دكتور مهندس/ ماهر عزيز
23 سبتمبر 2026
تُمثّل تجربة المجلس المللي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إحدى أهم المبادرات الحديثة في تاريخ إدارتها ومشاركتها المجتمعية؛ إذ تعكس نشأته وسيرورته نموّ فكرة مشاركة «الأراخنة» ( وجهاء وعلماء الأقباط من العلمانين ) إلى جانب "الرتب الإكليروسية" ( الأساقفة والكهنة ) في إدارة الشئون غير الدينية للكنيسة التي تشمل كلا من الشئون الادارية والمالية والسياسية والمجتمعية والأحوال الشخصية.
أولاً : النشأة التاريخية للمجلس المللي
نشأت فكرة المجلس المللي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في إطار حركة التحديث التي شهدتها مصر، وتأثراً بتجربة المجالس المللية لدى الطوائف المسيحية الأخرى في الدولة العثمانية.
1. المبادرة الأولى (1874م) :
يعود الفضل في تأسيسه إلى بطرس باشا غالي بالتعاون مع مجموعة من كبار أراخنة الأقباط، حيث عرضوا الفكرة على البابا كيرلس الخامس (البابا الـ 112).
2. الموافقة الرسمية :
صدرت لائحة إنشاء المجلس بناءً على أمر البابا كيرلس الخامس، ووافق عليها الخديوي توفيق رسمياً بموجب الأمر العالي الصادر في عام 1883م، ليكون للمجلس هيئة منتخبة تمثل الأقباط أمام الدولة وتدير شئونهم المدنية.
ثانياً : دور المجلس الأصلي وصلاحياته
بحسب قانون تشكيله :
وفقاً للائحة الأساسية والأوامر العالية المنظمة للمجلس، تحددت اختصاصاته بوضوح لتشمل الشئون الإدارية والمالية والأحوال الشخصية دون التدخل في الشئون العقائدية أو الطقسية :
1. إدارة الأوقاف والجمعيّات القبطية :
الإشراف على أوقاف الكنائس والأديرة ومواردها والتصرف فيها بما يخدم الصالح العام.
2. الأحوال الشخصية :
النظر في قضايا الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس ( كالزواج، الطلاق، والنفقة ) وفق الشريعة المسيحية، قبل نقل هذه الاختصاصات للمحاكم الوطنية لاحقاً.
3. التعليم والخدمات :
إقامة المدارس القبطية، وتطوير المناهج التعليمية، والإشراف على الملاجئ والمستشفيات والمؤسسات الخيرية.
4. الميزانية المالية :
إعداد وحصر ميزانية البطريركية، والإشراف على النفقات غير الطقسية.
ثالثاً : توتر العلاقة بين المجلس والباباوات ( صراع الصلاحيات ) :
شهد تاريخ المجلس أحداثا متكررة من الشد والجذب بين رئيس المجلس ( البابا بحكم منصبه ) وأعضائه المنتخبين من العلمانين، ونشأ التوتر غالباً حول «حدود السلطة ومداها» :
1. مع البابا كيرلس الخامس (1875 - 1927م) :
بدأ الخلاف سريعاً حول حدود تدخل المجلس المللي في إدارة أموال الأوقاف والمدارس، وأدى اشتداد النزاع إلى استقالة المجلس أو تعطيله عدة مرات، بل وصل الأمر إلى نفي البابا كيرلس الخامس إلى دير البراموس عام 1892م بقرار من الحكومة، وبضغط من أقطاب المجلس، قبل أن يعود محفوفاً بالتأييد الشعبي.
2. مع البابا يوساب الثاني (1946 - 1956م) :
شهدت هذه الفترة تصاعداً في النزاعات الإدارية والمالية وتدخلات في إدارة البطريركية، مما أضعف العلاقة بين الطرفين وأسهم في تدخّل "مجمع الأساقفة" لاحقاً لإدارة الأزمة.
3. مع البابا كيرلس السادس (1959 - 1971م) :
كان البابا كيرلس السادس يركز على الجانب الروحي والتعميري، ورغم التهدئة النسبية، ظل النزاع المكتوم حول إدارة الأوقاف قائماً، حيث قُلِّص دور المجلس عملياً لصالح هيئة الأوقاف القبطية لاحقاً.
4. مع البابا شنودة الثالث (1971 - 2012م) :
منح البابا شنودة الثالث أعضاء المجلس رتبة الدياكونية ليصيروا جزءا من الهرم الاكليروسي، فاتسمت العلاقة بالاحتواء والهيمنة البابوية؛ حيث أُعيد تشكيل دور المجلس ليكون ظهيراً استشارياً وليس سلطة موازية، وتوقفت الانتخابات الدورية للمجلس منذ تسعينيات القرن الماضي.
رابعاً : تعليق المجلس وإعادته وإنهائه الفعلي :
1. تعليق المجلس المللي :
ارتبط تعليق أعمال المجلس المللي دائما بوقوع اضطرابات سياسية، أو نشوب خلافات حادة بين أعضاء المجلس ( العلمانيين ) والقيادة الروحية ( الرئاسة الدينية )، أو بناءً على قرارات صادرة من السلطة التنفيذية للحد من صلاحياته.
وقد استدعت الآثار القانونية المترتبة علي تعليق المجلس المللي تجميد صلاحياته الإدارية والمالية مؤقتاً، ومن المفترض أن تتولى الجهات التنفيذية أو اللجان المؤقتة إدارة الشئون العاجلة للأقباط الأرثوذكس لحين زوال أسباب التعليق، لكن الواقع الفعلي يشير إلي تجميع كل الصلاحيات الإدارية والمالية في أيدي الاكليروس.
2. إعادة تشكيل أو تفعيل المجلس :
* الإجراءات :
تتم إعادة المجلس للعمل إما بقرار سياسي/حكومي بإلغاء التعليق، أو عبر إجراء انتخابات جديدة لأعضاء المجلس من أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحت إشراف وزارة العدل أو الجهات المختصة.
* الهدف :
تنظيم التمثيل النيابي للأقباط الأرثوذكس وإعادة تنظيم إدارة الأوقاف والمدارس والمؤسسات التابعة للمجلس وفق الأنظمة واللوائح المعتمدة.
3. إنهاء المجلس الفعلي ( المرحلة الانتقالية والوضع الراهن ) :
* التحول القضائي :
مع صدور القوانين الحديثة لتطوير المنظومة القضائية وإلغاء القضاء الخاص، تم نقل اختصاصات القضاء المللي في الأحوال الشخصية ( كالزواج والطلاق والنفقة ) إلى المحاكم المدنية أو المحاكم الأسرية المختصة.
* الأثر الحالي :
إنهاء الدور القضائي للمجلس المللي مع إبقاء بعض الدور الإداري أو الاستشاري الداخلي للأقباطالأرثوذكس، وتخضغ كافة الأحكام القضائية لرقابة قضاء الدولة العام ضماناً لسيادة القانون.
خامساً : النظرة المستقبلية ودور المجلس في ظل التطورات التشريعية الحديثة :
يتجه النقاش التشريعي والحقوقي في النخبة الشعبية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية الآن نحو إعادة تعريف دور المجلس المللي وتطوير أداء مهامه بما يتناسب مع متطلبات العصر الحديث، وذلك من خلال عدة محاور رئيسية :
1. قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين :
يُتوقع أن يؤدي المجلس دوراً استشارياً وإدارياً محورياً في التنسيق بين الكنائس المختلفة والجهات التشريعية بالدولة، لتطبيق الأطر القانونية الموحدة التي تضمن تنظيم أسباب الزواج والطلاق والبطلان والنفقة والتبني والميراث وسائر الأحوال الشخصية بما لا يخالف مبادئ الإنجيل.
2. الرقمنة والحوكمة الإدارية :
التحول نحو إدارة الأوقاف الكنسية، والمنشآت الخدمية والتعليمية، ومجمل المنظومة المالية في الكنيسة، عبر أنظمة إدارية ومالية حديثة تعتمد على الرقمنة والشفافية، مما يعزز من كفاءة خدمة أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وتنمية مواردها.
3. تفعيل المشاركة الشعبية :
إعادة ضبط آلية انتخاب وتشكيل المجلس لضمان تمثيل واسع للخبرات القانونية، والاقتصادية، والاجتماعية والمالية والعلمية والتكنولوجية والاستراتيجية وممثلي أقباط المهجر من الأقباط الأرثوذكس، للنهوض بالمسئوليات الخدمية والاجتماعية، وتوجيه الرعاية للجمعيات الأهلية/الخيرية وسائر المؤسسات التابعة، وإدارة القضايا السياسية والاجتماعية التي تقتضي التعامل المباشر مع الدولة
4. التكامل مع أجهزة الدولة :
ترسيخ التنسيق المستمر بين المجلس والوزارات المعنية ( مثل وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة العدل ) لضمان إدارة الأوقاف، والمؤسسات الخدمية، وشئون الأقباط، وفق أعلى المعايير القانونية والتنظيمية.
وتبقي مسألة تتعلق بتسمية جديدة للمجلس لتحل محل المسمي العتيق : "المجلس المللي"، الذي لم يعد يعبر تعبيرا صحيحا عن الوجود الراهن للشعب القبطي بوصفه جسد الكنيسة التي رأسها لمسيح، ويدور داخل النخبة الشعبية القبطية سجال مفيد يطرح مقترحات بتسمية جديدة أكثر صدقا في التعبير عن وضعية المجلس بوصفه ليس "مجلس ملة" بل بوصفه "المجلس الاستشاري القبطي" للكنيسة القبطية، أو "المجلس الإداري القبطي"، أو "مجلس أراخنة الشعب القبطي"، أو "مجلس الشعب القبطي"، أو "مجلس الأراخنة"، أو "المجلس العلماني القبطي"، أو "المجلس المدني القبطي"، أو "مجلس نواب الأقباط"، أو "المجلس القبطي"، أو أي مقترحات أخري يتم الاختيار من بينها كلها لتسمية جديدة.
الخاتمة :
يمثل «المجلس المللي» نموذجاً فريداً في التاريخ التشريعي والإداري المصري، حيث جسّد محاولة مبكرة لتقنين المشاركة الشعبية القبطية والتنظيم الإداري لمؤسسات الأقباط الأرثوذكس في إطار الدولة الحديثة.
ورغم التحولات التاريخية المتعاقبة التي مر بها، يظل المجلس كياناً مهماً يقدم رؤية متوازنة تجمع بين الحفاظ على الهوية والدور الخدمي الممتد، والتطلع نحو المستقبل عبر تنظيم قانوني حديث يتواكب مع تطور قوانين الأحوال الشخصية، وإدارة المؤسسات الأهلية في مصر.
وإلى هنا يبرز السؤال الذي لابد من إثارته في ضوء التاريخ المحفوظ للمجلس المللي في علاقته مع باباوات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية :
هل يوجد أمل في إعادة المجلس المللي إلي الحياة ليمارس دورا غائبا - لم يعد له وجود لكي يؤديه - رغم خطورته ؟
أم أن من المستحيل عودته ؟





