القمص يوحنا نصيف
+ يقول معلّمنا القدّيس بولس الرسول في افتتاحيّة رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس: "مباركٌ الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة وإله كل تعزية، الذي يعزّينا في كلّ ضيقتنا، حتّى نستطيع أن نعزِّي الذين هم في كل ضيقة، بالتعزية التي نتعزّى نحن بها من الله. لأنّه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (2كو1: 5). فقد كان يمرّ بآلام وضيقات قاسية جدًّا، ولكنّه في نفس الوقت كان يستمتع بتعزيات إلهيّة تفوق الوصف، بل وتفيض على الآخَرين!
+ الواقع أنّ الذين يُريدون أن يكونوا تلاميذ حقيقيّين للمسيح، ينبغي أن يُنكِروا ذواتهم باستمرار ويكونوا مستعدّين لحمل الصليب معه كلّ يوم (لو9: 23)، مشتَرِكين في احتمال المشقّات كجنود صالحين له (2تي2: 3)، واثقين أنّ المسيح لا يهملهم أبدًا وسط ضيقتهم (عب13: 5-6)، بل هو ملتزم بتعزيتهم وحمايتهم وتحويل كلّ الأمور لخلاصهم (2كو1: 6). لذلك فإنّ إيمان أولاد الله لا يهتزّ أبدًا، ولا يستطيع أحدٌ أن ينزع فرحهم منهم (يو16: 22).
+ الاضطهادات والآلام ليست أمورًا غريبة في الطريق الروحي، فقد أكّد لنا الإنجيل أنّه "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله" (أع14: 22)، وأنّ "جميع الذين يُريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطَهَدون" (2تي3: 12). وقد تأتي هذه الضيقات من الخارج، وربّما أيضًا تأتي من الداخل، إذ أحيانًا يكون أعداء الإنسان أهل بيته (مت10: 36).
+ الأمانة في الشهادة للحقّ أحيانًا تكون مثل السباحة ضدّ التيّار، ولذلك يكون لها ضريبتها الكبيرة، ولكن ينبغي أن يكون أولاد الله الأمناء مستعدّين لدفعها دائمًا بحبّ وفرح، غير متزعزعين في الضيقات، عالِمين أنّهم موضوعون لهذا (1تس3: 3)!
+ كثيرًا ما يحسِد عدوّ الخير وأعوانُه أبناءَ الله على النعمة التي يتمتّعون بها، فيُحاوِل تلفيق وإلصاق التُّهَم الكاذبة بهم؛ كما فَعَلَ بالسيّد المسيح نفسه، فهو الإله المتجسِّد الذي كان يتكلّم بالحقّ اتّهموه بأنّ به شيطان، وأنّه يُعثِر ويُضِلّل الشعب ويُثير الفِتَن.. كلّ هذا من أجل مصالحهم المادّيّة ومحبّتهم للكرامة والمجد الأرضي. لقد رأوا في تعاليمه المُنيرة الصادقة خطرًا على تعاليمهم الحرفيّة المُظلِمة البائسة، فكان لابد من تشويهه بأيّ ثمن، لكي يغتالوه معنويًّا في نظَر الناس، وإن أمكنهم يُقَدِّموه لبيلاطُس بتُهَمٍ مُختَلَقة كي يقتله فعليًّا!
+ قد أكّد لنا السيّد المسيح مرّات عديدة أنّنا كتلاميذ له سنلاقي مثله ضيقات واضطهادات في هذا العالم، عندما قال: "ليس عبد أعظم من سيّده؛ إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم" (يو15: 20)، "إن كانوا بالعود الرطِب يفعلون هذا، فماذا يكون باليابس؟" (لو23: 31)، "في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا، أنا قد غلبت العالم" (يو16: 33). لذلك نحن لا نخاف أو نضطرب، بل إذ نثق أنّنا سننتصر ونفرح في النهاية، نهتف قائلين: "مَن سيفصنا عن محبّة المسيح؟ أشدّة أم ضيق أم اضطهاد، أم جوع أم عُريٌ أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوبٌ أننا من أجلك نُمات كلّ النهار. قد حُسِبنا مثل غنمٍ للذبح، ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا" (رو8: 35-37).
+ نختتم حديثنا بتعليقات جميلة للقدّيس يوحنّا ذهبي الفم على هذه الآية الجميلة: "كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح أيضًا تكثر تعزيتنا" إذ يقول:
[ما هو الأمر الأكثر مسرّة وفرح من أن أشارك المسيح، وأن أعاني هذه الآلام، لأجله؟ وهل يوجَد ما يوازي أو يُعادِل هذا العزاء؟!
إنّنا لا نتعزّى بمقدار الضيقة التي نجتازها، بل أكثر بكثير. لأنّه لم يَقُل إنّ التعزية مساوية للضيقات، بل قال "تَكثُر تعزيتنا".
لا تحزن إذًا عندما تجتاز الضيقات، بل فَكِّر فيمَن صِرتَ شريكًا له، وكيف أنّك تَتَنَقَّى من خلال التجارب، وكم ستربح!
لا يمكن للتجارب والضيقات والمكائد، أو أيّ شيء آخَر، أن يُحزِن النفس الهادئة.
كما تنطفئ الشرارة فور انغماسها في الماء، هكذا فإنّ كلّ حُزن أو ضيقة كبيرة، عندما تَدخُل إلى ضمير صالح، فإنّها تنتهي وتختفي بسهولة.
إنّ الرسول بولس كان يفرح دائمًا لأنّه وسط الضيقات. كان الله هو السنَد الذي يُشَجِّعه ويقوّيه، وهو لم يكُن يضع اعتبارًا لكلّ الشرور التي ألمَّت به؛ وإن كان بالتأكيد يتألمّ كإنسان، إلاّ أنّه لم يَفقِد شجاعته].
[عن تفسير رسالة القدّيس بولس الرسول الثانية لأهل كورنثوس، للقدّيس يوحنّا ذهبي الفم (العظة الأولى) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور سعيد حكيم يعقوب]
القمص يوحنا نصيف





