محرر الأقباط متحدون
في إطار زيارته الرسولية الى فرنسا توجه البابا لاون الرابع عشر في فترة بعد الظهر الى مركز استقبال سيدتنا مريم العذراء بمزار سيدة لورد وفي خطابه أكد مجدداً أن كرامة الإنسان "لا يمكن قياسها أو مناقشتها": "يجب رفض إغراء إزهاق الأرواح تحت ذريعة الشفقة الزائفة رفضاً قاطعاً
في إطار زيارته الرسولية إلى فرنسا الممتدة من الخامس والعشرين وحتى الثامن والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر، وجّه قداسة البابا لاون الرابع عشر كلمة وجدانية مؤثّرة إلى المرضى ومرافقيهم والكوادر الصحية المتواجدة في مركز "استقبال سيّدتنا مريم العذراء" بمزار سيّدة لورد
قال البابا لاون الرابع عشر إنّه لمن دواعي سروري الكبير أن أقضي هذا الوقت معكم، هنا في لورد، حيث يأتي الحجّاج من جميع أنحاء العالم، منذ أكثر من مائة وخمسين سنة، ليُوكلوا آلامهم إلى يسوع، بواسطة مريم، سواء أكانت آلامًا جسديّة أم نفسيّة أم روحيّة. هنا، لا يُخفى الضّعف، بل يصير مكانًا للقاء مقدّس.
تابع البابا لاون الرابع عشر بالقول هذه السّنة، موضوع المزار الرّعوي يستعيد تحيّة الملاك جبرائيل لمريم: "افرَحي، أَيَّتُها المُمتَلِئَةُ نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ" (لوقا 1، 28). ويسلّط الضّوء على هذا التّبادل العجيب بين نظرَتَين: نظرة رسول الله ونظرة مريم. في هذا اللقاء وجهًا لوجه، سمح تواضع الفتاة الشّابّة وسخاؤها لله بأن يتمّم عمل الخلاص. لم تحتفظ مريم بالله لنفسها، بل قدّمته إلى العالم، وقالت لكلّ واحد منّا: "الرَّبُّ مَعَك". هذه الحقيقة هي أساس كرامتنا كبشر. وهنا، تنظر مريم إلى كلّ واحد منّا كإنسان فريد، كما تشهد القدّيسة برناديت خلال الظّهورات في المغارة. هذه النّظرة الوالديّة تؤكّد لنا من جديد أنّه لا يوجد أحد غير مرئيٍّ في عينَي الله.
أضاف البابا لاون الرابع عشر في زمن تميل فيه بعض المجتمعات إلى صرف النّظر أو غض الطّرف أمام كرامة الحياة الإنسانيّة، "من الضّروريّ قبل كلّ شيء أن ننمّي فينا وفي الآخرين نظرةً تأمّليّة […]. إنّها نظرة من يرى الحياة في عمقها، فيدرك فيها أبعاد المجّانيّة والجمال، وما تحمله من دعوة إلى الحرّيّة والمسؤوليّة. إنّها نظرة من لا يطمح إلى امتلاك الواقع، بل يقبله عطيّة، فيكتشف في كلّ شيء انعكاس الخالق، وفي كلّ إنسان صورته الحيّة (راجع تكوين 1، 27؛ مزمور 8، 6). هذه النّظرة […] تنفتح على اكتشاف نداءٍ إلى المواجهة والحوار والتّضامن في وجه كلّ إنسان" (القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، إنجيل الحياة، 83)، لكي تكون للعالم الحياة.
تابع البابا لاون الرابع عشر في حوار بشارة الملاك لمريم العذراء، وجّه الله نظره إلى مريم، فاكتشفت أنّ الله اختارها. لكن، في قلب هذا اللقاء، يكتشف كلّ واحد منّا أنّه مدعوّ شخصيًّا، ومصيره هو حبّ الله، ينبوع الحياة. في الواقع، الإنسان” كريم“لمجرّد أنّه حيّ، ولأنّ غايته هي الأبديّة. ولا قياسَ لكرامته ولا هي موضع نقاش.
أضاف قداسته أعلم أنّ الأفق قد يبدو قاتمًا ومبهمًا ولا مخرج منه بالنّسبة إلى بعضكم، بسبب بعض الأمراض والآلام الرّهيبة أحيانًا. ولكن يجب ألّا يجعلكم أيّ قانون بشريّ تفقدون الثّقة بكرامتكم. بل العكس، باسم هذه الكرامة غير القابلة للتصرّف التي يتمتّع بها الإنسان تحديدًا، يجب رفض تجربة إنهاء الحياة بحجّة تعاطف زائف رفضًا قاطعًا. من المستحيل اعتبار إنهاء الحياة أمرًا طبيعيًّا. ما يقرّه القانون ليس بالضّرورة أخلاقيًّا.
تابع الحبر الأعظم هنا، في لورد، مدينة المرضى والرّجاء، أدعو كلّ جماعة العاملين في مجال الصّحّة إلى أن يتذكّروا المعنى العميق لدعوتهم: أن يعتنوا بإنسانٍ يتألّم، لا أن يقضوا عليه. نعم، أيّها الأصدقاء الأعزّاء، كونوا خَدَّامًا متحمّسين للحياة! فلا يحقّ لأحد، أبدًا، "استنادًا إلى خوارزميّات مختبريّة، أن يقرّر مصير حياة جنين أو إنسان مسنّ! لا يمكن للطبّ أبدًا أن يصير خادمًا للموت المبرمج!" (كلمة إلى أعضاء مؤسّسة جيروم ليجون، 22 حزيران/يونيو 2026). في هذا السّياق، أدعوكم، من جهة، إلى أن تطوّروا مرافق الرّعاية الملطّفة للآلام ومرافق البحث دون كلل، ومن جهة أخرى، إلى أن ترافقوا المرضى بحنان، كما يحدث هنا في لورد، حيث يمارس الأطبّاء، والممرّضون، وحَمَلة النقّالات، والمرشدون الرّوحيّون، وفرق رعاية المرضى الرّعويّة وكثيرون غيرهم دعوتهم لخدمة كرامة الإنسان، لكي تكون للعالم الحياة. وأنتم، إذ تعتنون بالأجساد، تعتنون أيضًا بالنّفوس. إليكم، أيّها الأعضاء الأعزّاء في جمعيّات الاستقبال والضّيافة، وإليكم أيضًا، أيّها العاملون في مجال الصّحّة، الذين تكرّسون أنفسكم لخدمة إخوتكم وأخواتكم، أعبّر عن شُكري العميق.
وختم قداسة البابا لاون الرابع عشر كلمته إلى المرضى ومرافقيهم والكوادر الصحية المتواجدة في مركز "استقبال سيّدتنا مريم العذراء" بمزار سيّدة لورد بالقول أيّها الإخوة والأخوات المرضى الأعزّاء، أودّ أن أقول لكم: أنتم لستم عبئًا، بل أنتم قلب إنسانيّتنا النّابض، وكنز ثمين للكنيسة. أرافق بالصّلاة المحن التي تجتازونها. أفكّر في جميع الذين لا يستطيعون أن يكونوا هنا، والذين يتّحدون معنا في هذا اللقاء من بيوتهم أو من غرفهم في المستشفى. أوكلكم جميعًا إلى محبّة أمّ الرّبّ يسوع الوالديّة، وأطلب منها أن تمنحكم تعزية ابنها يسوع. ليبارككم الله ويحفظكم!




