خالد منتصر
هل للموسيقى علاقة بكيمياء الدماغ؟، ولماذا تستطيع أغنية أن تنتزعك من زحام يومك، وتعيدك في ثانية إلى بيتٍ رحلت عنه أو وجهٍ لم تنسه؟ ولماذا نترقب مقطعاً موسيقياً نعرف جيداً أنه قادم، ثم نقفز فرحاً حين يصل، كأننا نسمعه للمرة الأولى؟ الإجابة تبدأ من حقيقة مدهشة: الأذن تستقبل الموسيقى، لكن الدماغ هو الذي يصنع منها حدثاً عاطفياً.
في دراسة نُشرت عام 2001، رصد الباحثون نشاط مناطق المكافأة والانفعال لدى أشخاص أصابتهم قشعريرة المتعة وهم يستمعون إلى موسيقى اختاروها بأنفسهم. لم تكن القشعريرة استعارة شعرية؛ كانت تجربة جسدية يمكن قياس ما يصاحبها في الدماغ، ثم جاءت دراسة فالوري سليمبور وزملائها عام 2011 لتكشف دور الدوبامين، إحدى المواد التي يستخدمها الدماغ في التوقع والمكافأة. والمفاجأة أن إفرازه ارتبط بلحظتين: لحظة انتظار الذروة الموسيقية، ولحظة الوصول إليها، في منطقتين مختلفين من الدماغ. كأن اللحن يمنحنا هديتين: لذة الوعد، ثم لذة تحققه.
تأمل كيف يعمل الملحن: يضع أمامك جملة مألوفة، يكررها حتى يتعلمها دماغك، ثم يؤخر نهايتها نصف خطوة، أو يفاجئك بنغمة لم تنتظرها. هنا يولد التوتر الجميل. أنت لا تسمع الأصوات فقط؛ أنت تتنبأ، وتخطئ أحياناً، ثم تعيد الاكتشاف. ولهذا لا يشترط أن تكون الموسيقى صاخبة أو «مبهجة» حتى تؤثر فيك. قد يفعل لحن حزين ما تعجز عنه أغنية راقصة، لأنه يلتقي بذاكرتك في اللحظة المناسبة، لكن هل الدوبامين سبب في هذه المتعة أم مجرد شاهد عليها؟ في تجربة نُشرت عام 2019، زادت متعة المشاركين بالموسيقى ورغبتهم في سماعها حين تناولوا دواءً يزيد توافر الدوبامين، وانخفضتا مع دواء يعوق أثره. هذه نتيجة قوية، لكنها لا تعني أن الدوبامين وحده يفسر سحر الموسيقى، فالأغنية نفسها قد تبكي إنساناً وتترك آخر بلا أثر. بين النغمة والشعور تقف حياة كاملة: ذكريات، وغياب، وحب، وانتظار. العلم يشرح لنا بعض الطريق الذي تسلكه الموسيقى داخل الدماغ؛ أما لماذا تفتح أغنية بعينها باباً أغلقناه منذ سنوات، فتلك قصة يكتب نصفها اللحن، ويكتب نصفها الآخر صاحبه.
نقلا عن الوطن





