دكتور مهندس/ ماهر عزيز 
22 سبتمبر  2026

المقال الثاني :
العلاقة اللاهوتية الفريدة بين اليهودية والمسيحية 
( الوثيقة الفاتيكانية الجديدة )
وموقعها بين التوراة والقرآن 

دراسة مقارنة : 
إبراهيم والعهد والنسل
من التكوين إلي بولس إلي القرآن 


المقارنة بين التكوين 17، وغلاطية 3، ورومية 9–11، والبقرة 2:124–141 تكشف بالفعل طبقات عميقة جدًا من مفهوم «نسل إبراهيم» و«العهد» و«الوعد».

وسأحرص هنا على التفريق بين ما يقوله النص نفسه وبين التفسير اللاهوتي الذي بُني عليه.

توجد ثلاثة نصوص محورية يمكن أن نجعلها نقطة الانطلاق :
1 -  التوراة :

«وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك... عهدًا أبديًا».
— تكوين 17:7

2 -  بولس :
«إن كنتم للمسيح، فأنتم إذًا نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثة».
— غلاطية 3:29

3 -  القرآن :
«قال... ومن ذريتي؟ قال لا ينال عهدي الظالمين».
— البقرة 2:124

من هنا يبدأ الاختلاف الكبير.
1.  التكوين : العهد يبدأ بإبراهيم ثم يتخذ مسارًا محددًا.
في تكوين 17، الله لا يكتفي بالقول إنه سيبارك إبراهيم، وإنما يتحدث صراحة عن «عهدي» و«عهد أبدي» مع إبراهيم ونسله، ويربط به أرض كنعان. 
لكن النص نفسه يضع تمييزًا مهمًا للغاية:
إسماعيل مبارك، وسيصبح أمة عظيمة؛
أما العهد فيُقام مع إسحق.
إذن لدينا في النص التوراتي شيئان متجاوران :
إسماعيل ← بركة وأمة عظيمة
و
إسحق ← حامل العهد
وهذه نقطة يجب ألا نطمسها عندما نقارن الإسلام باليهودية. 
ثم يأتي تكوين 22:18 ليضيف عنصرًا ثالثًا :
«وفي نسلك تتبارك جميع أمم الأرض.»
إذن الوعد ليس محصورًا في مصلحة نسل إبراهيم؛ فهناك بركة تتجه إلى الأمم. 
وهذه النقطة تحديدًا ستصبح محورية عند بولس.

2.  بولس :  ماذا يفعل بوعد إبراهيم ؟
هنا تحدث ثورة تفسيرية حقيقية.
بولس لا ينكر الوعد لإبراهيم، بل يبدأ منه.
في غلاطية 3:8 يقرأ وعد :
«فيك تتبارك جميع الأمم»
على أنه يتضمن منذ البداية وصول البركة إلى الأمم بالإيمان. 
ثم يصل إلى عبارة شديدة الجرأة في غلاطية 3:16 :
«وأما المواعيد فقيلت لإبراهيم ولنسله... الذي هو المسيح».
وبعد ذلك :
«فإن كنتم للمسيح، فأنتم إذًا نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثة».
غلاطية 3:29. 
وهنا يتغير معنى «نسل إبراهيم» عند بولس،
فهو لا يحصره في الانتماء العرقي،
بل يصبح :
المسيح ← نسل إبراهيم بالمعنى الذي يفسره بولس ← المؤمنون بالمسيح ← ورثة الموعد.

3.  هل ألغى بولس إسرائيل؟
هذه نقطة شديدة الأهمية.
إذا قرأنا غلاطية وحدها يمكن أن يبدو الأمر وكأن النتيجة هي أن الهوية الإبراهيمية أصبحت كلها في المسيح.
لكن عندما ننتقل إلى رومية 9–11 نجد صورة أكثر تعقيدًا بكثير.
بولس يقول عن الإسرائيليين :
«لهم التبني والمجد والعهود... والناموس... والعبادة والمواعيد»،
أي أنه لا ينكر أن لإسرائيل العهود والمواعيد،
بل يقول في رومية 11:28–29 :
«وأما من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء، لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة.»
وهذا النص بالذات بالغ الأهمية؛ لأن بولس يربط استمرار مكانة إسرائيل بـ الآباء وبـ أمانة الله لدعوته. 
هنا نصل إلى نقطة أعمق :
بولس لا يقول ببساطة :
«إسرائيل انتهت، والمسيحيون حلوا محلها»،
بل رومية 9–11 أكثر تعقيدًا من ذلك.

4.  رومية 9 :  «ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون».
يقول بولس :
«ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون، ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جميعًا أولاد»،
ثم يستشهد بإسحق :
«بل بإسحق يدعى لك نسل.»
لاحظ شيئًا بالغ الأهمية :
بولس هنا لا ينكر النسب،
بل يستخدم قصة إسحق نفسها الموجودة في سفر التكوين ليقول إن هناك فرقًا بين :
النسل الجسدي
و
النسل الذي يرتبط بالوعد.
إذن بولس لا يهدم بنية التكوين؛ بل يعيد تفسيرها من داخلها.

5.  هنا تظهر المقارنة المدهشة مع القرآن :
القرآن في البقرة 2:124 يقول :
﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. 
لاحظ التشابه البنيوي :
إبراهيم → الذرية → العهد
لكن القرآن يضيف مباشرة :
العهد ≠ (لا يساوي) كل الذرية بصورة تلقائية.
لأن :
«لا ينال عهدي الظالمين».
وهذا قريب جدًا، من حيث المبدأ، من التمييز الذي نجده عند بولس بين الانتماء الجسدي وبين الانتماء إلى الوعد.
لكن يجب أن نكون حذرين :   هذا لا يعني أن القرآن اقتبس مفهوم بولس أو أن النصين متطابقان؛  إنما توجد بينهما بنية تفسيرية متشابهة : النسب وحده لا يكفي لتحديد من ينال المكانة المرتبطة بالعهد/الوعد.

6.  لكن القرآن يختلف عن بولس في نقطة أساسية جدًا :
القرآن لا يترك إسحق ويعقوب وبني إسرائيل خارج الصورة،
بل على العكس تمامًا.
في العنكبوت 29:27:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾. 
هذه آية مهمة جدًا.
فالقرآن يقول بوضوح إن النبوة والكتاب وُجدا في ذرية إبراهيم،
ثم في البقرة 2:136  يذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والأنبياء في سلسلة واحدة من الوحي. 
إذن القرآن لا يقول :
«لقد انتهى الخط الإبراهيمي في إسحق ويعقوب.»
بل يقول شيئًا مختلفًا :
هناك خط إبراهيم–إسحق–يعقوب–الأنبياء، وهناك أيضًا خط إبراهيم–إسماعيل–البيت.
وهنا تكمن خصوصية التصور القرآني.

7. القرآن يفتح خطًا إبراهيميًا ثانيًا :  إسماعيل ومكة،
وهذه ربما أهم نقطة في المقارنة كلها.
في البقرة 2:127 :
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾
ثم دعاء إبراهيم :
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾
ثم:
﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾
في سورة إبراهيم، يربط النص إبراهيم بإسكان بعض ذريته عند البيت الحرام، ويدعو لمكة بالأمن. 
إذن القرآن لا يكتفي بإعادة تفسير «نسل إبراهيم»،
إنه يوسع الجغرافيا الإبراهيمية نفسها :
الخط الأول :
إبراهيم → إسحق → يعقوب → بنو إسرائيل → الأنبياء والكتاب.
الخط الثاني:
إبراهيم → إسماعيل → البيت الحرام → مكة → أمة → رسول.
وهذا عنصر مميز جدًا في التصور القرآني.

8.  هنا يجب أن ننتبه إلى كلمة «الوعد»
في التوراة، لدينا لغة واضحة جدًا :
«عهدًا أبديًا»
«ملكًا أبديًا»
«عهدي أقيمه مع إسحق». 
أما القرآن فيستعمل في البقرة 2:124 :
«عهدي»
ولكن السياق مختلف،
إبراهيم يطلب شيئًا لذريته، فيأتي الجواب :
﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
لذلك سيكون من الخطأ المنهجي أن نقول :
«العهد في التكوين = العهد في البقرة»؛
الأصح :
كلاهما يستخدم لغة العهد في سياق إبراهيم والذرية، لكن الوظيفة اللاهوتية للكلمة ليست متطابقة.

9.  هناك آية قرآنية شديدة الأهمية تكاد تُنسى
في آل عمران 3:68 :
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛
لاحظ التعبير :
«أولى الناس بإبراهيم»؛
لم يقل النص ببساطة :
أبناء إبراهيم بالنسب،
بل يجعل الاتباع والإيمان أساسًا للقرب من إبراهيم.
وهذه نقطة تقترب من المنطق الموجود عند بولس في غلاطية 3، وإن كان كل منهما يستخدمها ضمن منظومة لاهوتية مختلفة.

10.  الآن نستطيع أن نرى الفرق بين بولس والقرآن بوضوح :
بولس ينقل مركز الثقل من :
النسب،
إلى :
المسيح والإيمان به؛
وفي غلاطية 3 يقول إن من ينتمي إلى المسيح يصبح نسل إبراهيم ووارثًا حسب الموعد. 
القرآن  لا يجعل المسألة :
إبراهيم → المسيح → المؤمنون فقط.
بل يحتفظ بتعدد الخطوط :
إبراهيم → إسحق → يعقوب → النبوة والكتاب
و
إبراهيم → إسماعيل → البيت → الأمة.
وفي الوقت ذاته يجعل الظلم مانعًا من نيل العهد. 
وهذا اختلاف جوهري.

11.  والآن نصل إلى رومية 11 — وهي ربما أهم نقطة في الموضوع كله :
إذا كان بولس قد وسّع «نسل إبراهيم» ليشمل المؤمنين بالمسيح، فهل أخرج إسرائيل من الوعد ؟
رومية 11 تجعل الإجابة أكثر تعقيدًا؛
بولس يتحدث عن إسرائيل بوصفها أغصانًا أصلية، ويتحدث عن دخول الأمم كأغصان زيتون برية.
والصورة ليست :
«شجرة يهودية قُطعت وانتهت»؛
بل صورة شجرة واحدة، وبعض الأغصان قُطعت، وأغصان أخرى أُدخلت، مع تحذير الأمم من التعالي على الأصل؛
ثم يقول إن الله قادر على إعادة إدخال الأغصان الأصلية.
ولهذا فإن قراءة رومية 9–11  كـ «إلغاء كامل لإسرائيل»  لا تعكس تعقيد النص نفسه،
والأهم أن بولس يختم بقوله :
«من جهة الاختيار هم أحباء من أجل الآباء، لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة».

12.  وهنا نفهم شيئًا مهمًا جدًا في موقف الفاتيكان المعاصر :
العبارة التي جاءت في بيان غبطة البابا ليون الرابع عشر :
«عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للإلغاء»
ليست غريبة تمامًا عن هذا الخط الموجود في رومية 9–11؛
بل يمكن رؤية خلفيتها الكتابية في أن بولس نفسه يقول عن إسرائيل :
"العهود والمواعيد لهم"
ثم:
«هبات الله ودعوته هي بلا ندامة». 
لكن الكنيسة الكاثوليكية الحديثة لا تستخلص من ذلك أن المسيحية واليهودية طريقان لاهوتيان مستقلان ومتوازيان للخلاص؛ بل تحاول الجمع بين استمرار علاقة الله بإسرائيل وبين إيمان الكنيسة بأن المسيح هو مركز الخلاص المسيحي.
وهنا تحديدًا تصبح وثيقة الفاتيكان التي بدأنا منها مهمة جدًا.

13. الآن يمكننا أن نعقد المقارنة علي شكل وصف جدول واحد يتضمن :  السؤال، وأمامه إجابة كل من : التكوين، وبولس، والقرآن :
السؤال 1 : من هو إبراهيم ؟
التكوين : أصل العهد والوعد.
بولس : أبو الوعد والإيمان.
القرآن : إمام ونبي وأصل للملة.
السؤال 2 : هل توجد ذرية مباركة ؟
التكوين : نعم.
بولس : نعم.
القرآن : نعم.
السؤال 3 : وماذا بشأن اسحق ؟
التكوين : حامل العهد.
بولس : حامل خط الوعد.
القرآن : نبي مبارك.
السؤال 4 : وماذا بشأن إسماعيل ؟
التكوين : مبارك وأمة عظيمة، لكن العهد مع إسحق.
بولس : ليس محور تفسير العهد.
القرآن : ذو مكانة محورية مع إبراهيم والبيت.
السؤال 5 : ماذا عن الوعد / العهد ؟
التكوين : أبدي ومحدد بإسحق ونسله.
بولس : يتحقق في المسيح ويُفتح للمؤمنين.
القرآن : «عهدي» مرتبط بالإمامة ولا ينال الظالمين.
السؤال 6 : هل النسب وحده كافٍ ؟
التكوين : النسب مهم جدا.
بولس : النسب مهم.
القرآن : لا.
السؤال 7 : ماذا بشأن الأمم ؟
التكوين : تتبارك في نسل إبراهيم.
بولس : يدخلون في الوعد بالإيمان.
القرآن : لهم مكان في الرسالة الإبراهيمية.
السؤال 8 : ماذا بشأن إسرائيل ؟
التكوين : شعب العهد المتصل بإسحق ويعقوب.
بولس : أصحاب «العهود والمواعيد» مع استمرار خصوصيتهم.
القرآن : شعب ذو تاريخ نبوي وكتاب، مع نقد العصيان والظلم.
السؤال 9 : ماذا بشأن مكة ؟
التكوين : ليست عنصرًا في الوعد الإبراهيمي التوراتي.
بولس : ليست عنصرًا.
القرآن : مركز أساسي في الخط الإبراهيمي مع
إسماعيل.

14.  الآن لدينا إجابة أكثر دقة عن السؤال الذي بدأنا به : هل القرآن يؤكد الوعد الإبراهيمي التوراتي أم يعيد تعريفه ؟
بعد هذه المقارنة، العبارة الأدق هي :
القرآن لا يرفض الإطار الإبراهيمي التوراتي رفضًا كليًا، ولا يكرره حرفيًا؛ وإنما يعيد بناء مفهوم إبراهيم والذرية والعهد داخل تصور قرآني خاص.
وهذا البناء يتضمن ثلاثة أمور معًا :
أولًا  :  اعتراف قوي بالخط :
إبراهيم → إسحاق → يعقوب → النبوة والكتاب.
والقرآن يصرح بذلك صراحة في العنكبوت 29:27. 
ثانيًا  :  إضافة خط آخر :
إبراهيم → إسماعيل → البيت الحرام → الأمة.
ثالثًا  :  إدخال معيار أخلاقي/ديني على مفهوم العهد ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

15. وهنا ملاحظة شديدة الأهمية :
هناك تشابه مذهل في السؤال الذي يواجهه كل من بولس والقرآن :
ماذا نفعل إذا كان إبراهيم أبًا لنسل جسدي واسع، لكن هناك من يري بأن الوعد الإلهي ليس مجرد مسألة بيولوجية ؟
بولس يجيب  :  المسيح والإيمان،
والقرآن يجيب :  الإيمان والاتباع والطاعة، مع استمرار أهمية الذرية الإبراهيمية.
أما التكوين :  فيعطي بنية مختلفة :
العهد مع إبراهيم → إسحاق → يعقوب ونسله.
إذن نحن أمام ثلاثة تفسيرات كبرى للهوية الإبراهيمية.
وليس من الدقة أن نقول إن أحدها «ألغى» الآخر دون شرح؛ لأن كل تقليد يعيد قراءة إبراهيم من داخل منظومته اللاهوتية الخاصة.
والأكثر إثارة  :  يوجد سؤالً ربما أعمق بكثير من كل ما سبق :
إذا كان بولس يقول إن «نسل إبراهيم» في المسيح يشمل الأمم، وإذا كان القرآن يقول إن «أولى الناس بإبراهيم» هم الذين اتبعوه، وإذا كانت التوراة تربط العهد بإسحق ويعقوب (اسرائيل) ونسله، فكيف تعاملت هذه النصوص الثلاثة مع السؤال الصعب : ماذا عن إسرائيل عندما لا يكون جميع أبنائه أمناء للعهد ؟
هنا نذهب إلى رومية 9–11، وخاصة رومية 11:25–29، وإلى مفهوم «بقية إسرائيل»، 
ثم نقارنه بالقرآن في آيات بني إسرائيل : 2:40–47،   5:20–26،   7:137،   17:2–8.
وهذا الفحص تحديدًا يضع يدنا على السؤال الذي يكمن وراء كل هذه المسألة : 
هل «اختيار إسرائيل» في الكتاب المقدس اختيار أبدي، أم اختيار مشروط بالطاعة، أم الإثنان معًا ؟ 
وهو سؤال يرتبط مباشرة بالتعبير الفاتيكاني عن أن العهد مع الشعب اليهودي «غير قابل للإلغاء».

وأرجو التنويه أننا في هذا في هذا المقال/البحث لم نتعامل مع النصوص باعتبارها مجرد آيات متفرقة، بل حاولنا أن نتتبع الخيط الواحد :  إبراهيم → العهد → النسل → الوعد → إسرائيل → الأمم، ثم رأينا كيف أعاد كل من التكوين، وبولس، والقرآن صياغة هذه العلاقة من داخل رؤيته اللاهوتية الخاصة.
وأعتقد أن النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها في المرحلة التالية هي علي وجه الخصوص :
هل يمكن أن يكون اختيار إسرائيل في الكتاب المقدس "دائمًا" و"مشروطًا" في الوقت نفسه ؟
حيث ستصير كلمات بولس في رومية 9–11 شديدة العمق، خصوصًا :
«مِنْ جِهَةِ الِاخْتِيَارِ هُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ، لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلَا نَدَامَةٍ.»
— رومية 11:28–29؛
ثم نقارنها بنصوص القرآن عن بني إسرائيل، حيث نجد في الوقت نفسه تكريمًا واختيارًا تاريخيًا، ولكن أيضًا مساءلة شديدة مرتبطة بالطاعة والوفاء بالعهد.
ومن هنا تظهر مسألة لاهوتية بالغة الأهمية :
هل "الاختيار" يعني حصانة من الدينونة؟ 
أم يعني دعوة ومسئولية لا تُلغى حتى مع العصيان ؟
وهذه النقطة تحديدًا يمكنها أن تساعدنا على فهم العبارة الفاتيكانية الحديثة عن أن "عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للنقض" فهمًا أعمق، بدل أن نكتفي بقراءة العبارة كشعار لاهوتي.

......................................................
حاشية :
لو أتاح لنا الوقت الاستمرار في هذا البحث سيكون علينا الانتقال من السؤال  :  «من هو نسل إبراهيم ؟» ؛ إلى سؤال أعمق بكثير :
"ماذا يعني أن يكون شعبٌ ما «مختارًا» ؟ ؛ وهل الاختيار امتياز، أم عهد ومسئولية، أم الإثنان معًا ؟
ولعلنا سنحتاج أن نطرق في الإجابة عندئذ 
أربعة محاور مترابطة :
1 -  رومية 9–11 — 
إسرائيل، الاختيار، «البقية»، وعبارة بولس عن أن «هبات الله ودعوته بلا ندامة».
2 -  نصوص العهد القديم — 
كيف يجتمع اختيار إسرائيل مع تأديبه ودينونته عندما يخالف العهد.
3 -  القرآن ونصوص بني إسرائيل — 
الاختيار والتكريم من ناحية، والوفاء بالعهد والطاعة من ناحية أخرى.
4 -  العبارة الفاتيكانية _ 
«عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للنقض» — وما الذي تعنيه لاهوتيًا، وما الذي لا تعنيه، وكيف تتصل برومية 9–11.
وسيكون ضروريا عدم تسوية الفروق بين النص الكتابي، والتفسير المسيحي، والتفسير اليهودي، والتفسير الإسلامي؛ لأن قيمة البحث تكون في إبقاء هذه الأصوات المختلفة واضحة أمامنا.
وهنا ستكون رومية 11:28–29 نقطة الارتكاز التي يدور حولها البحث كله.
وإن أملي لعظيم أن يقودنا البحث النزيه في النهاية إلي إمكانية إحلال السلام نهائيا في الشرق الأوسط.