بقلم: أيمن فايز
تصل إلينا صورة البابا بين الجموع، ولا تصل بالوضوح نفسه صورة الكنيسة بعد انفضاضها. نرى الوجوه المضيئة، والأيدي المرفوعة، والشباب الذين قطعوا المسافات ليكونوا هناك. تلتقط الكاميرا لحظة لا تتكرر، ثم ترحل. أما الكنيسة فتبقى، وتبدأ معها حياة لا تراها العدسات.
ولعل لكل زيارة بابوية فصلين ينبغي أن يُكتبا: فصل يروي كيف استقبلنا البابا، وفصل يروي ماذا فعلنا بعدما رحل. الأول تحفظه الصور والخطابات والبيانات، أما الثاني فتكتبه حياة الناس، وتكشفه السنوات.
من هنا أقرأ زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى فرنسا وهي ما زالت جارية. أفرح بما تحمله من لقاء وصلاة ورجاء، لكنني أتحفظ على استعجال النتائج. ففي بعض التغطيات يتقدم العنوان على الحدث، فيتحول الحوار إلى مواجهة مع العلمانية، وتصبح الجموع إعلانًا عن عودة فرنسا إلى الكنيسة.
وفرنسا ليست شخصًا واحدًا ابتعد عن الإيمان ثم عاد إليه. لا تدخل الكنيسة دفعة واحدة، ولا تخرج منها دفعة واحدة. واستقبال الدولة للبابا لا يغير طبيعتها، كما أن المواطن الذي يرحب به لا يقدم بذلك شهادة بإيمانه. وقد تكشف الجموع توقًا روحيًا صادقًا وحيوية دينية تستحق الانتباه، لكن عمقها لا يظهر في عدد مَن وقفوا في الساحة، بل فيما يبقى داخل الإنسان حين يعود إلى حياته.
ومن حق المؤمن أن يفرح بحضور كنيسته، من دون أن يحتاج فرحه إلى إعلان هزيمة المختلف عنه.
فالزيارة التي تنجح أمام الكاميرات تبدأ امتحانًا آخر حين تنطفئ الأضواء.
وهنا تعيدني فرنسا إلى مصر.
من عاش أيام الاستعداد لزيارة البابا فرنسيس سنة ٢٠١٧ يتذكر أن البابا لم يصل وحده؛ سبقته شهور من الحركة. كنائس وإيبارشيات تستعد، ورحلات تُنظم من المحافظات، وشباب يتحركون، ولجان تعمل، وإعلام يتابع، واتصالات مع الدولة والكنائس والطوائف الأخرى، وتفاصيل مادية وبشرية كثيرة لا يراها مَن يشاهد الاحتفال في يومه الأخير.
كان حدثًا يكشف، قبل وصول البابا، أشياء كثيرة عن الكنيسة نفسها.
فجأة ظهرت قدرة هائلة على التنظيم. ظهرت مواهب ربما لم تكن معروفة، وعمل أشخاص لم يعتادوا العمل معًا، واختُصرت مسافات بين مؤسسات وإيبارشيات، وتحولت طاقات متفرقة إلى حركة واحدة لأن أمام الجميع موعدًا واضحًا.
وليس في ذلك ما يُنتقد؛ بل ربما كان هذا واحدًا من أجمل عطايا الزيارة. أن تكتشف الكنيسة، وهي تستعد لاستقبال البابا، مقدار ما تملكه من بشر وخبرة وقدرة على العمل المشترك.
لكن بعض الهدايا تضيع لأننا نحتفظ بغلافها أكثر مما نحتفظ بها.
تنتهي الزيارة، فتنتهي معها مهمة اللجنة، ويهدأ الإعلام، وتعود الوفود، وتُجمع الصور، وتُكتب كلمات الشكر، ويستقر الحدث شيئًا فشيئًا في الذاكرة. وما كان قبل أيام حركة استثنائية في جسد الكنيسة يصبح بعد سنوات ذكرى جميلة في أرشيفها.
وهنا تقع المسافة التي تستحق التأمل: بين كنيسة تعرف كيف تستعد لحدث كبير، وكنيسة تعرف كيف تحتفظ بما اكتشفته عن نفسها بسببه.
فاللجنة لا يلزم أن تبقى لجنة، لكن خبرتها تستطيع أن تبقى. والشاب الذي اكتشف في أيام الزيارة أنه قادر على المسؤولية لا ينبغي أن يعود بعدها مجرد متفرج. والعلاقة التي نشأت بين مؤسستين تحت ضغط المناسبة يمكن أن تصبح بابًا لتعاون لا يحتاج إلى زيارة بابوية جديدة كي يتكرر.
وحتى التقارب بين الكنائس لا ينبغي أن يبقى جزءًا من بروتوكول الصورة. ففي زيارة ٢٠١٧، التقى البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثاني، وصليا معًا، وعبّرا عن التزام بمواصلة الطريق المسكوني. وكانت للصورة قيمتها، لكن قيمتها الأعمق تبدأ عندما ينزل ما حدث بين القيادات إلى حياة المؤمنين أنفسهم.
وهنا أتذكر يوسف القعيد.
في «زيارة السيد الرئيس»، المأخوذ عن روايته «يحدث في مصر الآن»، تستنفر قرية مصرية نفسها لأن قطار الرئيس وضيفه الأمريكي قد يتوقف فيها. تتحرك الإدارة، وتتغير الواجهات، ويستعد الجميع للحظة المنتظرة. ثم يمر القطار... ولا يتوقف.
ليست المقارنة بين الكنيسة والقرية، ولا بين البابا ورئيس دولة. ما يظل عالقًا من الحكاية هو تلك المفارقة الإنسانية البسيطة: كيف يستطيع حدث منتظر أن يوقظ مكانًا كاملًا، وكيف يستطيع المكان نفسه أن يعود إلى إيقاعه القديم حين ينتهي الانتظار.
أما عندنا، فالمفارقة أشد.
القطار توقف فعلًا.
جاء البابا، وصلى معنا، وتحدث إلينا، والتقى الكهنة والمكرسين والإكليريكيين والشباب والقيادات والكنائس الأخرى. لم يكن الموعد وهمًا، ولم تمر اللحظة من بعيد. حدثت بالفعل.
ولذلك لا يصبح السؤال إن كانت الزيارة قد نجحت؛ بل ماذا فعل الزمن بما أيقظته الزيارة فينا.
فالحدث يستطيع أن يدخل التاريخ بطريقتين: أن نضعه في المتحف، أو أن ندخله في المستقبل.
نستطيع أن نحفظ الصور والخطب والكتب التذكارية، وهذا حق الذاكرة. لكن الذاكرة وحدها لا تكفي. فالزيارة لا تصبح أكثر تاريخية كلما زاد عدد الصور التي حفظناها عنها، وإنما كلما أمكن بعد سنوات أن نعثر على شيء ما زال حيًا لأنها حدثت.
ويظهر ذلك بصورة خاصة في الشباب الذين يسافرون إلى اللقاءات البابوية. فالرحلة قد تكون خبرة روحية وإنسانية عميقة، وقد تصبح مجرد ذكرى استثنائية في حياة صاحبها. وما يصنع الفارق ليس السفر وحده، وإنما الطريق الذي يبدأ قبله ويستمر بعده.
حين يكون المال هو الطريق العملي للحضور، قد يبقى في الخارج شاب يملك الكثير ليقدمه ولا يملك تكلفة السفر. وحين تتكرر الوجوه، تصبح قيمة التكرار فيما تحمله الخبرة إلى الآخرين، لا في عدد المرات التي استطاع صاحبها أن يكون حاضرًا.
فالتمثيل الكنسي أوسع من تذكرة سفر.
ومرافقة الكهنة والمسؤولين للشباب يمكن أن تمنح الرحلة معناها الأعمق حين يتحول اللقاء إلى تكوين، والتكوين إلى مسؤولية. أما العودة بصورة جماعية وتقرير جميل وذكريات كثيرة، ثم ترك التجربة تنتهي عند باب المطار، فتعني أن جزءًا مهمًا من الرحلة لم يبدأ أصلًا.
وأخشى أحيانًا أن نوسع جوازات السفر أكثر مما نوسع مساحة المشاركة.
فالخبرة التي اكتسبها شاب تحت اسم الكنيسة تصبح أكثر ثراء حين تجد الكنيسة مكانًا لها عند عودته؛ فكرة تُسمع، ومبادرة تجد مَن يرعاها، ومسؤولية تنمو، وخبرة تصل أيضًا إلى مَن لم يستطيعوا السفر.
وهذا المعنى لا يخص الشباب وحدهم.
في المعادي سنة ٢٠١٧، تحدث البابا فرنسيس إلى الكهنة والمكرسين والإكليريكيين عن الخدمة والمبادرة والرجاء، وحذّر من أمراض يمكن أن تصيب الحياة المكرسة والخدمة الكنسية. وبعد أكثر من تسع سنوات، لا تحتاج هذه الكلمات إلى احتفال جديد بها، بل إلى أن نقرأها إلى جوار المسافة التي قطعتها الكنيسة منذ ذلك اليوم.
فالكلمات البابوية لا تشيخ لأنها قيلت منذ سنوات؛ لكنها قد تتحول إلى وثائق صامتة إذا لم تدخل في حياة المؤسسة.
وفي العام التالي أُعلن تعيين مدير الإكليريكية آنذاك، الأب توما عدلي، أسقفًا فخريًا لكاباسا ومدبرًا رسوليًا لإيبارشية الجيزة. ولا توجد وثيقة تسمح بنسبة هذا التعيين إلى الزيارة، ولذلك يبقى في مكانه الصحيح: حدثًا وقع بعدها، لا نتيجة نزعم أنها خرجت منها. فحتى الذاكرة تحتاج إلى الأمانة؛ وإلا صنعنا للزيارات آثارًا لم تصنعها.
وهذا ما يجعل قراءة الزيارات البابوية في العراق ولبنان وتركيا وغيرها أكثر أهمية من تكرار وصفها بأنها «تاريخية».
فكلمة «تاريخي» سهلة في يوم الحدث.
أما التاريخ فأبطأ.
يحتاج إلى سنوات حتى نرى تعاونًا لم يكن موجودًا، أو تكوينًا أُعيد التفكير فيه، أو خدمة اتسعت، أو علاقة بين كنيستين نزلت من بيانات القيادات إلى حياة الناس، أو شبابًا انتقلوا من مقاعد الجمهور إلى مساحة المسؤولية.
وصف الحدث بأنه تاريخي لا يعني أنه صنع تاريخًا.
وهنا يصبح للإعلام الكنسي دور آخر غير التغطية. فالإعلام الذي يعرف كيف يصل إلى المطار مع البابا، ينبغي أن يعرف أيضًا كيف يعود إلى كلماته بعد سنوات. والذي يصور الوفد يوم السفر يستطيع أن يبحث عن أثره بعد العودة. والذي يحتفل بلجنة نجحت في تنظيم المناسبة يستطيع أن يحفظ خبرتها، بما نجح فيها وما تعثر، للأجيال التي ستنظم المناسبة التالية.
نحتاج إلى إعلام لا يحفظ ذاكرة الاحتفال وحدها، بل ذاكرة العمل.
وحتى الكلمات التي نسمعها اليوم في فرنسا عن الإنسان والتعليم والثقافة والذكاء الاصطناعي يمكن أن تلقى المصير نفسه: اقتباسات جميلة تعيش أيامًا على الصفحات، أو أفكار تدخل مدرسة وجامعة ومؤسسة وبرنامج تكوين، فتكتسب حياة أطول من زمن الخطاب.
لهذا ربما يكون السؤال عن زيارة فرنسا الآن سابقًا لأوانه.
ستبقى الصور، وسيعود الناس إلى بيوتهم، وتُطوى الأعلام، وتُفك المنصات، وتغادر الطائرة. عندها ينتهي الجزء الذي نراه جميعًا، ويبدأ الجزء الذي لا تراه الكاميرات.
هناك تبدأ الزيارة الحقيقية لما بعد الزيارة.
في شاب يعود فيجد مكانًا لما تعلمه. وفي خبرة وُلدت داخل لجنة مؤقتة ولا تموت بانتهائها. وفي علاقة بدأت من أجل المناسبة ثم اكتشفت سببًا آخر لكي تستمر. وفي مؤسسة لا تحتاج إلى حدث استثنائي جديد كي تستدعي أفضل ما فيها.
لهذا أعود إلى الفكرة الأولى:
في أرشيف الكنيسة ينبغي أن يكون لكل زيارة بابوية فصلان: فصل يروي كيف استقبلنا البابا، وفصل يروي ماذا فعلنا بعدما رحل.
الأول تحفظه الصور والخطابات.
أما الثاني، فلا يمكن كتابته إلا إذا تركت الزيارة شيئًا حيًا بعد الصورة.





