(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك) 

أوّلًا: الصليبُ مَوْتٌ وصرخة وتجلِّي
إنّ أحد تعبيرات يسوع الناصريّ الأرضيّة الأخيرة، قَبْل موته، هو الصرخة، إذ إنّه قد صَاحَ بأَعلى صَوتِه أمام حقيقة الموت الوَشيكة المرعبة. ولم يكن صُراخُه يَأسًا وخوفًا ورُعبًا من الموت، وإنّما ثقةٌ في الله أبيه؛ فلا يمكن أن ينتهي كلُّ شيءٍ هنا، على الصليب، وعند أعتاب القَبْر. وكذلك، لم يصرخ يسوعُ لأنّه شَكَّ بُرْهَةً في أبيه السماويّ، وإنّما لأنّه كان مُتيقِّنًا بأنّ الله الآب لن يترك نَفْسه في مَثوَى الأَمْوات، ولن يدَع قُدُّوسَه يَنالُ مِنهُ الفَساد (رسل 2: 27). ولذا، فقد عَبَّرَ عن رفضه وصمته أمام حُسْبان الموت ككلمةٍ أخيرة، كما هو معتادٌ بالنسبة للبشريّة بأسرها.

وبالإضافة إلى هذه الصرخة الأخيرة المفعمة بالمعاني، نحن أمام إحدى العِبارات الأخيرة أيضًا، التي نَطَقَ بها يسوعُ قَبْل موته مباشرةً، وهي ذات أهمّيّةٍ بالغة: «يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي!» (لوقا 23: 45). إنّها ليست مجرّد جُملةٍ عابرة، فقد بلغت آلام صليبه إلى حدّ الذُروة، أي الموت. وانطلاقًا من صرخته وكلمته الأخيرتين، هل يا ترى كان ينتظر يسوعُ تدخُّلًا عجائبيًّا في اللحظات الأخيرة؟ وأمَّا الحَدَثُ، فهو "موت" الناصريّ، فقد «لَفَظَ الرُّوح» (لوقا 23: 45). لقد "مات" مصدر الحياة وواهبها، بل الذي هو "الحياة" عَيْنها (يوحنا 14: 6). إنّها مفارقةٌ أُخرى من مفارقات دَرْب الصليب.. كيف ولماذا حَدَثَ هذا؟

ترتبط الصرخةُ والكلمة والحَدَث، إذًا، بحقيقة الحقائق، أي "بالموت" بوجهٍ عامّ، وبموت المسيح بشكلٍ خاصّ؛ فنحن أمام "المسيح المصلوب المائت"! إنّنا، نحن الذين لا نفهم مَوْتَ البشر، ولا حتّى موتنا، كيف لنا أن نفهم مَوْتَ ابن الله على الصليب؟ لا شكّ أنّ يسوع المسيح ذاته، الذي سار قَبْلنا في طريق الظلمات وغَياهبها، هو الذي يُنير لنا الطريقَ في معرفة آخر أعدائنا وإبادته (1 قورنتس 15: 26)، وكيفيّة التعايش معه ومعايشته، لا كنهايةٍ، وإنّما كبدايةٍ، لا كانقطاعٍ، وإنّما كجسرٍ وعبور. فإن كُنَّا في ضوء حياة يسوع الناصريّ وأعماله وكلماته، نفهم حياتنا، فإنّنا في ضوء موته –المكتمل بقيامته– نفهم موتنا الروحيّ والجسديّ أيضًا. وعلى هذا النحو، فإنّنا في موتنا الأرضيّ نموت معه وبين يَدَيه. لقد تضامن يسوعُ المسيح معنا في الموت، إذ إنّه مات لأجلنا ونحن معه؛ وأعطى الموتَ معنًى جديدًا، ممّا يجعلنا نكتشف المعنَى لحياتنا ومماتنا.  

ثمَّة أمرٌ آخر، وانطلاقًا من "المسيح المصلوب المائت"، وهو أنّ الإله الأحد-الواحد-الثالوث، الذي قد أظهر ذاته من قَبْل في الطبيعة والخليقة، وفي الهياكل والمعابد، قد تجلَّى الآن في ابنه المتجسّد المصلوب المائت؛ فإنّ «الشَّمسَ قدِ احتَجَبَت. وانشَقَّ حِجابُ المَقدِسِ مِنَ الوَسَط» (لوقا 23: 45). فيا جميع الناس، يا مَن تؤمنون بالله تعالى، نحن هنا أمام كمال وَحْي الله، الذي سَطَعَ بشكلٍ فريد في هذا المشهد المأسويّ والدراميّ؛ فإنّ إلهنا لم يتألّم ويُصلب فحسب، بل قد تنازل ومات في ابنه المتجسّد أيضًا!

ثانيًا: الصليبُ دَفْنٌ وانسلاخ وعبور 
لقد بلغت مسيرةُ انسلاخ اللوغُس المتجسّد، وتخلّيه، وتجرّده، مرحلةَ الذروة؛ فبعد تَعريته، وتعذيبه، وتسميره، وموته، وإنزاله من الصليب، أَمْسى جُثْمانَ أو جُثّةَ شخصٍ قد فارق الحياة، وجاءت لحظةُ دَفْنه في قَبْرٍ، في جوف الأرض. أجل، لقد مات ابنُ الله المتجسّد، ودُفِنَ، وصار جُثّةً هامدةً؛ وقد "نزل إلى الجحيم من قِبَل الصليب". لقد تضامن معنا في الموت وقسوته، وفي كونه جُثّةً هامدةً في جوف الأرض؛ ولكنّه قد تضامن معنا أيضًا في الذهاب إلى ما هو وراء الموت، وما هو أبعد منه، أي القيامة والحياة والخُلود. لقد «قَضى على المَوت وجَعَلَ الحَياةَ والخُلودَ مُشرِقَينِ بِالبِشارة» (2 طيموتاوس 1: 10).

وعلى هذا النحو، فإنّ "حَبَّةَ الخَردَل-الحِنطَة" المدفونة في الأرض، ستُخرِج ثَمَرًا كثيرًا (مرقس 4: 31-32؛ متّى 13: 31-32؛ لوقا 13: 18-19؛ يوحنّا 12: 24)؛ وسيقوم آدم الجديد –مُخَلِّصُنا يسوعَ المسيح– من التُّراب، من جوف الأرض، ونحن معه (رُومة 5: 12-21؛ 1 قورنتِس 15: 20-22؛ 45-49)، كآدم الأوّل الذي خرج من تُراب الأَرض (تكوين 2: 7)؛ وستنبعث من رائحة الأموات والقبور العَفِنة عَبَقُ القيامة الزكيّ. «وهو الَّذي في أَيَّامِ حَياتِه البَشَرِيَّة رَفَعَ الدُّعاءَ والِابتِهالَ بِصُراخٍ شَديدٍ ودُموعٍ ذَوارِفَ إِلى الَّذي بِوُسعِه أَن يُخَلِّصَه مِنَ المَوت، فٱستُجيبَ لِتَقْواه. وتَعَلَّمَ الطَّاعَةَ، وهو الِابن، بما عانى مِنَ الأَلَم. ولَمَّا بُلِغَ بِه إِلى الكَمال، صارَ لِجَميعِ الَّذينَ يُطيعونَه سَبَبَ خَلاصٍ أَبَدِيّ، لِأَنَّ اللهَ أَعلَنَه عَظيمَ كَهَنَةٍ على رُتْبَةِ مَلكيصادَق» (عبرانيّين 5: 7-10).