الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
عزيزي الدكتور طه،
كنتُ أودّ أن ألتقيك في مكتبتك، وسط الكتب التي قضيتَ عمرك تقرؤها بعيون الآخرين، ثمّ رأيتَ فيها ما لم يره كثيرٌ من أصحاب العيون! بل لعلّي كنتُ أودّ أن ألتقيك في دير الدومنيكان في القاهرة ضمن واحدةٍ من زياراتك العديدة له!

كنتُ سأجلس أمامك وأسألك مباشرةً:
— يا دكتور طه، كيف استطعتَ أن تفقد بصرك وأنت طفلٌ صغير، ثمّ تقضي حياتك في تعليم شعبٍ بأسره كيف تُبصر؟

وأتخيّلك تبتسم وتقول بصوتك الذي لا يفارق أذنيّ:
— يا مولانا، وهل تظنّ أنّ مَن يملك عينين يُبصر بالضرورة؟
وهنا كنتُ سأعرف أنّ الحديث معك لن يكون سهلًا. فأنا أعرف أناسًا كثيرين يتمتّعون ببصرٍ ممتاز، يستطيعون قراءة أصغر الحروف على شاشة الهاتف، لكنّهم يعجزون عن رؤية الحقيقة إذا وقفتْ أمامهم في وضح النهار!
والمصيبة أنّ بعضهم لا يكتفي بإغماض عينيه، بل يريد أن يمنع الآخرين من فتح أعينهم!
...

أحببتُك يا دكتور طه قبل أن أعرف الكثير عن حياتك. أحببتُك أوّلًا من خلال «الأيّام»، ثمّ «دعاء الكروان»، ولاحقًا «مستقبل الثقافة في مصر».
وفي كلّ كتابٍ كنتُ أكتشف جانبًا آخر منك. في «الأيّام» عرفتُ ذلك الطفل الصعيديّ الذي فقد بصره، ولم يفقد فضوله. وفي «دعاء الكروان» وجدتُك تدخل عالمًا نعرفه جيّدًا في الصعيد، حيث تتحوّل سمعة الأسرة إلى محكمة، وتدفع المرأةغالبًا ثمن أخطاء المجتمع كلّه. أمّا «مستقبل الثقافة في مصر»، فقد جعلني أتساءل: كيف استطاع رجلٌ أن يكتب عن التعليم والثقافة بهذه الجرأة سنة ١٩٣٨، ثمّ نأتي نحن بعد نحو تسعين عامًا لنتناقش في كثيرٍ من الأسئلة نفسها؟
وأنا أيضًا ابن الصعيد، ولهذا وجدتُ في «الأيّام» شيئًا من عالم طفولتي: الأسقف والكاهن والشيخ، وهيبة الكبار، وحفظ الكلام قبل فهمه، والخوف من السؤال الذي قد يُعَدّ قلّة أدب.

لكنّك كنتَ طفلًا قليل الأدب بهذا المعنى الجميل للكلمة!
لم تكن مستعدًّا لأن تقبل كلّ ما يُقال لك لمجرّد أنّ القائل شيخٌ كبير، أو أستاذٌ محترم، أو رجلٌ يملك لحيةً أطول من حجّته.
ثمّ ذهبتَ إلى الأزهر، وبعده إلى الجامعة، ثمّ إلى فرنسا. وعدتَ بأسئلةٍ جديدةٍ عن الأدب والتاريخ والدين والتعليم... يا رجل، ألم يكن أسهل لك أن تحفظ ما يقوله الأساتذة، ثمّ تعيده على الطلبة، وتعيش حياةً هادئةً محترمة، وتُعلّق صورتك على جدار الجامعة؟... لكن يبدو أنّك كنتَ مصمّمًا على إفساد هذه الطمأنينة!
...

ثمّ حدث شيءٌ طريفٌ في علاقتي بك.
حين بدأتُ أتعرّف إلى الرهبنة الدومنيكانيّة، ثمّ إلى معهد الدومنيكان للدراسات الشرقيّة في القاهرة، فوجئتُ بأنّك لم تكن مجرّد كاتبٍ نقرأه ونناقش أفكاره. لقد كنتَ تعرف إخوتنا الدومنيكان، وتزور ديرهم، وكانت تجمعك ببعضهم صداقاتٌ حقيقيّة!

يا دكتور طه، هل كان ينبغي أن أكتشف أنّك سبقتني إلى الدير أيضًا؟
لقد عرفتَ الأب جورج شحاتة قنواتي، ذلك المصريّ الدومنيكانيّ الذي كرّس حياته لدراسة الفلسفة الإسلاميّة وتاريخ العلوم والحوار بين المسيحيّين والمسلمين. ويذكر أخونا جان جاك بيرينيس الفرنسيّ في كتابه عن قنواتي أنّ لقاءه بك، وبلويس ماسينيون، كان من العوامل التي ساعدته على تطوير نظرته إلى الإسلام.

وهنا اكتشفتُ مفاجأةً أخرى: عندما قرأ قنواتي كتابك «مستقبل الثقافة في مصر»، كتب في يوميّاته سنة ١٩٤١ أنّ مصر تقف عند ملتقى حضارتين، وأنّ هذا الموقع يتيح المصالحة بين الثقافة المسيحيّة والثقافة الإسلاميّة.

تخيّل يا دكتور! الكتاب الذي جعلني أفكّر في مستقبل مصر كان قد جعل راهبًا دومنيكانيًّا يفكّر، قبل مولدي بعقود، في مستقبل اللقاء بين المسيحيّة والإسلام!
ثمّ قرأتُ ما كتبتّه زوجتك سوزان عن بيتكما. كان بيتًا عجيبًا بالفعل! أدباء، وفلاسفة، وأساتذة جامعات، ورجال دين، ومسلمون ومسيحيّون، بل ومفكّرون ملحدون أيضًا. وكانت تحكي عن شيوخٍ يتحاورون بودٍّ مع أصدقائكما الدومنيكان، وعن لويس ماسينيون الذي كان يحرص على زيارتكما كلّما مرّ بالقاهرة.
وأنا أتخيّل هذه اللقاءات وأبتسم. شيخٌ أزهريّ، وراهبٌ دومنيكانيّ، ومستشرقٌ فرنسيّ، وطه حسين، يجلسون في غرفةٍ واحدةٍ ويتناقشون!

أخشى لو حدث هذا اليوم أن يخرج أحدهم بهاتفه، ويصوّر مقطعًا قصيرًا، ويكتب: «فضيحة! اجتماعٌ سرّيّ لتغيير هويّة مصر!»

والأطرف أنّ العلاقة لم تقتصر على زيارات الدومنيكان لبيتك. فقد كنتَ تزور ديرهم في العبّاسيّة أيضًا. ويذكر الأب جان جاك بيرينيس الدومنيكانيّ أنّ الدومنيكان كانوا يصطحبون ضيوفهم البارزين إلى بيتك، لأنّك أصبحتَ مع مرور السنوات صديقًا لهم. لكنّ التفصيل الذي أثّر فيّ أكثر من غيره هو أنّك كنتَ تأتي إلى الدير كلّ سنةٍ وتطلب إقامة قدّاسٍ من أجل راحة نفوس أقارب زوجتك سوزان الراحلين، ثمّ تحضر القدّاس بنفسك.

توقّفتُ طويلًا عند هذه الحكاية... أنت المسلم الذي حفظ القرآن في طفولته، ثمّ صار من أبرز المثقّفين العرب، تدخل ديرًا كاثوليكيًّا، وتطلب من رهبانه أن يصلّوا من أجل موتى عائلة زوجتك المسيحيّة، وتشاركهم الحضور.

يا دكتور طه، أخشى أنّك لو فعلتَ ذلك اليوم، لوجدنا أنفسنا مضطرّين إلى تنظيم ثلاث ندواتٍ للدفاع عنك، وإصدار بيانٍ توضيحيّ، وربّما الاستعانة بمحامٍ أيضًا!

ولكن ما أجمل هذه البساطة التي عشتَ بها علاقتك بالآخرين.
...

وأظنّ أنّ سوزان كانت مفتاحًا مهمًّا لفهم هذا الجانب من حياتك. لقد أحببتَ امرأةً فرنسيّةً كاثوليكيّة، وعشتما معًا نحو ستّين عامًا. ولم تكن وحدتكما الإنسانيّة قائمةً على إلغاء الاختلاف الدينيّ بينكما.

تروي سوزان في مذكّراتها أنّها كانت تصلّي المسبحة الورديّة، فيما كنتَ تستمع إلى القرآن في الغرفة المجاورة. وكانت أحيانًا تشغّل الراديو لتسمع القرآن وهي تبدأ صلاتها. وتحكي أنّك كنتَ تتحدّث معها عن القرآن، وتترجم لها الآيات التي تحبّها، وأنّك كنتَ تقرأ الكتاب المقدّس، وكانت هي تحدّثك عن المسيح. بل تذكر أنّكما، حين زرتما القدس، صلّى كلٌّ منكما وفق إيمانه: أحدكما في المسجد، والآخر في بستان الجسمانيّة.

أتعرف يا دكتور ما الذي يعجبني في هذا كلّه؟ أنّكما عشتما في بيتٍ واحدٍ ما نحتاج نحن إلى مجلّداتٍ ومؤتمراتٍ لكي نشرحه!

وأنا، بوصفي راهبصا دومنيكانيًّا يهمّه الحوار الإسلاميّ المسيحيّ، أجد في حياتكما شيئًا ينبغي أن نتعلّم منه. فالحوار يبدأ حين نصغي إلى الآخر، ونحترم ضميره، ونقبل أن نتعلّم منه، من غير أن نطلب منه أن يصبح نسخةً منّا.

وأتخيّلك تسألني:
— حسنًا يا مولانا، وماذا تعلّمتَ أنت من المسلمين؟
وسأجيبك:
— أشياء كثيرة يا دكتور، وما زلتُ أتعلّم. لكنّني تعلّمتُ منك أيضًا أنّ محبّة التراث لا تعني أن نُعفيه من النقد.
...

وهنا دعني أصل إلى كتابك «في الشعر الجاهليّ».
يا دكتور طه، نحن في سنة ٢٠٢٦، أي بعد مائة عامٍ من صدور الكتاب. وأخشى أن أخبرك أنّ بعض الناس ما زالوا غاضبين منك! مائة عامٍ كاملة! ألا ترى أنّ هذا إنجازٌ أدبيٌّ نادر؟ أن تنجح في إزعاج أناسٍ لم يكونوا قد وُلدوا حين كتبتَ كتابك!

كنتَ تريد أن تخضع النصوص الأدبيّة والتاريخيّة للبحث والنقد، وألّا تكون سلطة الموروث بديلًا من البرهان. فتحوّل السؤال عن صحّة الشعر الجاهليّ، عند بعض خصومك، إلى سؤالٍ عن الإيمان والكفر.

وأنا، بوصفي راهبًا، أجد في هذه المعركة شيئًا أعرفه جيّدًا. كم من مرّةٍ يتحوّل سؤالٌ تاريخيّ إلى معركةٍ دينيّة! وكم من مرّةٍ نخلط بين الدفاع عن الله والدفاع عن آرائنا في الله! وكم من مرّةٍ نعامل تفسيرًا بشريًّا كأنّه مقدّس، ثمّ نخاف من أن يلمسه أحدٌ بأدوات البحث العلميّ!
أتذكّر هنا القدّيس توما الأكوينيّ، ذلك الراهب الدومنيكانيّ الذي عاش في القرن الثالث عشر، ولم يخشَ أن يتحاور مع أرسطو وابن سينا وابن رشد. كان يعرف أنّ الحقيقة لا تصبح باطلةً لأنّ مَن اكتشفها يختلف معنا في الدين.

وأظنّ أنّنا كنّا سنتّفق في أمرٍ أساسيّ: الإيمان الذي يخاف من العقل يحتاج إلى أن يسأل نفسه عمّا يؤمن به حقًّا. وسألتُ نفسي، وأنا أقرأ عن المحنة التي عشتَها بعد صدور كتابك: كيف يمكن أن يتحوّل اختلافٌ حول منهج البحث إلى تهديدٍ لحياة صاحبه؟

تذكر سوزانُ زوجتك أنّ الأمور وصلت إلى حدّ الحاجة إلى حراسةٍ مسلّحةٍ أمام منزلكما. ثمّ أخذتك إلى قريةٍ فرنسيّةٍ في أعالي ساڤوا لتستعيد شيئًا من راحتك، وهناك كتبتَ الجزء الأوّل من «الأيّام» في تسعة أيّام. يا للمفارقة! أرادوا أن يُسكتوك، فكتبتَ كتابًا سيظلّ يتكلّم بعد رحيلهم جميعًا!
...

لكن دعني أخبرك بما جرى للتعليم بعدك... لقد دافعتَ عن التعليم المجّانيّ، وقلتَ عبارتك الشهيرة عن أنّ التعليم ينبغي أن يكون كالماء والهواء. وأحبّ أن أطمئنك إلى أنّ الجامعات تكاثرت، والمدارس انتشرت، والشهادات أصبحت بأعدادٍ هائلة. وقد نجحنا خصوصًا في فنٍّ عجيب: أن نعلّم التلميذ كيف ينجح في الامتحان من غير أن نزعجه كثيرًا بالتفكير! صار الطالب يسأل: هل سيأتي هذا في الامتحان؟ فإذا قلتَ له إنّ المعرفة مهمّةٌ في ذاتها، نظر إليك نظرة شفقة، كأنّك رجلٌ طيّبٌ لا يعرف كيف تسير الدنيا!

وأنا أقول هذا مع شيءٍ من تأنيب الضمير، لأنّني أدرّس أيضًا. وأحيانًا أكتشف أنّ السؤال الذي يطرحه طالبٌ في العشرين من عمره يستطيع أن يربك أستاذًا قضى ثلاثين عامًا في قراءة الكتب. وهذه، على فكرة، فضيحةٌ جميلة! فالتعليم الحقيقيّ يبدأ حين يصبح الطالب قادرًا على أن يسأل أستاذه سؤالًا لا يعرف الأستاذ جوابه.

كنتَ تريد مدرسةً تُعلّم الإنسان كيف يفكّر. ونحن ما زلنا نناقش إن كان من حقّه أن يفكّر أصلًا، وخصوصًا إذا وصل تفكيره إلى نتيجةٍ لا تعجبنا!
...

وأريد أن أسألك عن أمرٍ آخر: لماذا نخاف في مصر من نقد التراث؟ أنت أحببتَ اللغة العربيّة، وعشتَ بين نصوصها، وأعدتَ قراءة أدبها وتاريخها. ولم يمنعك حبّك هذا من أن تسأل عن صحّة ما نُسب إلى القدماء. كما أنّك لم تتخلَّ عن هويّتك المصريّة. وأظنّ أنّ هذه إحدى أكبر المشكلات في ثقافتنا: نتصوّر أنّ مَن يحبّ شيئًا ينبغي أن يمتنع عن نقده. وأنّ مَن يحبّ وطنه لا ينتقد السلطة. ومَن يحبّ دينه لا يسأل عن تاريخه. ومَن يحبّ التراث لا يراجع نصوصه. ومَن يحبّ أسرته لا يتحدّث عن أخطائها. وهكذا تتحوّل المحبّة إلى صمتٍ طويل، ثمّ نندهش عندما تتراكم المشكلات!

أمّا أنت فقد علّمتنا أنّ المحبّة يمكن أن تكون ناقدة، وأنّ احترام التراث يبدأ بأخذه على محمل الجدّ، لا بتحويله إلى متحفٍ ممنوعٍ من اللمس.

وأحيانًا أفكّر في المفارقة: لقد درستَ في فرنسا، وتعلّمتَ من مناهج البحث الأوروبيّة، ثمّ عُدتَ لتعيد قراءة الثقافة العربيّة. فاتهمك بعضهم بالتغرّب. يا دكتور طه، نحن شعبٌ عجيب! نستورد السيّارات والطائرات والهواتف، ونفرح بأحدث التقنيّات، لكن ما إن يستورد أحدٌ منهجًا نقديًّا حتّى نقلق على الهويّة!
كأنّ العقل وحده ينبغي أن يمرّ على الجمارك!
...

وأريد أن أعود إلى «الأيّام».
أتعرف ما الذي يؤلمني حين أقرأ طفولتك؟ تلك اللحظات التي شعرتَ فيها بالعجز أو الإهانة أو الخجل بسبب الطريقة التي عاملك بها الآخرون. كانوا يرون الطفل الأعمى، ولم يكونوا يعرفون بعد أنّهم أمام طه حسين. كم من طفلٍ يعيش اليوم بيننا ولا نعرف مَن يمكن أن يصبح! نحكم عليه من فقره، أو إعاقته، أو أسرته، أو مدرسته، أو الحيّ الذي وُلد فيه. ثمّ نقول إنّ الفرص متاحةٌ للجميع!

لقد احتجتَ إلى أشخاصٍ ساعدوك في رحلتك، وإلى مؤسّساتٍ فتحت لك أبوابها، وإلى شجاعةٍ شخصيّةٍ كبيرة. وكانت سوزان شريكةً استثنائيّةً في حياتك. وأظنّ أنّ قصّتك تُذكّرنا بأنّ الموهبة وحدها لا تكفي. كم من طه حسينٍ آخر لم يجد مَن يقرأ له كتابًا، أو يفتح له باب مدرسة، أو يؤمن بأنّه قادرٌ على التعلّم؟
وربّما هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه كلّما احتفلنا بذكراك: كم طفلًا فقدنا لأنّنا لم نمنحه فرصةً؟
...

عزيزي الدكتور طه،
اسمح لي، قبل أن أختم، أن أتحدّث قليلًا بوصفي كاهنًا. وأعدك ألّا أطيل في العظة، مع أنّني لا أضمن نجاح هذا الوعد! في إنجيل يوحنّا، يروي الكاتب قصّة رجلٍ وُلد أعمى. ويسأل التلاميذ يسوع عمّن أخطأ حتّى وُلد هذا الرجل أعمى، هو أم والداه. تخيّل يا دكتور! أمامهم إنسانٌ، لكنّهم لا يرون فيه إلّا مشكلةً دينيّةً تحتاج إلى تفسير. يريدون أن يعرفوا مَن المذنب قبل أن يسألوا عمّا يحتاج إليه هذا الرجل. ثمّ يمضي الإنجيل في مفارقةٍ رائعة: الرجل الأعمى يُبصر، وبعض الذين كانوا يُبصرون يعجزون عن رؤية ما حدث أمام أعينهم. وكلّما قرأتُ هذا النصّ، فكّرتُ فيك. لقد قضيتَ حياتك تواجه نوعًا آخر من العمى: العمى الذي يجعل الإنسان مطمئنًّا إلى ما يعرف، وعاجزًا عن الاعتراف بما يجهل. وأحيانًا يكون أخطر أنواع العمى هو ذلك الذي يصيب الإنسان عندما يظنّ أنّه يرى كلّ شيء. ربّما كنتَ ستقاطعني قائلًا:
— يا مولانا، بدأتَ بالأدب وانتهيتَ بالدين!
وسأقول لك:
— وأنت يا دكتور بدأتَ بالأدب، ثمّ أخذتَ تتدخّل في التعليم والتاريخ والسياسة! دعنا نتسامح قليلًا مع عيوب بعضنا!
...

وقبل أن أغلق الرسالة، أريد أن أعود إلى صديقك الأب قنواتي الدومنيكانيّ.
لقد كتب عنك بعد رحيلك. وكان من أوائل الذين وصلوا إلى منزلك بعد وفاتك يوم ٢٨ أكتوبر ١٩٧٣. وكتب أنّه انحنى احترامًا أمام الرجل الذي ظلّ أكثر من نصف قرنٍ سيّدًا من سادة الأدب العربيّ، ورأى سوزان إلى جوارك، تلك المرأة التي وصفها بأنّها كانت نور عقلك وقلبك، ورفيقةً لم تتخلَّ عنك حتّى اللحظة الأخيرة.

تأثّرتُ بهذه الشهادة. ووجدتُ فيها صورةً أخرى للحوار بين الأديان: راهبٌ دومنيكانيّ مصريّ ينحني احترامًا أمام جثمان صديقه المسلم، ويكتب عنه بمحبّةٍ وإعجاب. أظنّ أنّ قنواتي لم يكن يحتاج في تلك اللحظة إلى محاضرةٍ عن الحوار الإسلاميّ المسيحيّ. كان يعرف أنّه يقف أمام صديقٍ فقده، وأمام امرأةٍ فقدت شريك حياتها.
ولعلّ هذه الصورة تختصر شيئًا ممّا أردتَ أن تعلّمنا إيّاه طوال حياتك: أن نرى الإنسان أوّلًا.
...

عزيزي الدكتور طه،
أريد أن أشكرك لأنّك جعلتَ من سيرتك الشخصيّة درسًا في كرامة الإنسان، ومن عملك الفكريّ دفاعًا عن حقّه في المعرفة. وعلّمتَنا أنّ العقل لا ينمو في الخوف، وأنّ البحث عن الحقيقة قد يجعل صاحبه وحيدًا أحيانًا، وأنّ شعبيّة الفكرة لا تكفي لإثبات صحّتها. وأجد من المحزن أنّنا نحتفل بك في المناسبات، ونضع اسمك على المدارس والشوارع والمكتبات، ثمّ نواصل أحيانًا معاملة الأسئلة التي طرحتَها كأنّها جرائم! نحبّ طه حسين الذي مات، لكنّنا قد لا نحتمل طه حسين الذي يناقشنا اليوم. وهذا يحدث مع كثيرٍ من العظماء. نُقيم لهم التماثيل بعد موتهم، لأنّ التماثيل، لحسن الحظّ، لا تسأل ولا تعترض! لقد فقدتَ بصرك في طفولتك، وكتبتَ ودرّستَ وخضتَ معارك من أجل أن يتعلّم الناس كيف يرون العالم بعقولهم. ومضى أكثر من نصف قرنٍ على رحيلك. فلو عدتَ اليوم، ورأيتَ مصر التي أحببتَها، ومدارسها وجامعاتها، ومعاركها الثقافيّة والدينيّة، واكتشفتَ أنّنا لم نزل نتشاجر حول حقّ الإنسان في السؤال... هل كنتَ ستضحك، أم كنتَ ستكتب جزءًا رابعًا من «الأيّام»؟ وأرجوك يا دكتور، إذا قرّرتَ أن تكتب، فاختر عنوانًا مناسبًا.
أقترح عليك: «الأيّام... ولم نزل لا نرى!»
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ