(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
مقدّمة
مَن له أَعْيُنٌ تُبصر وآذانٌ تسمع، يلاحظ أوّل ما يلاحظ أنّ هذه الحِقبة التي نعيش فيها (أي القَرْنَيْن العشرين والحادي والعشرين) هي مرحلةٌ غريبة الأطوار على شتّى المستويات (المجتمع، السّياسة، الاقتصاد، الثّقافة، العلوم، الدّين، التّكنولوجيا، وسائل التّواصل الاجتماعيّ، إلخ...). ويعاصر إنسانُ اليوم، وسيشهد التّاريخُ على ذلك أيضًا، أنّ القَرْن الحادي والعشرين أكثر دمويّة من القَرْن العشرين بحَرْبَيْه العالميّتَيْن؛ فقد شهد الرّبعُ الأوّل فقط من القَرْن الحالي كميّة متنوّعة ومُخيفة من الموت والدّم والإصابات والتّهجيرات. وأظنّ أنّ هذا يكفي حتى نَصِف -ببالغِ الحزن والأسف- قَرْننا الحالي بـ"القَرْن الدّمويّ"، إذ قد بلغ فيه سفكُ الدّم -بلا داعي ولا مبرّر، وبعبثيّة تامّة- حَدًّا فاق بمراحلٍ كثيرة ما كان يجول بمُخيّلة بَشَرِ القَرْن العشرين.
وفي ظِلّ الأوضاع المتردّية على مستويات عدّة، وأمام مستقبلٍ مجهول مظلم، ومع الأزمات التي تلوح في الأفق، علينا أن نتساءل بواقعيّة وجدّيّة: ماذا ينتظرنا؟ وماذا ننتظر نحن؟ وهل من الممكن أن ننتظر ونترجّى واقعًا أفضل، ومجتمعًا أفضل، وبَشَرًا أفضل، وأزمنة أفضل؟ وهل من المنطق والصّواب التّكلُّم عن رجاءٍ في عالمٍ يشعر بأنّه فقد الرّجاء في كلّ رجاء؟
وفي هذا المضمار عينه، لعلّ التّساؤلات الأصعب والأهمّ، والتي تدور حولها خواطرُ هذا المقال الوجيز، هي تلك المتعلّقة بالرّجاء المسيحيّ: ما هو الرّجاء الحيّ الذي تنادي به المسيحيّة؟ وما هو مُنطَلَقه؟ وما هي أبعاده؟ وما هي أهمّيّته؟ وما هي فعاليّته؟ وما هي واقعيّته في عالمنا اليوم؟ ولمحاولة الرّدّ على جزءٍ من هذه التّساؤلات الهامّة والمعاصرة، أتناول في هذا المقال العناصر التّالية: يُوبِيل الرّجاء؛ الرّجاء كمبدإٍ إنسانيّ أصيل؛ الإسكاتولوجيا والرّجاء؛ مفهوم "الرّجاء المسيحيّ".
وبهذا المَعْنى، أُحاول تقديم لَمْحَة سريعة عن قضيّة الرّجاء المسيحيّ (وجوديًّا وفلسفيَّا وكِتابيًّا)، وعن كوننا "حُجّاجَ رجاءٍ" أو "حُجّاجَ الرَّجَاءِ"؛ وأَعرضُ أيضًا بضعةَ مفاهيم موجودة في بعض الوثائق الكَنسيّة الكاثوليكيّة الحديثة، على غرار المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، و"مختصر كِتاب التّعليم المسيحيّ للكَنيسة الكاثوليكيّة"، والبابا يوحنّا بولس الثّاني، والبابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر، والبابا فرنسيس.
أوّلًا: يُوبِيلُ الرّجاء (عام 2025م)
كما يعرف جميعُنا، قد أعلن المنتقل البابا فرنسيس عام 2025م يُوبِيلًا عاديًّا، الذي يحلّ كلّ خمس وعشرين سنة بإعلانٍ من بابا الكنيسة الكاثوليكيّة، طِبْقًا للتّقليد القديم؛ وكذلك أيضًا لمرور 1700 عامًا على انعقاد مجمع "نيقيا" المسكونيّ، الذي رفض التّعاليم الأريوسيّة (نسبة للكاهن السّكندريّ "آريوس")؛ وقد أكّد هذا المجمعُ على أُلوهيّة السّيّد المسيح الكاملة والتّامّة . وأعلن البابا، في مرسوم الدّعوة إلى اليُوبِيل العاديّ بعنوان "الرَّجاء لا يُخَيِّب" ، أنّه في يوم الـ24 من ديسمبر/كانون الأوّل لعام 2024م يُفتَتَح رسميًّا الباب المقدّس لبازيليكا القدّيس بطرس بالفاتيكان، ومعه سنة اليُوبِيل المقدّسة، والتي انتهتْ بدورها في يوم الأحد الـ28 من ديسمبر/كانون الأوّل لعام 2025م. واختُتمت احتفالاتُ اليُوبِيل العاديّ بإغلاق الباب المقدّس لبازيليكا القدّيس بطرس في الـ6 من يناير/كانون الثّاني لعام 2026م، في عيد ظهور الرّبّ يسوع (راجع: "الرَّجاءُ لا يُخَيِّبُ"، بند 6).
في مرسوم الدّعوة إلى اليُوبِيل العاديّ، ذكّر البابا فرنسيس بما يلي في ما يتعلّق بيُوبِيل عام 2025م، وارتباطه باليُوبِيلات السّابقة واللّاحقة: «السّنة المقدّسة 2025 هي استمراريّة لأحداث النّعمة السّابقة. في اليوبيل العادي الأخير، مررنا عتبة الذّكرى السّنويّة الألفيّة لميلاد يسوع المسيح. بعد ذلك، في 13 أذار/مارس 2015، أعلنتُ يوبيلًا استثنائيًّا بهدف إظهار "وجه رحمة" الله الّذي يسمح لنا بلقائه، وهو إعلان رئيسيّ للإنجيل لكلّ شخص وفي كلّ عصر. لقد حان الآن وقت يوبيل جديد، فيه نفتح الباب المقدّس من جديد على مصراعَيه لنقدّم خبرة محبّة الله الحيّة، الّتي تفيض في القلب الرّجاء الأكيد بالخلاص في المسيح. وفي الوقت نفسه، ستوجِّه هذه السّنة المقدّسة المسيرة نحو ذكرى أساسيّة أخرى لجميع المسيحيّين: في سنة 2033، سيتمّ الاحتفال بألفي سنة بعد سنة الفداء الّذي تمّ بآلام وموت وقيامة الرّبّ يسوع. وهكذا، فإنّنا أمام مسار يتميّز بمراحل كبيرة، حيث نعمة الله تتقدّم الشّعب وترافقه وهو يسير بغَيرة في الإيمان، وباجتهاد في المحبّة، وبثبات في الرّجاء (راجع 1 تسالونيقي1، 3).
استنادًا على هذا التّقليد العريق، وباليقين بأنّ سنة اليوبيل هذه يمكن أن تكون خبرة مكثّفة للنّعمة والرّجاء للكنيسة جمعاء، أحدِّد بأنّ الباب المقدّس لبازيليكا القدّيس بطرس في الفاتيكان سيتمّ فتحه في 24 كانون الأوّل/ديسمبر 2024، وبذلك يبدأ اليوبيل العادي. وفي يوم الأحد التّالي، 29 كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، سأفتح الباب المقدّس لكاتدرائيَّتي، كاتدرائيّة القدّيس يوحنّا في اللاتران، الّتي نحتفل في 9 تشرين الثّاني/نوفمبر من هذه السّنة بالذّكرى الـ 1700 لتكريسها. لاحقًا، في 1 كانون الثّاني/يناير 2025، في عيد القدّيسة مريم البتول والدة الله، سيتمّ فتح الباب المقدّس لبازيليكا كنيسة القدّيسة مريم الكبرى البابويّة. أخيرًا، في يوم الأحد 5 كانون الثّاني/يناير، سيتمّ فتح الباب المقدّس لبازيليكا القدّيس بولس البابويّة خارج الأسوار. سيتمّ إغلاق هذه الأبواب المقدّسة الثّلاثة الأخيرة بحلول يوم الأحد 28 كانون الأوّل/ديسمبر من السّنة نفسها» ("الرَّجاءُ لا يُخَيِّبُ"، بند 6).
[من مقالةٍ نُشِرت في مجلّة "النّسُور"، وهي مجلّة غير دوريّة تصدر عن الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة، العدد رقم (14)، شتاء 2025، ص 169-179].
[يُتبَع]





