محرر الأقباط متحدون
في بعض الأحيان، قد يثير مشهد واحد تساؤلات كثيرة، خصوصًا عندما يرتبط برمز ديني له مكانة عميقة في وجدان المؤمنين. ومن هنا يصبح من المهم أن نتوقف قليلًا، ونقرأ المشهد في سياقه، ونستمع إلى تفسير صاحبه، بعيدًا عن التسرع أو سوء الفهم.

وما أثير حول مشهد إشعال النار المرتبط بالصليب، وما صاحبه من تساؤلات وانتقادات، يستحق أن يُتناول بهدوء واتزان، لاسيما أن الحديث يتعلق بالأنبا بيمن، مطران نقادة وقوص، وهو أحد الشخصيات الكنسية المعروفة بخدمتها ومسؤوليتها تجاه الكنيسة وأبنائها، وبمواقفها في الدفاع عن الإيمان والكنيسة والجميع يعلم قوته وايمانه وحرصه على كنيسته .

والأهم هنا أن نضع ما حدث في إطاره الديني والتاريخي بدلًا من الاكتفاء بالمشهد المجرد.

الصليب ليس مجرد قطعة من الخشب
من أهم النقاط التي أوضحها نيافة الأنبا بيمن أن الصليب بالنسبة للمسيحيين ليس مجرد رمز مادي أو قطعة من الخشب، وإنما هو مرتبط بجوهر الإيمان المسيحي، وبمعاني الفداء والخلاص وقوة الله.

ومن هذا المنطلق، فإن القول إن «مطرانًا أحرق الصليب» قد يحمل معنى مختلفًا تمامًا عن المقصود من المشهد، لأن الصليب في الإيمان المسيحي لا تنحصر قيمته في مادته، وإنما في المعنى الروحي والإيماني الذي يحمله في قلوب وعقول المؤمنين.

فخشبة الصليب، باعتبارها مادة، شيء، أما الصليب كرمز للإيمان فهو معنى روحي عميق لا يمكن اختزاله في قطعة خشب يمكن أن تحترق أو لا تحترق.وهنا تكمن أهمية فهم الفارق بين المادة والرمز، وبين الفعل المادي والمعنى الروحي.

تقليد معروف في احتفالات الكنيسة الإثيوبية
وفى عظة نيافة  الأنبا بيمن أمس أوضح أن مشهد إشعال النار له خلفية مرتبطة بتقاليد الاحتفال بعيد الصليب في الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، مشيرًا إلى أنه سبق له حضور هذه الاحتفالات.

فالكنيسة الإثيوبية، التي تشترك مع الكنيسة المصرية في الإيمان الأرثوذكسي، تحتفل بعيد الصليب في أجواء تتضمن إشعال نار كبيرة باستخدام الحطب، ويشارك في الاحتفال رجال الكنيسة والشعب، في تقليد له جذور ورموز تاريخية.وهذا الأمر مهم في فهم المشهد، لأنه يوضح أن إشعال النار في هذه المناسبة ليس بالضرورة تعبيرًا عن إحراق الصليب أو الإساءة إليه، وإنما يدخل ضمن تقليد احتفالي له تفسيره وسياقه الخاص.

روايات تاريخية ارتبطت باكتشاف خشبة الصليب
وفي شرحه، أشار الأنبا بيمن كذلك إلى روايات تاريخية مرتبطة باكتشاف خشبة الصليب على يد الملكة هيلانة.وتذكر إحدى الروايات أن المكان الذي يُعتقد أنه كان يحوي خشبة الصليب كان قد غُطي بكميات كبيرة من التراب والمخلفات، وبعد رفعها ظهرت أخشاب، فتم إشعالها، وكان اتجاه الدخان يُستخدم للاستدلال على مكان وجود خشبة الصليب.

كما أشار إلى قصة نقل خبر اكتشاف خشبة الصليب إلى الإمبراطور قسطنطين، موضحًا أن المسافات الكبيرة بين أورشليم والقسطنطينية كانت تستدعي، وفق الرواية المتداولة، استخدام إشارات النار فوق قمم الجبال لإيصال الأخبار عبر المسافات.

وبغض النظر عن التفاصيل التاريخية التي تحتاج دائمًا إلى قراءتها في سياق مصادرها ورواياتها، فإن الإشارة إليها توضح أن النار ارتبطت في بعض التقاليد والروايات التاريخية المرتبطة بعيد الصليب بمعانٍ تتجاوز فكرة الاحتراق ذاتها.

بين المشهد ومعناه
وهنا ربما تكون النقطة الأهم في فهم الواقعة.ليس كل ما تراه العين في مشهد ديني يُفهم بالمعنى المادي المباشر نفسه. فالطقوس والاحتفالات الدينية تحمل رموزًا وإشارات ومعاني قد لا تكون واضحة لمن يشاهدها للمرة الأولى.

ومن هنا فإن مشاهدة نار مرتبطة باحتفال بعيد الصليب لا تعني بالضرورة أن المقصود هو إحراق الصليب أو التقليل من شأنه.

بل على العكس، فإن شرح نيافة الأنبا بيمن ينطلق من أن الصليب بالنسبة للمؤمن هو رمز للإيمان وقوة الله والخلاص، وليس مجرد مادة يمكن التعامل معها باعتبارها شيئًا عاديًا.وقد عبّر عن هذا المعنى بالاستشهاد بما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس: «فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله.وهي عبارة تلخص الفكرة الأساسية: قيمة الصليب بالنسبة للمؤمن لا تأتي من مادته وحدها، وإنما من المعنى الإيماني والروحي الذي يحمله.

الأنبا بيمن.. وشهادة مسيرته الكنسية
وعند تناول هذه الواقعة، من الإنصاف أيضًا ألا نفصل موقفًا واحدًا عن صاحبه ومسيرته.

فالأنبا بيمن، مطران نقادة وقوص، شخصية كنسية كبيرة تحمل مسؤولية رعوية وكنسية، وله حضور ومواقف متعددة يشهد لها أبناء الكنيسة في مجالات الخدمة والدفاع عن الإيمان والاهتمام بالكنيسة.

ولهذا فإن قراءة أي موقف يصدر عنه تحتاج إلى قدر من التروي، والاستماع إلى شرحه، وعدم بناء حكم كامل على مشهد منفرد أو تفسير واحد له.
وهذا لا يعني أن الأسئلة ممنوعة، ولا أن الاختلاف في الفهم أمر غير مقبول، وإنما يعني أن الاختلاف يمكن أن يكون هادئًا ومحترمًا، وأن الوصول إلى الحقيقة يبدأ بالسؤال والاستماع قبل إصدار الأحكام.

نحن في حاجة إلى الهدوء والتعقل
في النهاية، ربما تكون هذه الواقعة فرصة للتذكير بأهمية الهدوء في التعامل مع كل ما يمس الرموز الدينية، خصوصًا الصليب، الذي يمثل للمسيحيين معنى عميقًا يتجاوز الشكل والمادة.

ومن الطبيعي أن يثير أي مشهد غير معتاد تساؤلات لدى البعض، لكن الأفضل دائمًا أن تكون الإجابة من خلال الحوار والفهم، لا من خلال التصعيد.

فالكنيسة في حاجة إلى أن يكون الحوار حول مثل هذه الأمور باعثًا على السلام، وأن يكون الاختلاف مدخلًا للفهم وليس سببًا للانقسام.

والأنبا بيمن نفسه قدم تفسيرًا للمشهد، وأوضح خلفيته التاريخية والروحية، ومن المهم أن يُسمع هذا التفسير كاملًا حتى يستطيع الجميع أن يفهموا المقصود بعيدًا عن التأويلات المتعجلة.

فالصليب في النهاية ليس مجرد خشبة، ولا مجرد صورة أو شكل؛ إنه معنى يسكن في الإيمان والوجدان، ويرتبط عند المسيحيين بالفداء والخلاص وقوة الله.

ولذلك، فإن العبارة الأدق ليست أن نتوقف عند سؤال: «ماذا حدث للنار أو للخشب؟»، وإنما أن نفهم أولًا: «ماذا يعني الصليب بالنسبة للمؤمن؟ وما الذي أراد صاحب المناسبة التعبير عنه؟»

وعندما نضع الأمور في سياقها، ونستمع إلى التفسير كاملًا، ونحافظ على احترام بعضنا البعض، يصبح من الممكن أن يتحول الجدل إلى فرصة للفهم، وأن يتحول الاختلاف إلى حوار، وأن يبقى الهدف الأهم هو الإيمان والكنيسة والسلام والمحبة.

فالهدوء في مثل هذه الأمور ليس تراجعًا، والتعقل ليس ضعفًا، والاستماع للآخر لا يعني الاتفاق معه في كل شيء؛ وإنما هو احترام للحقيقة، واحترام للمؤمن، واحترام لقدسية الرموز التي تحمل مكانة عميقة في حياة الكنيسة وأبنائها.