د.ماجد عزت إسرائيل
في خطوة جديدة تهدف إلى دعم الدراسات القبطية ونشر المعرفة الأكاديمية والتراث القبطي في أوروبا، افتُتح اليوم السبت 26 سبتمبر 2026م، الموافق 16 توت 1743ش، فرع أكاديمية تيتش (TEACH) في ألمانيا، وذلك برعاية قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
افتتح الفرع نيافة الأنبا دميان، مطران شمال ألمانيا ورئيس دير السيدة العذراء والقديس موريس بهوكستر – ألمانيا، وبمشاركة الأستاذ الدكتور ميشيل حنين، وحضور لفيف من الأساتذة والباحثين والمتخصصين والمهتمين بالدراسات القبطية، في يوم علمي وثقافي حافل جمع بين التاريخ واللغة والفن والموسيقى والتراث القبطي.
التعليم والمعرفة في قلب رسالة الكنيسة
بدأت فعاليات الافتتاح بعرض فيلم قصير عبّر عن ترحيب قداسة البابا تواضروس الثاني ودعمه لهذه الخطوة التعليمية والأكاديمية الجديدة، وما تمثله من امتداد للجهود المبذولة في خدمة التعليم ونشر الدراسات القبطية خارج مصر.
وأعقب ذلك كلمة لنيافة الأنبا دميان تناول خلالها أهمية التعليم في الكنيسة القبطية، ودوره في بناء الإنسان وربط الأجيال الجديدة بجذورها الروحية والثقافية والحضارية، مشيرًا إلى أهمية الدراسة الأكاديمية الجادة في الحفاظ على التراث القبطي وتقديمه للأجيال القادمة بصورة علمية ومنهجية.
وجاء افتتاح فرع الأكاديمية في ألمانيا ليؤكد أهمية مد جسور المعرفة بين مصر وأوروبا، وإتاحة الفرصة للدارسين والباحثين والمهتمين بالتراث القبطي للوصول إلى برامج تعليمية تجمع بين الدراسة الأكاديمية والحفاظ على الهوية والتراث.
برنامج علمي متنوع في الدراسات القبطية
وعقب الكلمات الافتتاحية، بدأت سلسلة من المحاضرات العلمية المتخصصة، استهلها الدكتور صموئيل معوض بمحاضرة تناول فيها جوانب من التاريخ القبطي، وما يمثله هذا التاريخ من أهمية لفهم تطور المجتمع والكنيسة والتراث المسيحي في مصر عبر العصور.
وتلتها محاضرة للدكتورة كريستين شايو حول أوضاع الأقباط في مصر، تناولت من خلالها عددًا من الجوانب المتعلقة بالحضور القبطي في المجتمع المصري.
وفي جانب اللغة، قدم الأستاذ الدكتور شيرين عازر تدريبات عملية في اللغة القبطية، في إطار التأكيد على أهمية اللغة بوصفها أحد المكونات الأساسية للتراث القبطي، ووسيلة رئيسية لفهم النصوص والليتورجيا والمصادر القبطية ودراستها دراسة علمية.
الفن القبطي.. تراث روحي وحضاري
كما قدمت تاماف أكساني محاضرة عن الفن القبطي، تناولت خلالها عددًا من ملامحه وخصائصه وما يحمله من أبعاد روحية وفنية وحضارية، باعتباره شاهدًا حيًا على امتداد الثقافة القبطية وتطورها عبر القرون.
وشهدت فعاليات الافتتاح أيضًا مشاركة تاماف أكساني وطالبات الرهبنة بدير مارجرجس للراهبات بنيهايم، في حضور أضفى على اليوم طابعًا روحيًا وثقافيًا مميزًا، وعكس الصلة الوثيقة بين الحياة الرهبانية والاهتمام بالتراث والفن والتعليم القبطي.
وادي النطرون في مسار العائلة المقدسة
وفي محور يجمع بين التاريخ والجغرافيا والآثار والتقاليد القبطية، ألقى الدكتور ماجد إسرائيل محاضرة بعنوان:
«وادي النطرون في مسار العائلة المقدسة: المواضع والآثار والمكتشفات الأثرية»
تناول خلالها مكانة وادي النطرون ضمن مسار العائلة المقدسة في مصر، والمواضع المرتبطة بالتقليد القبطي، إلى جانب ما تحتفظ به المنطقة من شواهد أثرية وتراثية، وما كشفت عنه الدراسات والمكتشفات الأثرية من معطيات تسهم في إعادة قراءة تاريخ هذه المنطقة المهمة.
وسلطت المحاضرة الضوء على العلاقة بين الروايات التقليدية والشواهد التاريخية والأثرية، وعلى أهمية وادي النطرون ليس فقط بوصفه أحد أبرز مراكز الرهبنة القبطية، وإنما أيضًا باعتباره منطقة ذات حضور متميز في دراسة مسار العائلة المقدسة والتراث المسيحي المصري.
عودة العائلة المقدسة إلى فلسطين
وفي استكمال للمحور المتعلق برحلة العائلة المقدسة، تناول القس أنطونيوس رفعت في محاضرته عودة العائلة المقدسة إلى فلسطين، مقدمًا قراءة للمراحل المرتبطة بنهاية الرحلة والعودة من مصر، في سياق تاريخي وجغرافي وروحي يربط بين المواقع والتقاليد المتعلقة بمسار العائلة المقدسة.
وبذلك قدمت المحاضرتان رؤية متكاملة نسبيًا لمسار الرحلة، بدءًا من بعض أهم محطاتها في مصر وصولًا إلى مرحلة العودة إلى فلسطين.
الموسيقى القبطية والألحان الكنسية تختتم اليوم
واختُتم البرنامج بمحور مميز عن الموسيقى القبطية والألحان الكنسية، بمشاركة الأستاذ الدكتور ميشيل حنين والأستاذ أسامة فتحي.
وتناول هذا الجزء من الفعاليات أهمية الموسيقى القبطية بوصفها أحد أهم عناصر التراث غير المادي للكنيسة القبطية، وارتباط الألحان بالصلوات والطقوس والمناسبات الكنسية المختلفة، إلى جانب قيمتها التاريخية والموسيقية وضرورة الاهتمام بتوثيقها ودراستها ونقلها بأمانة إلى الأجيال الجديدة. وجاء ختام اليوم بالموسيقى والألحان القبطية ليجمع بين البحث الأكاديمي والخبرة الحية للتراث، بعد يوم تنوعت محاوره بين التاريخ واللغة والفن والآثار ومسار العائلة المقدسة.
برامج دراسية وشهادات معتمدة في أوروبا
ويأتي افتتاح فرع أكاديمية تيتش في ألمانيا في إطار توسيع نطاق الخدمات التعليمية التي تقدمها الأكاديمية، وإتاحة الفرصة للراغبين في مواصلة التعليم والدراسة ضمن مجموعة متنوعة من التخصصات، مع إمكانية الحصول على شهادات معتمدة رسميًا في أوروبا وفقًا للبرامج واللوائح المعتمدة بالأكاديمية.
وتشمل مجالات الدراسة اللاهوت، والتاريخ، والآبائيات، والمشورة المسيحية، والفنون، والموسيقى القبطية، فضلًا عن عدد من اللغات التي تخدم الدراسات القبطية وتسهم في قراءة المصادر الأصلية والتعمق في البحث الأكاديمي.
كما تمتد اهتمامات البرامج العلمية إلى موضوعات تتصل بعلم المصريات، والتاريخ والآثار، واللغة اليونانية في ليتورجية الكنيسة القبطية، واللغة القبطية، والفنون والموسيقى القبطية، إلى جانب الدراسات المتعلقة بمسار رحلة العائلة المقدسة في مصر.
جسر للمعرفة القبطية بين مصر وأوروبا
ويمثل افتتاح فرع أكاديمية تيتش في ألمانيا إضافة جديدة للحضور الأكاديمي القبطي في أوروبا، إذ لا يقتصر الهدف على تقديم برامج تعليمية فحسب، بل يمتد إلى خلق مساحة يلتقي فيها الباحثون والمتخصصون والدارسون والمهتمون بالتراث القبطي، وتتشابك فيها مجالات التاريخ واللغة واللاهوت والآثار والفنون والموسيقى.
ويعكس التنوع الذي شهده يوم الافتتاح رؤية علمية تسعى إلى دراسة التراث القبطي من زوايا متعددة ومتكاملة، بما يسهم في دعم البحث العلمي، وتشجيع الأجيال الجديدة على دراسة جذورها الحضارية والكنسية، والحفاظ على عناصر التراث القبطي المادي وغير المادي.
ك ما يحمل افتتاح الفرع في ألمانيا دلالة خاصة في ظل وجود أجيال متنامية من الأقباط في أوروبا، وما يصاحب ذلك من حاجة إلى مؤسسات تعليمية تستطيع الجمع بين المنهج الأكاديمي والهوية الثقافية والكنسية.
ومن هنا تأتي أهمية أكاديمية تيتش بوصفها مساحة للتعليم والبحث والحوار، تسعى إلى جعل المعرفة القبطية أكثر قربًا وإتاحة للدارسين داخل أوروبا وخارجها، وإلى فتح آفاق جديدة أمام البحث في الكنيسة القبطية'> تاريخ الكنيسة القبطية وتراثها ولغتها وفنونها وموسيقاها.
وهكذا جاء يوم افتتاح فرع أكاديمية تيتش في ألمانيا يومًا يجمع بين الاحتفال والعلم والتراث؛ بداية جديدة لمسيرة تعليمية تسعى إلى خدمة المعرفة، والحفاظ على التراث القبطي، وربط الماضي بالحاضر، ونقل هذا الإرث الحضاري والروحي الغني إلى الأجيال القادمة.





