محرر الأقباط متحدون
افتُتحت أعمال اليوم الثاني من اللقاء المخصّص للإرشاد الرسولي "فرح الحب"، بكلمة ألقاها الكاردينال ماريو غريتش، الأمين العام لسينودس الأساقفة، دعا فيها إلى استقبال خبرات العائلات بامتنان، بوصفها "أمثلة حقيقية للرجاء"، حتى في خضمّ الصعوبات. وأكّد أنّ الإنجيل "هو الصوت المؤسِّس الذي ينبغي أن يستلهم منه كل عمل رعوي مسيحي أصيل". من جهته، شدّد الكاردينال كيفن فاريل على ضرورة تحديد التحديات ودراسة الموارد في الكنائس المحلية من أجل الاقتراب من العائلات.
"يمكن فهم لقائنا كتمرين على الإصغاء بانتباه إلى تلك الأصداء التي لا تزال تتردّد في حياة الكنيسة وفي قلب العائلات"، وكذلك كـ "استجابة للأصداء الكثيرة التي تصل إلينا، نحن الرعاة، من مختلف مجالات الحياة الكنسية والإنسانية". بهذه الكلمات، افتتح الكاردينال ماريو غريتش صباح أمس الخميس، أعمال اليوم الثاني من اللقاء المخصّص للإرشاد الرسولي "فرح الحب"، بمناسبة مرور عشر سنوات على صدوره. وشارك في المداخلات حول موضوع "العائلات اليوم: الواقع والجمال والتحديات"، الكاردينال فيليبي نيري فيرّاو، رئيس أساقفة غوا وداماو في الهند، والبروفيسور فينتشنزو روزيتو، نائب عميد المعهد الحبري اللاهوتي يوحنا بولس الثاني. ويجمع اللقاء، الذي انطلق يوم الأربعاء ويستمر حتى ١٤ تشرين الأول أكتوبر في الفاتيكان، رؤساء الكنائس الشرقية، ورؤساء مجالس الأساقفة، وأزواجًا وزوجات، إلى جانب عدد من الخبراء.
وفي مستهلّ كلمته، ذكّر الكاردينال غريتش بأنّ "الرب أوكل إلينا رسالة: إعلان البشرى السارة والشهادة لفرح الإنجيل في كل زمان وفي كل ظرف". وأوضح أنّ الإنجيل "ليس مجرّد صوت بين أصوات كثيرة، بل هو الصوت المؤسِّس الذي ينبغي أن يستلهم منه كل عمل رعوي مسيحي أصيل". وأضاف: "إنّ كل مبادرة رعوية، وكل تمييز، وكل اقتراح نقدّمه، يجد في نهاية المطاف أصله ومعياره في رسالة المسيح الخلاصية". وأشار الكاردينال غريتش إلى أنّ الصدى الثاني الذي ينبغي الإصغاء إليه بانتباه هو "صدى تعليم الكنيسة، وبصورة خاصة الإرشاد الرسولي فرح الحب"، وهو وثيقة "لا تزال تثير في مختلف أنحاء العالم التأملات والتعمّق والمبادرات الرعوية". وذكّر بأنّه "بعد عشر سنوات على صدور هذه الوثيقة، نحن مدعوون إلى الإصغاء إلى الطريقة التي تردّد بها هذا التعليم السينودسي في الكنائس المحلية: المسارات التي سلكتها، والثمار التي أينعت، والصعوبات التي واجهتها، والمسائل التي لا تزال مفتوحة". وأشار إلى أنّ قبول الوثيقة عرف أيضًا توترات وتفسيرات مختلفة، لافتًا إلى أنّ "كل ذلك يشكّل جزءًا من التاريخ الذي نجتمع اليوم لاستعراضه معًا، متسائلين عمّا تعلّمناه في محاولتنا ترجمة فرح الحب إلى ممارسة رعوية".
وأوضح الكاردينال غريتش أنّ "حقيقة الإنجيل الواحدة نفسها ألهمت، في كل كنيسة خاصة، استجابات رعوية مختلفة، صاغتها السياقات الثقافية المتنوعة، والتقاليد الكنسية، والفرص والتحديات". وأضاف أنّ الرسالة، وإن بقيت واحدة وثابتة، فإنّ طريقة قبولها وتطبيقها تكشف غنى الروح القدس وإبداعه العاملَين في حياة الكنيسة. ومن هنا، فإنّ الإصغاء إلى هذه الخبرات المتنوعة يتيح "تمييز مسارات قادرة على إغناء رسالتنا المشتركة". أمّا الصدى الثالث الذي دعا الأمين العام لسينودس الأساقفة إلى الإصغاء إليه باهتمام خاص، فهو "أصوات العائلات نفسها"، التي تصل إلينا من خلال الخبرات الملموسة للأزواج والزوجات، والآباء والأبناء، والثنائيات الشابة التي تستعد للزواج، والمسنّين الذين يعيشون دعوتهم بأمانة، وعائلات لا تُحصى تسعى إلى تجسيد الإنجيل في حياتها اليومية. ومن بين هذه العائلات كثيرون يشكّلون "أمثلة حقيقية للرجاء"، من خلال التزامهم اليومي بالمحبة والغفران والعناية بعضهم ببعض والبدء من جديد، وغالبًا ما يفعلون ذلك وسط صعوبات كبيرة. وأكّد الكاردينال غريتش أنّ شهادتهم تستحق أن تُقبل بامتنان، لأنّ العائلات "هي فاعلة في رسالة الكنيسة، ولدينا الكثير لنتلقّاه منها ونتعلّمه". وأضاف أنّ خبرتها تساعدنا على فهم أعمق لكيفية تجسّد الإنجيل في الحياة اليومية، وكيف أنّنا مدعوون إلى إعلانه اليوم.
ولفت الكاردينال غريتش إلى أنّ "الأمانة والهشاشة تتشابكان غالبًا داخل التاريخ العائلي الواحد"، إذ إنّ العائلات الملتزمة بعمق بعيش دعوتها قد تمرّ بلحظات من عدم اليقين، وتوترات في العلاقات، وآلام، وظروف تحتاج فيها إلى الدعم. كما تواجه عائلات كثيرة وطأة عدم الاستقرار الاقتصادي، والضغوط الثقافية والأيديولوجية، والتفكّك الاجتماعي، وعدم الاستقرار السياسي، فيما تعاني عائلات أخرى العواقب المدمّرة للحروب والنزاعات المسلّحة، التي تفرّق الأحبّاء وتجبر كثيرين على مغادرة منازلهم، بينما تحمل بعض العائلات أعباءً تبدو أثقل من أن تُحتمل. ودعا الكاردينال غريتش إلى "الإصغاء أيضًا إلى الصعوبات التي تواجهها العائلات في علاقتها بجماعاتنا المسيحية، والتساؤل عن كيفية تمكّن عملنا الرعوي من مساندتها بصورة أفضل". وأكّد أنّه حتى في الظروف التي تطبعها الشكوك والجراح، تبقى في قلب الإنسان رغبة عميقة في أن يحبّ وأن يكون محبوبًا، وأن ينتمي إلى أحد، وأن يبني علاقات ثابتة ومستقبلًا يطبعه الرجاء. وشدّد على أنّ الاهتمام بهذه الرغبة يساعدنا على إدراك كيف أنّ نعمة الله تعمل حقًّا في حياة العائلات، وكيف يمكن للإنجيل أن يخاطب تطلّعاتها الأكثر عمقًا. وأضاف أنّ مهمتنا خلال هذا اللقاء هي الإصغاء، ومن خلال الإصغاء، التعلّم من الخبرة وتقييم المسارات التي سلكناها.
وتتمثّل الدعوة، بحسب الكاردينال غريتش، في الإصغاء إلى "صدى الإنجيل الذي يدعو الكنيسة باستمرار إلى العودة إلى المسيح"، وإلى "صدى تعليم الكنيسة الذي يساعدنا على تفسير علامات الأزمنة في ضوء الإيمان"، وكذلك إلى "صوت العائلات، التي لا تزال أفراحها وآمالها وأحزانها ومخاوفها تطرح علينا تساؤلات وتلهم خدمتنا الرعوية". وأضاف أنّ هذه الأصداء ستصل إلينا خلال الأيام المقبلة من خلال روايات العائلات وشهاداتها عن حياتها، وتأملات المشاركين، وخبرات الرعاة الذين سيعرضون ما تعيشه كنائسهم. ودعا إلى السماح لهذه الكلمات بأن تبلغنا وتتردّد في داخلنا، مع الانتباه إلى ما يثيره الروح القدس من خلالها، وما ينيره أو يدعونا إلى إعادة النظر فيه، وإلى حمل هذه الأصداء إلى حواراتنا.
وختم الكاردينال غريتش معربًا عن أمله في أن يسهم هذا الإصغاء المشترك في تعميق الشركة وتجديد الالتزام بمرافقة العائلات "بحقيقة الإنجيل، وبروح من الرحمة والحكمة والرجاء". كما أعرب عن أمله في أن يساعد اللقاء على فهم الاختلافات بصورة أوضح، وتحديد المسائل التي تحتاج إلى مزيد من التمييز، وأن يجعل المشاركين أكثر استعدادًا لتحقيق الرسالة التي أوكلها إليهم الرب، وإعلان فرح الإنجيل مع العائلات.
وفي معرض تقديم موضوع اليوم الثاني، ذكّر الكاردينال كيفن فاريل، عميد دائرة العلمانيين والعائلة والحياة، بكلمات البابا لاوُن الرابع عشر الواردة في رسالته بمناسبة الذكرى العاشرة للإرشاد الرسولي ما بعد السينودس "فرح الحب"، الصادرة في ١٩ آذار مارس ٢٠٢٦. وجاء فيها: "إنّ زمننا، كما يكتب البابا لاوُن الرابع عشر، تطبعه تحوّلات سريعة تجعل الاهتمام الرعوي الخاص بالعائلات أكثر ضرورة من أي وقت مضى، حتى مقارنة بما كان عليه الوضع لعشر سنوات خلت. فإلى العائلات يعهد الرب مهمة المشاركة في رسالة الكنيسة لإعلان الإنجيل والشهادة له". وأوضح الكاردينال فاريل أنّ "الهدف من هذا اليوم الأول هو التأمل معًا، في ضوء الإنجيل، في السياق الثقافي والاقتصادي والاجتماعي الذي تتمّ فيه الرعاية الرعوية للعائلات"، مع إيلاء اهتمام خاص لتداعيات هذا السياق الروحية على حياة الأشخاص، والنظر في أبرز التغيّرات التي شهدتها السنوات العشر الأخيرة، وما يدفعنا أكثر من سواه إلى إعادة التفكير في طريقة عملنا.
وتتمثّل الدعوة في تبادل أمثلة ملموسة تساعد على فهم الواقع الذي تعيش فيه العائلات بصورة أفضل، مع دراسة الاختلافات بين مناطق العالم المختلفة، وتحديد ما يجمع بينها في الوقت نفسه. وفي خضمّ التحوّلات التي نشهدها، سنتساءل: "أين يمكننا أن نجد نقاط ارتكاز وعلامات رجاء، لكي نعيش اليوم الزواج والحياة العائلية بوصفنا تلاميذ للمسيح المصلوب والقائم من بين الأموات؟". وسيعمل المشاركون على تحديد أبرز العقبات والتحديات، ودراسة الموارد في الكنائس المحلية بأمانة وموضوعية، من أجل الاقتراب من العائلات وفهم تفاصيل حياتها اليومية.




