بقلم الأب يسطس الأورشليمى
الإصحاح الثامن منسفر نحميا اهتم كُل من عزرا ونحميا بإعادة بناء أورشليم، الأول قام بالأكثر بإصلاح الهيكل، والثاني بإعادة بناء السُور، وكان كُل منهما قائداً له عمله، نراهما يتلاقيان معاً في بناء الشعب الذي يحتاج إلى عزرا الكاهن والكاتب، ويحتاج إلى نحميا الحاكم الرُوحي المملوء غيرة وحزم..

إعادة بناء الشعب وإصلاحه تقُوم على المباديء التالية:
أولاً: كلمة الله التي كانت سرّ الحياة لا تتغير، فهي عماد الإصلاح، ليس في حرفيةٍ جامدةٍ، بل بالرُوح والحقّ..

ثانياً: تكشف الصلاة على العلاقة مع الله في الماضي والحاضر، فالحاضر لا وجُود له بدُون الماضي..

ثالثاً: يقُوم الإصلاح على العبادة المُقدسة التي لها نظامها وطقسها، لكن برُوح الفرح، فرح الله هُو قُوتكُم..

رابعاً: يُختم سفر نحميا بإصلاح الشعب، فالسور ليس هدفاً، إنما يحتضن الجماعة لتُمارس شركتها مع الله..

خامساً: العبادة الحقيقية ديناميكية، تُقدم مستمر لا تنحصر في الحجارة بل في القلُوب المُتسعة بالحُب لله..

سادساً: البناء ليس قصة تاريخية مضت مع الزمن، بل عمل دائم يمس القادة، والشعب، والرجال، والنساء..

إن كان الله معنا فمَن علينا، الذي لم يُشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضاً معه كُل شيءٍ؟!

لقد ظهرت أول ثمرة من ثمار بناء الهيكل، ألا وهي اجتماع الشعب معاً برُوحٍ واحدةٍ، واشتياقهُم للاستماع إلى كلمة الرّب على لسان عزرا الكاهن، لم يصدر لهُم أمراً بالاجتماع، إنما إذ اجتمع الشعب إلى الساحة طلبُوا منه أن يأتي بسفر الشريعة، فما هي الدوافع لذلك؟!

أولاً: خبرتهُم خلال 52 يوماً، أن ما تحقق ليس بحكمة بشرية، إنما بنعمة الله القدير الذي وعد وحقق وعده بكُل الطرق..

ثانياً: رأوا في نحميا وعزرا أمثلة لقلوب ملتهبة بالحب لله في شجاعة بلا خوف من المقاومة الخارجية أو الداخلية..

أترُون القُوة التي تحل بالاتفاق معاً، والضرّر الذي تسببه الخصُومات؟!

المملكة الثائرة تحطم نفسها، وإذ ارتبط أخان معاً واتحدا في وحدة يصيران أكثر صلابة من أي حائط، والحبل المثلُوث لا ينقطع، كان التلاميذ فكر واحد ونفس واحدة (أع23:4) مثل إخوة، كانُوا مُحصنين مثل قصر ملُوكي محاط بأسوار كثيرة، إذ كانوا يسندُون الواحد الآخر، كانوا ثابتين في اتحادهم يقدمُون عوناً مشتركاً جعلهُم أكثر قُوة، كان هدف الاجتماع إصلاح مذبح المُحرقات، وإقامة العبادة الخاصة بالذبائح..

لقد سبق عزرا نحميا في الذهاب إلى أورشليم بحوالي 13 عاماً، هكذا وإن كان قد جاء فاصل زمني بينهما، لكنهما كانا يعملان بفكرٍ واحدٍ وغايةٍ واحدةٍ هي مجد الله وبنيان شعبه من كُل الجوانب.. 

كان عزرا القائد الديني كرئيس كهنة، ونحميا القائد السياسي كحاكم يهُوذا تربطهما علاقة حُب قُوية، كُل منهما له دوره..

كان عزرا الشيخ في حاجة إلى نحميا الشاب، ونحميا الشاب لا يستغنى عن عزرا الشيخ، كُل منهما له دوره، ولا يستغنى عن الآخر، يحترم كُل منهما دور الآخر يعملان على بنيان شعب الله..

اجتمع كُل الشعب كرجُلٍ واحدٍ إلى الساحة التي أمام باب الماء وقالُوا لعزرا الكاتب أن يأتي بسفر شريعة مُوسى التي أمر بها الرّب إسرائيل، فأتي عزرا الكاتب بالشرّيعة أمام الجماعة من الرجال والنساء وكُل فاهم ما يسمع في اليوم الأول من الشهر السابع (1-3)..

في خشوعٍ وقف عزرا الكاتب على منبر الخشب يحوط به عن يمينه ويساره الكهنة المذكورة أسماؤهم، وكانت قراءة الكلمة تمثل الحضرة الإلهية، وهي جزءً رئيسياً في العبادة التي يشترك فيها الكهنة مع الشعب، ويقفوا خمس ساعات ينصتوا إلى شرح الأسفار المُقدسة.. 

حقاً القراءة في الأسفار الإلهية هي فردُوس، فإن الزهور ليس فيها رائحة فقط إنما أيضاً ثمار قادرة أن تنعش النفس..

كان المنبر متسعاً ليقف عليه عزرا ومعه 13 شخصاً آخرين (4-7)، وكان السفر فوق الشعب الذي وقف عند فتحه ليسمع الكُل كما من فم الرّب، وأن الجماعة كانت تلتزم بالوقوف عند فتح السفر وعند سماع التوراة، وإلى يومنا هذا يقف كُل الشعب والكهنة عند قراءة الإنجيل، مع تكريم الكتاب المُقدس بكُونه يُمثل الحضرة الإلهية..

امتزجت القراءة الجماعية بالعبادة من تسبيح آمين، والسجُود وكأن صوت الرّب يمتزج بصوت قلُوب المُؤمنين المُلتهبة..

هذا الاجتماع الكنسي هُو دعوة المُؤمنين للالتقاء معاً حول كلمة الله برُوح الفرح والتهليل، كُل عضُو يسند الآخر، ويشجعه للشركة في العبادة شبه السماوية المُتهللّة، ومع التوبة والشعُور بالخطية رفع كُل من نحميا وعزرا نفسية الشعب لتجديد رُوح الفرح بالرّب..

عمل الكنيسة أن تُقيم الساقطين، وتملأ النفُوس بالرجاء المُفرح في الرّب، للفرح وقت وللبكاء وقت (جا4:3)، مع حزننا على خطايانا وسقُوط إخوتنا، لكننا إذ نجتمع معاً ليكن الفرح الرُوحي السماوي حالاً في قلُوبنا، وسلام الله الفائق يملأ عقُولنا (في7:4؛ عب12:4)..

كلمة الله تبكت الضمير على الخطايا، لكن يليق بالتائب مع حزنه وبكائه على خطاياه إلا ينهار وييأس ويفقد رجاءه ويصيبه الإحباط، بل يفرح بغفران خطاياه، وصلاح الله الذي يغفر للخطاة..

إن كان المجتمعُون قد ناحوا على خطاياهُم، فيليق بهُم أن يفرحُوا بالرّب، ويأكلُوا من طعام العيد المُعد في مخافة الرّب، ويقدمُوا طعاماً من أنصبة الذبائح للفقراء والمحتاجين ليشتركُوا معهُم في بهجة العيد، فالفرح الصادر من الرّب هُو قوتنا، وهُو في حقيقته حضُور الرّب نفسه وسط كنيسته، وحلوله في قلب المُؤمن، فيُقيم ملكُوته فينا، إذ هُو نصيبنا وصخرتنا وفرحنا، هُو كُل شيء بالنسبة لنا، الكُل في الكُل..

يرتل داود النبيّ قائلاً: أمامك شبع سرُوري، في يمينك نعم ومباهج إلى الأبد، راجع (1أي9:16-11؛ مز11:16)..

حقاً أنها كلمات عميقة، وجميلة، وبديعة، قد كتبها لنا الرُوح القُدس ولابد لنا من صعُود هذا السُلّم الإيماني، ونحنُ نريد أن نتعرف على الله معرفة أختبارية، لأن الله خبرة وليس فكرة، فصاحب الفكرة يسُود عليها ويمتلكها، وبينما الخبرة كالمحيط يحيّا الإنسان حياته كُلها، يأخذ منها ويستفيد بها في حياته، مثلها أيضاً شخص المسيح..

 نُقابله في غربتنا على الأرض نحنُ الصغار، ويكُون لنا رفيق لأنه صالح، ونأخذ من حياته ما نستطيع لمنفعتنا لأنه مصدر الحكمة والمعرفة، والاستنارة، وكما قال الشيخ الرُوحاني: 

أن المسيح ليس هُو مجرد أعمال تُعمل ولا معلومات تُدرّس، ولا نظام يُمارس، لكن هُو شخص يُقابل، ورفيق يُصاحب، وحياة تُعاش..               
    
تذكر دائماً: أن هُناك فُوق الذبيحة، عيناً فاحصةً وعصا مرفوعةً، ويداً تبارك وتُدين، وأن قبُول الذبيحة شرط أن يظل الإنسان أميناً لمشيئة الله برُوح الطاعة، وبذلك تصبح العبادة واسطة للدخُول إلى الله..

الإكليل لا يكُون بمقدار الجهاد، ولكن بمقدار الطاعة والبساطة وبرّ الله فالصلاة بالرُوح بمثابة جناح تطير عليه الرُوح، لتعبر وتُطل على أسرار الخلود، فإن كنا نُسبح ونحمد الله، يطير عنا رُوح الحزن..

رجُل الصلاة عليه أن يترقب حضُور الله من أبواب، ونوافذ حواس النفس، والكنيسة لا تُعيد للمناسبة بل لحضور الله فيها..

إن إحساس الإنسان بضعفه وعدم استحقاقه، إذا رافقه عطاء الله وحبه ورحمته، يجعل الإنسان يخرج من أنانيته، ويقدم نفسه ذبيحة حُب..

عندما نُسبح لله، يأتي الرّب وسط الكنيسة، فيُنير ويلهب القلوب، ويدخل كُل قلب قد اشتعل واستنار، ففي الشكر نُعلن محبتنا لله، وفي التناول من الأسرار المُقدسة يُعلن الله محبته لنا، ويتفوق الله بحُبه..

هُو حُب مقابل حُب، وهتاف من عمق الرُوح كرد فعل لصنيع الله الذي تم مع الإنسان، والذي يجعل التسبيح حاراً في الكنيسة ومُلتهباً بالرُوح، هُو حضُور المسيح غير المنظُور في سرّ الأفخارستيا..

الكنيسة لا تمنع أنواعاً معينة من الأطعمة كأمُور نجسة، إنما تطلب من أولادها الصُوم عنها فترة لضبط الجسد حتى يُعطي للنفس إمكانية السيطرة على الجسد بالرُوح القُدس مُقدس الجسد والنفس معاً..   

الصُوم هُو انطلاقة أكثر منه نسكاً للجسد، لذا يُسمح للمرضى بالإفطار حاسبين المرض نُوعاً من الصُوم يتقبلُونه بشكر..