(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
1. لمحةٌ عن حياتها
لقد وُلِدت إديت شتاين (1891-1942) في عائلةٍ يهوديّة، في الـ12 من أكتوبر/تشرين الأوّل لعام 1891. وفي سنّ الرشد، وبعد قراءتها للسيرة الذاتيّة للقدّيسة الإسبانيّة تريزا الأفيليّة، اهتدتْ إلى المسيح، واعتنقت المسيحيّة في عام 1921. واقتبلتْ سرَّ المعموديّة في يناير/كانون الثاني لعام 1922. وفي الـ14 من أكتوبر/تشرين الأوّل لعام 1933، دخلتْ دير الكرمليّات في مدينة كولونيا الألمانيّة، وصارتْ راهبةً كرمليّة. وقد اختمتْ حياتها الأرضيّة بالاستشهاد؛ إذ إنّها اُستشهدتْ في غرف غاز معتقل "آوشفيتز" النازيّ، مع أختها روزا وآخرين، في الـ9 من أغسطس/آب لعام 1942، عن عمرٍ ناهز 51 عامًا.
وبعد أن أعلن تطويبها في مدينة كولونيا، في الأوّل من مايو/أيّار لعام 1987، أعلنها البابا يوحنّا بولس الثاني "قدّيسةً" في الـ11 من أكتوبر/تشرين الأوّل لعام 1998.
2. شهيدةٌ وقدّيسة وفيلسوفة وعالِمة لاهوت
لقد وَصفَ البابا فرنسيس القدّيسةَ تريزا بنديكتا للصليب على النحو التالي: «شهيدةٌ، امرأةٌ صادقة، امرأةٌ تبحث عن الله بأمانة ومحبّة، امرأةٌ شهيدة مرتبطة بشعبها اليهوديّ والمسيحيّ». ومن جهته، أكّد البابا لاوُن الرابع عشر على كونها فيلسوفةً قد تعمّقتْ في سرِّ الإنسان وديناميّة البحث الإنسانيّ الدؤوب، فقال: «الفيلسوفةُ الكبيرة في القرن العشرين، القدّيسة تريزا بنديكتا للصّليب (Santa Teresa Benedetta della Croce)، إدِت شتاين (اسمها قبل الرّهبنة)، التي تعمّقت كثيرًا في سرِّ الإنسان، تذكِّرنا بديناميّة البحث المستمرّ عن الكمال. تقول: "الإنسانُ يَتَوقُ دائمًا إلى عطيّة الوجود من جديد، لكي يستفيد مِمَّا تمنحه إيّاه اللحظة، وفي نفس الوقت تَسلبه منه" (الوجود المحدود والوجود الأزليّ: سموّ إلى معنى الوجود، روما 1988، 387).
بإيجازٍ، إديت شتاين أو تريزا بنديكتا للصليب هي نموذجٌ مسيحيّ بامتيازٍ في الصلاة بلا انقطاعٍ، وخدمة الآخرين، والمثابرة في الإيمان حتّى الاستشهاد. وهي فيلسوفةٌ معروفة؛ فقد كانت تلميذةً للفيلسوف الكبير إدموند هوسرل (1859-1938)، وكتبتْ عدّة أبحاث في "الفينومينولوجيا" (الظاهراتيّة). وكذلك، هي عالِمةُ لاهوت مستنيرة وعميقة أيضًا. لقد كتبتْ عن حقوق المرأة في المجتمع والكنيسة؛ ومترجمٌ لها كتابٌ إلى اللغة العربيّة بعنوان "المرأة". ومن ضِمْن مؤلَّفاتها أيضًا: كتاب "الوجود-الكائن المحدود والوجود-الكائن الأزليّ"، وأخير كُتبها وأهمّها "عِلم الصليب". وفي منشوراتٍ أخرى لاحقة، سأعود إلى قراءةٍ تأمليّة في مؤلَّفاتها.





