حلمي النمنم
ونحن نحتفل بذكرى العبور العظيم - السادس من أكتوبر 1973- نحتاج أن نتأمل فترة ما قبل العبور مباشرةً، لا أقصد حرب الاستنزاف تحديداً، رغم أنها تستحق المزيد من الاهتمام والدراسة، لكن حركة المجتمع المصرى فى تلك الفترة.

ذلك أن النصر الذى تحقق فى ست ساعات، بأداء عبقرى من مقاتلينا، وتخطيط معجز ومبهر من القيادة العامة للقوات المسلحة، كان نتيجة عمل وجهود شاقة وطويلة، فضلاً عن معاناة حقيقية، تحملها المصريون بصبر وشجاعة حقيقية. تجاهل كل ذلك هو ما جعل البعض يهونون من قيمة هذا النصر وكيف وصلنا إليه، حتى وصل الأمر ببعض الأفراد أن يسلبوا المصريين كل ما قدموه ويرجعوا النصر إلى عوامل أو أسباب ليس من بينها بطولة وتضحيات المصريين سواء فى ميدان المعركة أو فى الجهد خلف المقاتلين.

قبل العبور بسنوات، ومع نشوب حرب الاستنزاف، اشتدت الغارات الإسرائيلية على المناطق السكنية فى مدن القناة. كان الواضح أن إسرائيل -قبل نتنياهو- تريد خلخلة المجتمع وهز النظام السياسى وعجزه عن حماية الداخل، لذا قررت القيادة السياسية وقتها إخلاء مدن القناة من سكانها، خوفاً على حياة المدنيين وتهجيرهم مؤقتاً إلى المحافظات الأخرى، بعيداً عن دائرة النار.

فيما بعد تبين لنا أنه كان هناك عدد من كبار المسؤولين كانوا ضد هذه الخطوة، خاصة وأن الغارات يمكن أن تمتد إلى مدن أخرى فى الداخل. لم نكن قد أقمنا حائط الصواريخ الذى حمى الداخل بالفعل وحرم الطيران المعادى من اختراق مجالنا الجوي. المهم، تم التهجير بالفعل.

وهكذا فوجئ المجتمع فى القرى والمدن الصغيرة بالقادمين الجدد من مدن حديثة، ينفتح سكانها بحكم وجود قناة السويس والسفن المارة بها على ثقافات مختلفة. باختصار، كانت بعض مظاهرهم تجعلهم يتفوقون، حتى على أبناء المدن الداخلية فى مظاهر الحداثة. لم يكونوا خواجات، حتى يمكن تجاهل ما هم عليه اقتناعاً بأن هناك اختلافات عميقة معهم، هم مصريون أبناء هذا الوطن، يحملون ثقافته وعاداته الدينية والاجتماعية. لم تكن الفتيات فى الوجه البحرى، ناهيك عن القبلى، قد عرفن -بعد- ارتداء البنطلون والبلوزة أو الفساتين القصيرة ويخرجن بها إلى الشارع أو السوق، ولا شاهدت تلك المجتمعات من قبل فتاة تركب دراجتها الصغيرة وتتجول بها فى الشارع. أما أن تخرج أسرة بكل أفرادها للنزهة، الزوج والزوجة والأولاد، يتضاحكون، فكان فى حكم المستحيل، نهاية الستينيات، ناهيك عن أن تذهب فتاة مع زميلها إلى المدرسة وتعود معها، فذلك هو الهول بعينه، كان ذلك يدخل فى باب المحرمات. أما الزوجة فلا تسير إلى جوار زوجها أو حتى تتقدمه أحياناً، هنا لابد أن تسير خلفه بمسافة متر على الأقل ولا يُسمع صوتها فى الشارع، هو فقط الذى يتكلم.

لاحظ أن جهاز التليفزيون وما يبثه من مسلسلات اجتماعية وأفلام سينمائية، فضلاً عن بعض البرامج والأفلام الأجنبية، لم يكن عُرف على نطاق واسع فى تلك المدن ولا كان ظهر فى الأرياف، التى بدأ إدخال الكهرباء إليها بعد افتتاح السد العالى، وأخذت أجهزة التلفزيون تنتشر مع سنوات الانفتاح الاقتصادى والتهريب من المنطقة الحرة والسفر إلى دول الخليج. فى سنوات التهجير لم تكن ثقافة التليفزيون قد انتشرت فى المجتمع.

حتى الجامعات الإقليمية التى أحدثت حراكاً فى هذه المجتمعات، لم تكن ظهرت بعد، لم يكن لدينا سوى جامعة أسيوط فقط، وقليل جداً من الكليات فى بعض المدن الكبرى.

كان ظهور المهجرين، على هذا النحو، فى القرى والمدن الصغيرة، أقرب إلى زلزال اجتماعى، لا يدرك مداه إلا من عايشوا تلك التجربة. حتى مهن الرجال كانت مختلفة، لم يكونوا من العاملين فى مجال فلاحة الأرض، أى الزراعة وما يتعلق بها، كانوا بين موظف وصياد وحرفى، وكان عليهم أن يدبروا أمورهم كلها فى المجتمعات التى حلوا عليها، مقيمين، لا ضيوفاً.

بعض المجتمعات لم تتقبل بعض السلوكيات الفردية والأسرية للقادمين إليهم، وعبروا عن خشيتهم من أن تتأثر بناتهم وشبابهم بما يرونه منهم، وهكذا حدثت مطالبات بعودة المهجرين أو نقلهم إلى بلدات أخرى، والبعض الآخر تفاعل مع كل ذلك، ناهيك عن التعاطف التام.

لم يكن هذا كل ما جاء به المهجرون، مثلاً لم تكن بينهم ظاهرة «الحفاء» التى كانت الحكومات تجابهها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذى حدث أنه بعد ثورة يوليو، تراجعت الظاهرة، بعض الشيء، مع اتساع قاعدة التعليم واهتمام شركة باتا بإنتاج أحذية رخيصة السعر -كان نجيب محفوظ يسميها فى رواياته «الحذاء الكاوتشوك»-، لكن ظاهرة الحفاء ظلت موجودة بين الأطفال والنساء، حتى السنوات الأولى من حكم الرئيس السادات. أبناء مدن القناة، رغم ظروفهم القاسية، كانوا تجاوزوا تلك الحالة، كانوا متألقين رغم قسوة الظروف.

رواية «ثلاثية التكوين والخروج والرؤيا»، صدرت سنة 2021، كتبها د. ماجد موريس، طبيب نفسى ومفكر متميز، كاشفة لتلك التجربة، فقد تناولت، فى جزئها الأول، أسرة من بورسعيد فى الفترة من العدوان الثلاثى وحتى حرب يونيو، كيف كانت الحياة فى مدينة بين أهلها تعدد حقيقى وتسامح فعلى، عيش مشترك يستوعب الجميع، العامل القادم من الصعيد إلى جوار الأجنبى المتمصر. تركت الأسرة المدينة الباسلة واتجهوا، عبر رحلة خوف، إلى مدينة ميت غمر، بمحافظة الدقهلية. وفرت لهم لجنة الاتحاد الاشتراكى مقراً داخل إحدى المدارس الثانوية بالمدينة، مدرسة الصياد، حيث تجمعت الأسر القادمة من مدن القناة. وطبقاً للرواية لم يتقبل أهالى المدينة بعض السلوكيات واعتبروها منفتحة أكثر من اللازم. ضاق رب الأسرة بهذا الجو المتوتر، خاصة مع كثرة الأسر داخل المدرسة، أحياناً تكون هناك أكثر من أسر فى غرفة واحدة، تفصل بينهما ستارة، فذهبت الأسرة إلى قرية دقادوس. أقام رب الأسرة، وهو نجار سفن أصلاً، منزلاً صغيراً فى أرض فراغ قريبة من شط الترعة، واستقرت بها، حيث رحب بهم العمدة وساندهم ضد تعسف موظف الإدارة المحلية الذى أراد طردهم. أدرك العمدة أن الموظف يريد مقابلاً عنوة من المهاجر الذى ترك كل شيء خلفه هناك. العمدة كان من آل الشعراوى، ومنها فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى.

بعد انتصار أكتوبر عادت الأسر إلى مدنها، لكن بعضها كانوا أسسوا حياة جديدة، حيث ذهبوا فى المدن الأخرى، لذا استقروا بها وصاروا من أبنائها.

لست متأكداً من أن حالة التهجير، سنوات الاستنزاف، قد درست جيداً، على المستوى الاجتماعى والأنثروبولوجيا الثقافية، ماذا ترك المهجرون فى المجتمعات التى ذهبوا إليها وأقاموا بها سنوات، ماذا أخذت تلك المجتمعات منهم على مستوى السلوك والعادات وماذا تركت فيهم؟.

طوال القرن التاسع عشر والعشرين، كانت حركة المصريين داخل المجتمع واسعة، قبائل ومجموعات كانت ترحل فى أنحاء مصر، استقرت فى أماكن بعينها زمن محمد على، ومع حفر قناة السويس نمت مدن القناة، تحولت الفرما من قرية صغيرة إلى مدينة حديثة تعج بالسكان المصريين والأجانب، صار اسمها بورسعيد، وهكذا.

فى القرن العشرين حدثت حالات قريبة من ذلك، لكن معظمها كان تنقلاً دائماً، من الريف إلى البنادر والمدن، حيث الخدمات أكثر، فرص العمل أوسع وأيسر، والمجتمع أكثر انفتاحاً. ومع ثورة يوليو 1952، حدثت عمليات نزوح واسعة من قرى الصعيد والدلتا إلى المدن الكبرى، نشأت أحياء كاملة حول العاصمة، ضمت القادمين من الريف، شبرا الخيمة وبولاق الدكرور نموذجاً، لكن تجربة التهجير من مدن القناة، كانت مختلفةً، يمكن القول إنها كانت عكسية، من المدن إلى القرى، أو من مدن كبيرة إلى مدن إقليمية صغيرة، تجربة فريدة فى الطريق نحو انتصار أكتوبر العظيم.
نقلا عن المصري اليوم