محرر الأقباط متحدون
كلمة البابا لاون الرابع عشر لأساقفة فرنسا في لورد'> مزار سيدة لورد: تجديد الإيمان، مواجهة التحديات، والدعوة إلى الوحدة
في إطار زيارته الرسولية الى فرنسا من الخامس والعشرين وحتى الثامن والعشرين من شهر أيلول سبتمبر توجه قداسة البابا لاون الرابع عشر صباح يوم الأحد الى لورد'> مزار سيدة لورد حيث التقى مجلس فرنسا'> أساقفة فرنسا وبعد الترحيب القى كلمة قال فيها يسرّني أن ألتقي بكم، أيّها الإخوة الأعزّاء في الأسقفيّة، في هذا المكان الذي باركه الله، على بُعد خطوات من المغارة التي ظهرت فيها سيّدتنا مريم العذراء للقدّيسة برناديت، وحيث تجتمعون بانتظام في
جمعيّاتكم العامّة. باختياركم هذا المكان، تعبّرون بوضوح عن رغبتكم في وضع فرنسا'> كنيسة فرنسا تحت حماية أمّ الله، مريم العذراء الكلّيّة الطّهارة، لكي تقودها بأمان أكبر بحسب مشيئة الرّبّ يسوع. في الواقع، لا يوجد طريقة أفضل للوصول إلى يسوع من المرور بمريم العذراء. كلّ شيء فيها يقودنا إلى ابنها.
تابع الأب الأقدس يقول بهذه الطّريقة تواصلون الإرث الذي تلقّيتموه من آبائكم في الإيمان، منذ الأزمنة الأولى لإعلان بشارة الإنجيل في بلادكم. ترسَّخ تكريم أمّ الله فيكم ترسّخًا عميقًا، حتّى إنّ فرنسا سُمّيت، بعد وقت قصير، "بمملكة مريم" (بيوس الحادي عشر، Galliam, Ecclesiae filiam primogenitam، 2 آذار/مارس ١٩٢٢). تجلّت هذه العلاقة المميّزة بين أمّتكم وبين القدّيسة مريم العذراء بصورة فريدة عندما كرّست فرنسا نفسها لها رسميًّا في ١٠ شباط/فبراير ١٦٣٨، كما استطعت أن أرى أوّل أمس في لوحة جميلة في كاتدرائيّة نوتردام في باريس. وعندما أشار سلفي البابا بيوس الحادي عشر، إلى هذا النّذر، أعلن سيّدة الانتقال شفيعةً لفرنسا (راجع المرجع نفسه).
أضاف الحبر الأعظم إن مسيرة الثّقة والحنان الطّويلة هذه مع مريم العذراء، التي ميّزتها تقوى كبيرة، وأماكن كثيرة تحمل اسمها، وابتهالات كثيرة استُجيبت، وأحيانًا وسط الدّموع، والمزارات والحجّاج والكاتدرائيّات، تواصل مسيرتها متجاوزةً كلّ عقبة، وتشهد للإيمان الحيّ لشعب الله الموكول إليكم. أمام التّحدّيات الهائلة في زمننا، أدعوكم، أيّها الإخوة الأعزّاء، إلى أن تُظهروا الشّجاعة والجرأة والإبداع الرّسوليّ. فلا يصيبكم الإحباط من الأخطاء والتناقضات، ولا حتّى من السّقطات التي ميّزت تاريخ هذا الشّعب السّائر في مسيرة إيمانه. تحلّوا دائمًا بشجاعة الاعتراف بالأخطاء بمحبّة الحقيقة، وبالعزم على مداواة الجراح بمحبّة الرّاعي الصّالح، الذي يعرف خرافه ويدعو كلّ واحد منها باسمه. انهضوا إذًا برجاء، ولا تتعبوا أبدًا من إعلان الإنجيل!
تابع قداسته تاريخ الكنيسة في فرنسا غنيّ، غنيّ جدًا. إنّه تاريخ جميل وخَصب، ومن المهمّ الرّجوع إليه من أجل بناء مستقبل جماعاتكم المسيحيّة، وكذلك مستقبل بلادكم. شهدت الكنيسة على البناء التّدريجي لأمّتكم، بل وأسهمت فيه أيضًا، ولا تزال اليوم أيضًا جزءًا لا يتجزّأ من ثقافتها وهويّتها ورسالتها في العالم. لذلك، يحقّ لصوتها كلّ الحقّ في أن يكون حاضرًا في النّقاش العام في فرنسا، فهي، بطبيعتها، تتمتّع بسلطة نبويّة. حتّى إن لم يُفهم صوتها دائمًا، فإنّه يبقى صوتًا مرتقبًا. وحتّى إن لم يُؤخذ به دائمًا، لا سيّما في المسائل الأساسيّة التي تمسّ أسس الحضارة، فإنّه مع ذلك ضروريّ، فلا تشكّوا في ذلك! أعرف عزيمتكم وشجاعتكم، وقد أظهرتموهما بوضوح في النّقاشات الأخيرة حول نهاية الحياة، وأدعوكم إلى أن تثابروا، مع جميع الأشخاص ذوي الإرادة الصّالحة الذين يدافعون عن القِيَم نفسها.
وأضاف قداسته أنتم تعيشون حاليًّا في سياق علمانيّة شديد الخصوصيّة، هو ثمرة تاريخ مضطرب، صار اليوم مسالمًا، لكن يجب عليه أن يُتيح للكنيسة أن تقوم برسالتها. إنّ التوازن الذي تمّ التوصّل إليه بصعوبة، بدأ يوُضع تدريجيًّا موضع تساؤل، كما يحدث في أماكن أخرى من العالم الغربيّ، وهذا يجب ألّا يقودكم إلى الاستسلام. أدعوكم إلى أن تكونوا يقظين، لتدافعوا عن حرّية الكنيسة وحقّها في إعلان البشارة، والتّربية على الحرّيّة الحقيقيّة، وممارسة العبادة العلنيّة، لكي تتمكّن المحبّة، بصورة مرئيّة، من أن تُمارَس باسم يسوع المسيح.
تابع البابا لاون الرابع عشر بالقول كتب إليكم البابا فرنسيس في مناسبة إعادة افتتاح كاتدرائيّة نوتردام في باريس ما يلي: "أدعو جميع المعمّدين الذين سيدخلون هذه الكاتدرائيّة بفرح إلى أن يشعروا باعتزاز مشروع، وأن يستعيدوا إرثهم الإيمانيّ […]. هذا البيت، الذي يسكنه أبونا السّماوي، هو بيتكم: وأنتم حجارته الحيّة. فالذين سبقوكم في الإيمان بنوه من أجلكم" (رسالة في مناسبة إعادة افتتاح كاتدرائيّة نوتردام في باريس، ٢١ تشرين الثّاني/نوفمبر ٢٠٢٤). أن تشجّعوا المعمّدين على” استعادة إرثهم الإيمانيّ“هو اليوم جزء من رسالتكم كرعاة، من أجل تجديد الكنيسة في فرنسا.
أضاف قداسته ما أعطاه الرّبّ يسوع لكم، أيّها الكاثوليك في فرنسا، ابنة الكنيسة البكر، هو حقًّا سبب لتقديم شكر كبير: سلسلة متواصلة من القداسة تمتدّ إلى أيّامنا، وازدهار الفنون والآداب والعلوم، بدافع من الإيمان وعمل الرّوح القدس، ونضج لا رجعة فيه في الوعي بقيمة الإنسان غير القابلة للتصرّف، وبكرامته، وبضرورة حماية حقوقه وحرّياته، ولا ننسى ذلك الاندفاع الرّسوليّ الهائل الذي أثمر حتّى أقاصي العالم. نعم، يسوع أعطاكم الكثير... ويريد، في محبّته، أن يواصل تقديم عطاياه لكم...
تابع البابا لاون الرابع عشر لهذا، أضاف البابا فرنسيس، وهو ينظر إلى المستقبل، إلى الكلمات التي سبق أن اقتبستها: "لتكن إذًا ولادة هذه الكنيسة الرّائعة من جديد علامةً نبويّة لتجديد الكنيسة في فرنسا" (المرجع نفسه). وأنا أيضًا أؤمن بأنّ الزّمن قد نضج الذي فيه ينتظر كثيرون من معاصرينا أن يسمعوا صدى رسالة الإنجيل المفعمة بالرّجاء، وأن يروا أمام عيونهم نور المسيح القائم من بين الأموات يتألّق. إنّ رسالة السّلام التي مصدرها يسوع هي موضع انتظار أكبر، ولا سيّما أنّنا نلاحظ، في فرنسا كما في أماكن أخرى من الغرب، استقطابًا مقلقًا، وتراجعًا في الأخوّة والمودّة وجودة الحياة الاجتماعيّة، فضلًا عن تصاعد العنف وعدم المساواة والفقر. أمام هذه التّحديّات، تحلّ خيبة الأمل والضّياع محلّ الوعود الكاذبة بعالم يكون الله فيه غائبًا، أو محصورًا في المجال الخاص، ويُنظر فيه إلى عون نعمته على أنّه غير ضروري” لبناء المدينة“. مع ذلك، حذّر يسوع تلاميذه بوضوح، قال: "لِأَنَّكُم، بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئًا" (يوحنّا ١٥، ٥).
تابع الأب الأقدس الشّباب والشّابات، بصورة خاصّة، يحملون تطلّعات كبيرة. وهُم، إذ يقلقهم العالم الذي يُترك لهم إرثًا، ويملؤهم القلق إزاء المستقبل، مستعدّون للالتزام بشجاعة وسخاء بكلّ ما هو جميل وحقّ وصالح. أرشدوهم إلى طريق الإنجيل: الطّريق الوحيد الآمن، وإن اقتضى الالتزام والجهود، فقد أثمر من قبل ثمرًا كثيرًا في هذه الأرض الفرنسيّة. وقد استحضرنا يوم أمس، في باريس، العلامة المشجّعة في مسيرة الموعوظيّة، التي تشمل بصورة رئيسيّة الشّباب والشّابات البالغين. إنّها نعمة وفرح لكلّ شعب الله. من المهمّ أن تحرصوا على مرافقة هذه النّعمة، ولا سيّما باستقبال الشّباب والشّابات في جماعات مسيحيّة حيّة تمارس المحبّة وتعيش التّضامن، وبتعليم عقائدي راسخ ومتجذّر في كلمة الله، تسمح لهم بأن يواجهوا الاعتراضات والشّكوك.
أضاف الأب الأقدس من أجل تحقيق هذا التّجديد في الرّجاء، في إطار اندفاعة رسوليّة جديدة في فرنسا، وهو ما أتمنّاه بشدّة، هناك برنامج واحد لا غير، وهو دائمًا نفسه: أن نعرّف بيسوع المسيح وأن نجعل النّاس يحبّونه، بصورة أصيلة، وبشغف، دائمًا ودائمًا... في السّياق الرّاهن، تواجهون بعض التّحديّات المهمّة. ويأتي تحدّي التّربية في مقدّمة هذه التّحديّات. من الجدير بالثّناء جدًّا أن تتعمّق جمعيّاتكم العامّة في هذا الموضوع. فالتّربية رسالة واسعة جدًا، تمسّ مجالات متعدّدة من الحياة. أودّ أن أشير ببساطة إلى مجال التّعليم الكاثوليكيّ، الذي يجري التّشكيك في” طابعه الخاصّ“ في هذه الأزمنة. من الإيجابي أن تكون مؤسّسات التّعليم الكاثوليكي منفتحة على نطاق واسع أمام الذين لا يشاركوننا إيماننا. فهذا الاستقبال السّخيّ، مع احترام حرّيّة ضمير كلّ شخص، يبشّر بثمار كثيرة للجميع وللمجتمع وللكنيسة نفسها. لكن التّعليم الكاثوليكيّ لا يستطيع، بأيّ حالّ من الأحوال، أن يتخلّى عن مشروعه التّربوي الخاص، وهو مشروع يتمحوّر حول المسيح ويهدف إلى إنماء الإنسان إنماءً متكاملًا في جميع أبعاده: الرّوحيّة والثّقافيّة والفكريّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة. لذلك، يجب ألّا يستغرب أحد الفرصَ المتاحة، داخل كلّ مؤسّسة كاثوليكيّة، للقاء يسوع المسيح والاصغاء إلى كلمته. وبالأحرى، يجب ألّا يجد أيّ تلميذ نفسه مهمّشًا في صفّه لمجرّد أنّه يؤمن بيسوع.
تابع البابا لاون الرابع عشر بالقول واجهتم في السّنوات الأخيرة، بعزم، الآفة المؤلمة والتي هي الاعتداءات على القاصرين التي ارتكبها أعضاء من الإكليروس. واتخذتم تدابير شجاعة لمواجهتها، بالإصغاء، والبحث عن الحقيقة، والعدالة، والمغفرة، وجبر الضّرّر، والالتزام الحازم بتعزيز ثقافة الوقاية والحماية من هذه الجرائم. أشكركم على ما قمتم به، وأعلم أنّ بعض الأوقات كانت شديدة الصّعوبة بالنّسبة إلى مجلسكم. من الضّروري أن تواصلوا الطّريق الذي بدأتموه، وتحافظوا على أقصى درجات اليقظة. وفي الوقت نفسه، إكليروسكم يحتاج إلى الدّعم والتّشجيع. أعلم أنّه موضع اهتماكم الأبويّ. ولكي تنشأ الدّعوات الكهنوتيّة، يجب أن يكون الكاهن مرغوبًا فيه، ومرحَّبًا به، ومحبوبًا، وأن تكون هويّته، المكوَّنة على مثال المسيح، واضحة ومفهومة جيّدًا داخل شعب الله، من أجل فرح الإنجيل وخدمة رسالته.
أضاف الأب الأقدس يهمّني أيضًا أن أذكر الانخفاض المحزن
في الدّعوات إلى الحياة المكرّسة، ولا سيّما إلى الحياة التأمّلية. علِمت بألم بإغلاق جماعات رهبانيّة عريقة ومرموقة، أو باقتراب إغلاقها، كان لها تأثير كبير في التّاريخ. أن نكرّس حياتنا لاتّباع يسوع في مسيرة بهذه المتطلّبات يفترض، بالإضافة إلى عمل النّعمة، سخاءً خاصًّا، وتجذّرًا راسخًا في الإيمان، وحياةً داخليّة مكثّفة، وقربًا مميّزًا من يسوع. هذه الشّروط نجدها بصورة أكبر في العائلات المسيحيّة، التي تستحقّ أقصى درجات العناية والدّعم. إنّ تعميق حياة الإيمان وتجذيرها داخل العائلات هو بالتّأكيد مفتاح سيسمح بحلّ كثير من الأزمات التي تجتازها الكنيسة ومجتمعاتنا. في الواقع، في داخل العائلات، نتعلّم الحياة المشتركة، واحترام الآخر، وقبول الاختلاف، والدّعم المتبادل، والسّخاء، ومجانيّة بذل الذّات، وروح التّضحيّة. لعلّ هذا هو التّحدّي الرّئيسيّ الذي يجب أن نواجهه: أن يحيا يسوع كاملة في العائلات الكاثوليكيّة في فرنسا، وأن ينيرها بحضوره!
تابع الأب الأقدس يضاف إلى هذه المسائل تحدٍّ آخر قد يثير قدرًا من القلق بشأن المستقبل، وهو تحدّي الوَحدة. في هذا الصّدد، اسمحوا لي أن أذكّر كم هو مهمّ وجوهريّ أن يجتمع تلاميذ يسوع في المحبّة، كما طلب هو من أبيه: "فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِدًا، [...] لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" (يوحنّا ١٧، ٢١). الكنيسة في فرنسا قطيع صغير، وعليها أن توحّد قواها من أجل الرّسالة. فالانقسامات الإيديولوجيّة تجعل شهادتها باطلة. وقد وُجدت التوتّرات دائمًا في تاريخ الكنيسة، لكنّه تحديدًا عندما تظهر هذه التوتّرات يزداد تقديرنا إلى عطيّة الوَحدة. هذه الوَحدة ليست تسوية مسطّحة (أي إزالة الفروق الشّخصيّة)، بل تجعل كلّ حساسيّة كاثوليكيّة أصيلة تتلاقى بصورة طبيعيّة في اعتراف مشترك بالإيمان، وذلك بالطّاعة للرعاة الشّرعيين، ولا سيّما لخليفة بطرس، الذي هو "مبدأ [...] وأساس دائم ومرئي لوَحدة الإيمان والشّركة" (المجمع الفاتيكاني الثّاني، الدّستور العقائدي، نور الأمم، ١٨). إنّها وَحدة ديناميكيّة تتغذّى من تقليد الكنيسة، من الآباء حتّى المجمع الفاتيكاني الثّاني، ومن سُلطة الكنيسة التّعليميّة اللاحقة للمجمع. وهي أيضًا تغتني بالحوار المتبادل، انطلاقًا من الإيمان، وفق أسلوب سينودسيّ نسعى إلى تعميقه في هذه الأيّام الأخيرة.
وختم البابا لاون الرابع عشر كلمته بالقول أيّها الإخوة الأعزّاء، الكنيسة في فرنسا عزيزة على قلب البابا. كم أتمنّى أن أنقل إليكم مشاعر الحماس والرّجاء التي تملأني عندما أفكّر فيكم! شعب الله في فرنسا، الغنيّ بجماعات حيّة وأخويّة ومنفتحة على العالم، والغنيّ بشباب متّقد وملتزم بمبادرات متعدّدة، والغنيّ أيضًا بإرث يسنده، وفي الوقت نفسه، يحمّله مسؤوليّة، سيواصل، وأنا واثق من ذلك، رسالته بحماس واندفاع، في إعلان يسوع المسيح وجعل النّاس يحبّونه، ”لكي تكون للعالم الحياة“. أوكل مجلسكم، وجماعاتكم الأبرشيّة، وبلدكم إلى حماية سيِّدتنا مريم العذراء الوالديّة، سيِّدة لورد، وأمنحكم بفرح البركة الرّسوليّة.




