محرر الاقباط متحدون

الفاتيكان - دعت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يانا شبوليارِتش، إلى تكثيف الجهود الدولية من أجل إحلال السلام، والعودة إلى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني في مناطق النزاعات، محذّرة من تصاعد الخطاب الذي ينزع عن الإنسان صفته الإنسانية، ومن المخاطر المتزايدة لاستخدام الأسلحة ذاتية التشغيل والأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الحروب.

في حديث إلى موقع "فاتيكان نيوز" الإلكتروني، في أعقاب لقائها مع البابا لاون الرابع عشر في الفاتيكان، شددت شبوليارِتش على أهمية الدور الذي يضطلع به الكرسي الرسولي في دعم الحوار وتعزيز ثقافة السلام، مؤكدة أن الدعوة المشتركة إلى إنهاء الحروب وحماية المدنيين تمنح هذه الجهود قوة أكبر وتأثيرًا أوسع. وأوضحت أن اللقاء الذي جمعها بالبابا في التاسع من تشرين الأول أكتوبر الجاري يحمل أهمية كبيرة، ليس بالنسبة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر فحسب، بل أيضًا بالنسبة إلى الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، في ظل الحاجة الملحّة إلى تعزيز حماية المدنيين، ولا سيما الأبرياء الذين يجدون أنفسهم في قلب النزاعات المسلحة.

في إطار الجهود الرامية إلى إعادة الاعتبار للقانون الدولي الإنساني، كشفت شبوليارِتش عن التحضيرات لعقد مؤتمر دولي في الأردن، في السابع من كانون الأول ديسمبر المقبل، برعاية العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. كما أعربت عن أملها في أن يجمع المؤتمر قادة الدول لتجديد التزامهم بالمبادئ والقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، التي تهدف إلى صون كرامة الإنسان وحماية المدنيين في مختلف الظروف.

هذا وأشارت إلى أن مائة واثنتين وعشرين دولة أبدت حتى الآن رغبتها في المشاركة، مع استمرار انضمام دول جديدة، معتبرة أن هذا الإقبال يمنحها الأمل بإمكانية تحقيق تقدم ملموس في هذا المجال. وتأتي هذه المبادرة في وقت ترصد فيه اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر من مائة وثلاثين نزاعًا حول العالم، وهو عدد غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، ويعادل نحو ضعف ما كان عليه قبل خمسة عشر عامًا. ولفتت شبوليارِتش إلى أن النزاعات باتت متشابكة بصورة متزايدة، ما يجعل فهمها ومعالجة تداعياتها أكثر تعقيدًا.

وحذّرت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تراجع احترام قواعد القانون الدولي أثناء الحروب، رغم أن جميع دول العالم صادقت على اتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩، التي وُضعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية بهدف الحد من معاناة ضحايا النزاعات المسلحة. وأكدت أن الالتزامات القانونية القائمة لم تعد تُترجم بالقدر الكافي إلى حماية فعلية للمدنيين والأشخاص الذين لا يشاركون في القتال. كما أعربت عن قلقها من تنامي الخطاب الذي يجرد الخصوم من إنسانيتهم، مشيرة إلى أن السعي إلى تحقيق النصر العسكري بات يُستخدم، في بعض الحالات، لتبرير خطاب لا يضع حدودًا لما يمكن قوله أو فعله. وحذّرت من أن التجارب التاريخية تُظهر أن هذا النوع من الخطاب قد يمهّد الطريق أمام ارتكاب جرائم خطيرة وأعمال وحشية.

في سياق متصل، نبهت شبوليارِتش إلى المخاطر المرتبطة بتوظيف الذكاء الاصطناعي وتطوير أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل في ساحات القتال، مشددة على ضرورة وضع ضوابط قانونية واضحة تحد من استخدامها. وأوضحت أن انخفاض تكلفة بعض التقنيات، ولا سيما الطائرات المسيّرة، إلى جانب غياب تنظيم كافٍ لاستخدام الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى انتشار أسلحة يصعب التحكم فيها، ولا تستطيع التمييز بدقة بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

هذا ولفتت إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة، تدعو إلى وضع إطار قانوني يحظر استخدام أنواع معينة من الأسلحة، وفي مقدمتها الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل. وأعربت عن أملها في أن تستثمر الدول اجتماع المراجعة لاتفاقية حظر أو تقييد استخدام أسلحة تقليدية معينة، المقرر عقده في جنيف منتصف تشرين الثاني نوفمبر المقبل، للتوصل إلى خطوات عملية تحد من هذه المخاطر.

وأكدت شبوليارِتش أن العمل الإنساني يشكل مدخلًا أساسيًا لبناء السلام، موضحة أن الخطوات الأولى نحو إنهاء النزاعات قد تبدأ بتأمين عودة المدنيين إلى مناطقهم، وفتح ممرات آمنة، وإيصال المساعدات الإنسانية، أو تنفيذ عمليات واسعة لتبادل أسرى الحرب. وأضافت أن مثل هذه المبادرات تساعد على بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، وتهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار. وشددت على أن اتفاقيات جنيف توفر الإطار القانوني الذي تستند إليه هذه الجهود، مؤكدة ضرورة العودة إلى احترام القواعد الدولية ومنحها الأولوية في التعامل مع النزاعات المسلحة.

هذا ثم أعربت عن رفضها التمييز بين الحروب من حيث حجم معاناة المدنيين، مؤكدة أن النزاعات الراهنة تشترك في خطورتها، في ظل استخدام تقنيات عسكرية متطورة وتراجع القيود التي يفترض أن تحمي الأطفال والنساء والأسرى وسائر المدنيين. في ختام حديثها لموقعنا، شددت شبوليارِتش على أهمية مواصلة الدعوة إلى السلام والحوار، مثمنة مواقف البابا الداعية إلى حماية الحياة وصون كرامة كل إنسان.