنا جميعًا ليس: كم سندفع للمواطن؟ وإنما كيف نجعل المواطن قادراً على أن يكسب أكثر وينتج أكثر ويعيش أفضل؟

 

هذه ليست رفاهية اقتصادية وإنما قضية عدالة اجتماعية واستقرار سياسى.

 

 

فالمواطن لا يريد أن يكون مجرد مستحق للدعم.. بل يريد أن يكون شريكًا فى بناء وطنه وصاحب نصيب عادل من ثمار نموه.

نقلا عن المصرى اليوم