بقلم الأب يسطس الأورشليمى
في الإصحاح الرابع يُقدم دانيال النبيّ منشُوراً ملكياً يكشف فيه الملك الوثني، عن حديثٍ إلهي معه خلال الحُلم، لقد تحدث الله معه مرتين، في حُلم يُظهر فيه تشامخ بابل وانكسارها، وخلال نيران الأتُون حيثُ أعلن الله له أنه يتحدى عنفه وظُلمه، الآن يُحدثه في حُلمٍ ثانٍ ليكسر كبريائه..
في هذا المرسُوم الملكي يعترف الملك بكبريائه، ولا يخجل من الشهادة لله الذي كسره، فأدبه بانحطاطه إلى مستوى الحيوانات البرية، يعترف أنه سقط تحت تأديب إلهي، وأن ما حل به هُو ثمرة طبيعية لفساده، إنه يشرب من الكأس، ويأكل من ثمرة الشجرة التي غرسها..
يُقدم لنا نبوخذنصر رسالة ملكية صادرة من أعماق قلبه بعد اجتياز التأديب الإلهي الذي سقط تحته بسبب تشامخه، إنه لم يخجل من تُوجيه هذه الرسالة إلى كُل الشعُوب والأمم والتي فيها يُعلن الآتي:
أولاً: كانت العادة القديمة للملُوك، أن يحسبُوا أنفُسهُم ملُوكاً على كُل الأرض، هكذا كانت رُوما أثناء الإمبراطُورية الرُومانية..
ثانياً: شهادة اختبارية للعلاقة الشخصية بين الله وبينه، فقد صنع معه آيات وعجائب، إن كان الله قد أذله بتأديبٍ قاسٍ، لكنه مستحق لهذا ويُمجد الله باعترافه برعايته له، واعترافه بخطاياه..
ثالثاً: يشهد لقدرة الله الفائقة (3)، بمراحم الله أُعيد الملك إلى عرشه، فسبح ملك السموات، ومجده على أساس أن كُل أعماله حقّ هي، وطُرقه عدل، وهُو قادر أن يذل السالكين في الكبرياء..
رابعاً: يشهد لملكُوت الله الأبدي وسلطانه الذي لا يزُول، وتحدث الله مع الملك الذي أقامه رئيساً على كُل الأرض في ذلك الحين، ومع هذا كان الملك يزداد كبرياءً وتشامخاً، لقد شهد لله بفمه أما قلبه فكان مُتعجرفاً، إدراكه لله الواحد القدُوس كان مُؤقتاً، ومع اعترافه به لم يعتزل عبادته للآلهة الوثنية، ومعتقداته وعباداته الخاطئة..
قبل أن يرُوي نبوخذنصر أحكام الله التي حلت به بسبب كبريائه، أعطى حساباً عادلاً عن التحذير الذي وجه إليه، عندما كان مُطمئناً في بيته وقصره وبعد أن هزم مصر، وكملت نُصرته على سُوريا، وفينيقية، واليهُودية والعربية، وانتهت بالنسبة له الحرُوب في السنة 35 من حُكمه (حز29) أعطته هذه النُصرة فرصة للتفاخر والتشامخ والكبرياء، وشعر أنه لم تعد هُناك غيُوم في سماء حياته، وأن ليس مَن يقدر أن يقاومه ويقف أمامه، وظن أن السلام قد حل، والأمان أصبح أكيداً..
الإنسان مثل الفرس الذي متى أكل طعاماً كثيراً يجمح، لهذا يضبط الله بطُوننا، لأنه يُريدنا سالكين كما يليق بنا فلا نُسيء إليه..
كان دانيال في القصر الملكي، ويعرف الملك تمام المعرفة، ومع هذا تجاهله ليستدعى بأمر ملكي جميع حكماء بابل قدامه، المجُوس والسّحرة والكلدانيين والمنجمين عازلاً إياه عنهُم، وإذ فشلُوا في تفسير حُلمه لجأ إلى دانيال، طلب خبرات السّحرة مع إدراكه قُوة وصدق التفسير الإلهي الذي يُمنح لرجل الله دانيال، هذا هُو تصرفنا في كثير من الأحيان، فالكلمة النبُوية بين أيدينا والمعرفة الإلهية ليست ببعيدة عنا، ومع هذا فإننا نطلب الخبرات البشرية، ونتجاهل ما هُو بين أيدينا مجاناً..
لنطلب عمل الله كليّ القدرة والحكمة والحُب لنا، الساكن فينا برُوحه القدُوس، ونمسك بوعُوده التي ليست بعيدة عنا عوض الالتجاء إلى ما هُو خارج عنا، لقد عرّف الملك السّحرة ومع هذا لم يستطيعُوا أن يفسرُوه، هُؤلاء الذين في يقين سبق أن قالُوا: ليخبر الملك عبيده بالحُلم فنبين تعبيره، لقد تحقّق ما سبق أن تنبأ عنه إشعياء (إش13:47)..
كان نبوخذنصر مُحباً لأشجار لبنان، يذهب ليتمتع بها ويُحضر منها الأخشاب للبناء، لذا شبهه الله بالشجرة الضخمة التي يعجب بها (10-16)، غالباً ما يُشير الأنبياء إلى العظماء والرُؤساء بأشجار، كما جاء في حزقيال وإرميا (حز5:17-7؛ إر15:22)، الله يُريد من أصحاب السلاطين كما من الممالك أن يكُونُوا كالأشجار التي يجد الكُل فيها غذاءهُم وراحتهُم وأمانهُم، لكن البشر أساءُوا استخدام السُلطة، فحولُوها من الخدمة إلى التشامخ مع الاستغلال، لهذا كان لابد من اقتلاع هذه الأشجار، لتغرس شجرة الصليب التي تبلغ بالحُب والسلام والفرح إلى كُل قلب..
في هذا الإصحاح يُحذر الله الملك نبوخذنصر مُعلناً له في حُلم أنه يسقط تحت التأديب القاسي بسبب عجرفته، وفي هذا التحذير نتلمس حنان الله في معاملاته مع الإنسان، فمن جانب يكشف له ما سيحل به من تأديب لعلّه يرجع عن شره فيُعفى منه، وأعطاه مُهلة لمدة عام كامل لمراجعة نفسه، ومن جانب آخر حتى في الإنذار شبهه بشجرة نافعة تُقدم ظلاً لحيوانات البرّية، وطعاماً للإنسان والحيوان، ومأوى لطيُور السماء، كما تتسم الشجرة بالجمال، يرتفعُوا بكبريائهُم لهذا يقطعُون ويهلكُون..
روى الملك لدانيال الحُلم الخاص بالشجرة الضخمة، فهي قائمة في وسط الأرض، أي في المركز حيثُ تشع السلطة الإمبريالية البابلية على كُل الأمم والشعُوب، فإن كانت أورشليم تُمثل القصر الملُوكي السماوي، فإن بابل تُمثل القصر الملُوكي لضد المسيح وكُل مملكته..
أنها جميلة المنظر، إشارة إلى اهتمام نبوخذنصر بالإنشاءات المعمارية وتزيين العاصمة، ثمرها كثير وفيها طعام للجميع (12)، إشارة إلى الغنى والإمكانيات الجبارة، تحمي الطيُور بين أغصانها وحيوانات البر في ظلها، هذا ما يقدمه الله للإنسان، ليجعله ملكاً يُقيم في العالم كقصرٍ ملُوكي، يُريد من نفسه أن تكُون نامية على الدوام، مع وجُودها على الأرض ترتفع إلى السماء، لعلها تستقر في حضن الآب، تتمجد في أقاصي المسكُونة، بلا عيب جميلة مشبعة للكُل، تتسع لتضم الغير بالحُب والسلام..
إذ سقط نبوخذنصر في الكبرياء والعجرفة استحق التأديب، فأرسل الله ملاكاً دعاه بالساهر القدُوس النازل من السماء ليُؤدب..
يُدعى الملاك ساهراً، لأنه رُوح بلا جسد لا ينام ولا يحتاج إلى راحة، فهُو دائم اليقظة ليل نهار، يتحرك ليُتمم إرادة الله لأجل بنيان شعبه، وكما يقُول المُرتل: باركُوا الرّب يا ملائكته المُقتدرين قُوة، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه، راجع الكتاب (مز20:103)..
يُدعى أيضاً بالقدُوس، لأنه لا يحمل ضعفاً بشرياً، أما نحنُ فنعاني من الضعف، ليس فقط بسبب ما نرتكبه من خطايا، وإنما بسبب الفساد الذي يتسلل إلينا من أبوينا، فيصيب جسدنا وقلبنا وذهننا..
مهما بلغ الإنسان من تقديس، فإنه مادام لا يزال في الجسد، لا يُدعى الساهر القديس، لأنه خلال احتياج الطبيعة يلزمه أن ينام، وخلال الجهاد يتعرض للضعفات، بهذا يُمكننا التمييز بين الملائكة والبشر، وبين المُؤمنين المجاهدين، والمُؤمنين الذين خلعُوا الجسد وانتقلُوا..
ويلاحظ أن: ما يحدث حتى بالنسبة للملك الوثني ليس بخطة بشرية، لكنه بسماح إلهي، إذ أرسل ملاكه الساهر من السماء لتحقيق هذه الخطة، لقد حدثه بلغة الكلدانيين، إذ كانُوا يعتقدُون بكائنات سماوية تدين أعمال البشر، ولها سُلطان على تقرير مصير البشرية..
مع التأديب تُوجد رحمة، فقد أمر الله بترك الجذُور في الأرض لتنمُو الشجرة من جديد بالاتضاع والتُوبة، فلا تُقتلع الشجرة بتمامها، والتأديب مدة محدّدة هي سبعة أزمنة (16)، لأن للشجرة رجاء، إن قُطعت تُخلف أيضاً ولا تُعدم خراعيبها، ولُو قدم في الأرض أصلها ومات في التراب جذعها، فمن رائحة الماء تفرخ وتنبت فرُوعاً كالغُرس (أي7:14-9)، وإن سمح له أن يأكل العشب مع حيوان البر، لكنه لم يحرمه من التمتع بندى السماء، كما صدر الأمر للحيوانات المستظلة بالشجرة والطيُور المُقيمة بين أغصانها أن تهرب، إشارة إلى تخلي كُل رجال الدولة عنه..
هذا هُو ثمر الخطية، إذ يشعر الإنسان بالعُزلة والوحدة، يحسب أن الكُل قد تخلُوا عنه في لحظات الضيق حتى أصدقاؤه، يتغير قلبه عن الإنسانية وليُعط قلب حيوان، فماذا يعني بالقلب هُنا؟!
الفهم، والإرادة، والمشاعر، والعواطف، فمع أن الأشجار ليس لها قلب، لكن الحُلم رمزي يرمز إلى شخص معين، كان الأمر الصادر ينزع عن الملك، ليس فقط إمبراطُوريته، بل وطبيعته البشرية إلى حين، وكان غاية التأديب هُو نفع الكثيرين، ولم يقم ملك بدلاً منه بل قام ابنه مردُوخ بالعمل في هذه الفترة حتى عاد والده إلى عقله وكرسيه..
أجاب بلطشاصّر وقال يا سيدي الحُلم لمُبغضيك وتعبيره لأعاديك
الشجرة التي رأيتها التي كبُرت وقويت، وبلغ علُوها إلى السماء
ومنظرها إلى كُل الأرض، وأوراقُها جميلةٌ وثمرُها كثير، وفيها
طعامٌ للجميع، وتحتها سكن حيوان البرّ، وفي أغصانها سكنت
طيُور السماء، إنما هي أنت يا أيها الملك الذي كبُرت وتقوّيت
وعظمتُك قد زادت وبلغت إلى السماء، وقال اقطعُوا الشجرة
وأهلكُوها، ولكن اتركُوا ساق أصلها في الأرض، وبقيدٍ من
حديدٍ ونُحاسٍ في عُشب الحقل وليبتلّ بندى السماء وليكن
نصيبه مع حيوان البرّ حتى تمضي عليه سبعة أزمنةٍ...
هُنا تظهر حكمة دانيال النبيّ العجيبة، فمع محبته للملك واتضاعه أمامه وشُوقه أن ينقذه من الكارثة، تحدث معه كخادم للكلمة بكُل صراحة، ونطق معه بالحقّ الإلهي، قدم درساً عملياً للخدمة، فالخادم يترفق بالخطاة ويشتهي خلاصهُم، إن وبخ لا ينسى نفسه كإنسانٍ ضعيفٍ، وفي نفس الوقت لا يهادن الخطاة على حساب الحقّ، ولا يخفي غضب الله على الخطية، بكُل جرأة قال له: أنت يا أيها الملك، لم يتردّد ولا قدم أعذاراً، ولا تحدث بلغة يبدُو فيها أدنى شك، بل في يقينٍ أعلن له أنه هُو الشجرة..
إذ يُؤكد أن الحُلم بما فيه من مرارة ينطبق على الملك، يدعُو في احترام سيدي الملك، إنه يُقدم التأديب الإلهي، دُون أن يستخف به، أو يهينه بكلمة جارحةٍ، أعلن أنه الشجرة التي تحل بها الكارثة..
غالباً ما كان الملُوك، خاصة الدائمُو النُصرة يحسبُون أنفسهُم فُوق كُل قانُون، يأمرُون ولا يُؤمرُون، يطلبُون طاعة الغير، ولا يخطر على قلبهُم الخضُوع للغير، إنهُم كثيراً ما ينسُون طبيعتهُم البشرية، كأنهُم من طبيعة غير طبيعة سائر البشر، الآن يُقدم له دانيال تفسير الحُلم: أنه يسقط تحت التأديب، فيفقد مع المملكة طبيعته البشرية، ليصير على مستوى الحيوانات ويُعزل من وسط الناس، ليعيش بين قطيع الثيران والخنازير، ثم يفتح له باب الرجاء والتُوبة، فمع التأديب تُعلن مراحم الله..
يهيء دانيال نبوخذنصر للتُوبة، فيفتح له باب الرجاء وتُعلن مراحم الله التي تنتظر تُوبته لترد له ما فقده بفيض، فالله يُؤدب لا ليذل الإنسان بل ليرفعه ويهبه عطية المعرفة، فالتأديب مدرسة إلهية للتمتع بمعرفة سماوية، لقد بقى صامتاً إلى حين، فشعر الملك بخطُورة الحُلم وشجعه على الحديث، مُعلناً له أنه سيتقبل الأمر أياً كان، وتحير دانيال النبيّ:
(1) بسبب سقُوط ملكٍ عظيمٍ كهذا إلى أدنى مستوى..
(2) هُو الذي يُقدم التفسير للملك، وكان يتمنى الخير له..
شجع الملك دانيال أن ينطق، أما رغبة في معرفة الحقيقة، أو من أجل حُب الاستطلاع، وأوضح النبيّ الحقّ دُون أن يُهين الملك، لكي يتجنب الظهُور بمظهر اتهام الملك بكبرياء خاطيء..
ختم دانيال حديثه فاتحاً باب الرجاء أمام الملك بالتُوبة وعمل الرحمة مع ترك خطاياه، حتى لا يسقط تحت هذا التأديب القاسي، فيترفق بالفقراء، بهذا يتحول قلبه عن القسُوة والعنف والأنانية إلى العطاء والحُب، فيجد نعمة في عيني الله، لكن للأسف لم يتب نبوخذنصر بالرغم أن الله تركه عاماً كاملاً بعد الحُلم، إنما على العكس ضُرب الملك بالعجرفة والكبرياء، فتحقّق فيه الحُلم، وأصيب بجنُون أفقدته وعيه كإنسان..
إذ أكمل فترة التأديب عاد إليه عقله، ورفع نظره نحُو السماء كإنسانٍ تائبٍ يطلب مراحم الله ويمجده، فرفع الله عنه التأديب..





