أكرم ألفي
يرتاد المئات من كبار السن (فوق 60 عاماً) الهايبر ماركت الذي أذهب إليه يومياً، مشهد جمهور سوق التجزية الكبيرة (الهايبر ماركت) يلفت نظري ويجعلني أتساءل هل يدرك أصحاب "الهايبر" ماذا يحدث في السوق بسبب التحولات الديموجرافية المتسارعة في أحياء الطبقة الوسطى؟
يحدثني صديقي حمادة الذي يعمل في الهايبر ماركت عن أن مساعدة كبار السن أصبحت مهمة يومية لنقل البضائع إلى سياراتهم أو إجابتهم على أسئلتهم المتكررة "الجميلة" عن السلعة وسعرها .. وهنا يبدو أن العدد غير الكاف من العمال يقود إلى إرهاق صديقي حمادة الذي يعمل في مجال التجزئة كعامل منذ 20 عاماً، فالوضع لم يكن بهذا الإرهاق قبل سنوات قليلة..
في مناطق الطبقة الوسطى الميسورة مثل مصر الجديدة والزمالك والمعادي أصبح كبار السن هم الفئة الأكبر من المتسوقين في تحول ديموجرافي واضح.. فهذه المناطق جزء من مصر التي ارتفع بها نسبة كبار السن فوق 60 عاماً إلى أكثر من 10% من السكان وفي أحياء الطبقة الوسطى فإن النسبة تصل إلى 15% على الأقل.
هذا الجمهور له مميزاته فهو جمهور يستهدف استهلاك أعلى بسبب تراجع رغباته في التوفير ولكنه مصدوم من التضخم فهو بالنسبة له بالأمس القريب كانت ورقة من فئة 100 جنيه تكفي واليوم هذه الورقة لا تعني شيئاً.. صحيح أن دخل هذه الفئات في مناطق الطبقة الوسطى تضاعف ربما عشرات المرات ولكن الاحساس بقيمة الأموال تتقلص مع ارتفاع الاعمار.. فإدراك تقلص قيمة العملة يتراجع لصالح الصدمة خلال التسوق.
سلاسل المتاجر الكبرى تدرك جيداً التحولات دون أن تحولها إلى حساب ديموجرافي واضح، فأي صاحب سلسلة متاجر كبرى يعلم جيداً أن أفرعه في مصر الجديدة والزمالك والمعادي تبيع عدد أقل بكثير من حفاظات الأطفال مقارنة بالفروع في إمبابة وعين شمس.. وبحسبة بسيطة يدرك أن السلع الموجهة لكبار السن تجد رواجاً أكبر في مناطق الطبقة الوسطى.
في مصر نجد أن التحول يظهر أولاً في مناطق الطبقة الوسطى ثم ستسير وراءه بعد سنوات كافة المناطق في القاهرة ومصر، فعلى سبيل المثال فإن التوجه الرئيسي للمستهلكين يصبح شراء المنتجات الطازجة مقارنة بالسلع المعلبة أو المعبأة في صناديق وأكياس، مع تقليل مشترياتهم في الوقت ذاته من السلع المعمرة.
إن سوق سلع كبار السن عالمياً ومصرياً له سماته الواضحة التي لا تختلف كثيراً من مكان إلى أخر، مثل الميل الأقل لتجربة منتجات جديدة؛ فكبار السن أكثر تقليدية ويعرفون ما يفضلونه ويرغبون في استهلاكه، ولا يبدون اهتماماً بما هو جديد. فكبار السن يكتفون بشراء الحد الأدنى الضروري لاحتياجاته اليومية - نظراً لوصولهم إلى مرحلة عمرية لا يرغبوا فيها في استكشاف أشياء جديدة.. ولكن في نفس الوقت فإنهم يستهلكون أكثر في الكثير من المنتجات بسبب تراجع بند الإدخار بالنسبة لهم فهم لا "يحوشون" من أجل شراء شقة جديدة أو "شاليه" في الساحل.
إن ارتفاع نسبة كبار السن في مناطق الطبقة الوسطى يدفع نحو ارتفاع الطلب على "الدليفري" ففكرة الخروج لشراء التفاصيل الصغيرة تتراجع إلى تحويل الخروج للشراء إلى رحلة طويلة لشراء ما لا يمكن الثقة في شراءه عبر "الدليفري" والطلب بالتليفون.
من يدرك تحول الجمهور ديموجرافيا في هذه المناطق سيدرك أن عليه احداث تحويلات مهمة في التسويق والوصول إلى الزبون الرئيسي (فوق 60 عاماً)، فكبار السن أقل ميلاً لاستخدام الانترنت في الشراء لانهم لا يثقون كثيراً في مهارة الانترنت في ترجمة طلباتهم بشكل صحيح ويميلون أكثر للطلب عبر التليفون وبالتالي فإن خدمة الهاتف ضرورية والإنترنت ليس بديلها.
وبالتوازي، فإن المتجر الذي به عدد عمال أكثر مثل صديقي (حمادة) سيكون الطلب عليه أكثر لأنه يوفر شخص يمكن سؤاله ويوفر ماكينات دفع أكثر فالوقوف في طابور للحساب يمثل عبء لا يمكن احتماله لكبار السن..
إن سوق الهايبر ماركت في مصر يتطلب من أصحابه زيادة تشغيل العمالة الشابة لكسب الجمهور من كبار السن في مناطق الطبقة الوسطى التي تمثل مركزاً لتحقيق الأرباح.. وهكذا فإن سوق كبار السن سيفرض زيادة التشغيل وليس تخفيضه كما يدعي البعض.
وفي النهاية، ربما أجبت صديق عزيز عن علاقة الديموجرافيا بالتسويق ودراسات الجدوى والسوق والاستهلاك ولماذا تهتم كبار المؤسسات الرأسمالية في العالم بدراسة الديموجرافية ومتابعة البيانات السكانية كل يوم في كل منطقة .. إن الارباح تأتي من البشر ولو لم تدرس التركيبة السكانية للبشر وما هي رغباتهم لن تحصل على أرباح يا صديقي.





