الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
ذكرياتي مع أبٍ علّمني أيضًا بصمته وابتسامته
رحل اليوم الأب أنطون فرنسيس، فعادت بي الذاكرة إلى سنوات دراستي في إكليريكيّة الأقباط الكاثوليك، حين كنتُ تابعًا لإيبارشيّة طيبة (الأقصر وأسوان).

كان الأب أنطون أستاذي في مادّة اللاهوت الأدبيّ. أذكره رجلًا هادئًا، قليل الكلام، أنيقًا دائمًا، وكان أكثر ما يلفت انتباهي فيه طريقته في التعامل معنا نحن طلبة الإكليريكيّة. كان يحترمنا احترامًا كبيرًا، ويعاملنا بوقارٍ وبساطةٍ في الوقت نفسه.

كنّا نلتقي أحيانًا في ممرّات الإكليريكيّة، فيبادلنا ابتسامةً هادئةً جميلة، وأحيانًا يلقي عبارةً مازحةً مقتضبة، ثمّ يمضي في طريقه. لم يكن من الأشخاص الذين يملأون المكان بكلامهم، ومع ذلك، بقي حضوره في ذاكرتي بعد كلّ هذه السنوات. ولعلّ هذا ما يدهشني اليوم: كيف يمكن لابتسامةٍ بسيطة، أو لطريقة إنسانٍ في احترام الآخرين، أن تبقى حيّةً في الذاكرة أكثر من محاضراتٍ وكلماتٍ كثيرة!

ولم تقتصر رسالة الأب أنطون على التعليم. فقد أسّس دار "سيّدة السلام" لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصّة، التي افتُتحتْ عام ٢٠٠٤. وهي خدمةٌ تكشف جانبًا آخر من شخصيّته الهادئة: اهتمامه بالإنسان، وبخاصّةٍ بمن يحتاج إلى رعايةٍ ومحبّةٍ واعترافٍ بكرامته.

أفكّر اليوم في أنّنا، نحن الذين درسنا اللاهوت، قد ننسى كثيرًا ممّا تعلّمناه في قاعات الدراسة، لكنّنا لا ننسى بسهولة كيف عاملنا أساتذتنا. وقد ترك الأب أنطون في نفسي ذكرى أستاذٍ محترمٍ، وكاهنٍ هادئٍ، وإنسانٍ يعرف كيف يمنح الآخرين شعورًا بالاحترام من دون كلماتٍ كثيرة.

وداعًا يا أبونا أنطون. شكرًا على ما علّمتنا إيّاه، وعلى تلك الابتسامة الهادئة التي لم تزل حاضرةً في ذاكرتي.

الراحة الأبديّة أعطه يا ربّ، والنور الدائم فليشرق عليه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ