خالد منتصر
تخيّل أنك أمام مدينة ضخمة، تضم مليارات المصابيح والأسلاك، وتريد أن تعرف أى دائرة مسؤولة عن الخوف، وأيها تصنع الذكريات، وأيها تحرّك اليد، هذه المدينة هى المخ.
لسنوات طويلة، راقب العلماء أنوارها، لكن مراقبة مصباح يضىء أثناء الخوف لا تثبت أنه يصنع الخوف. هنا جاءت ثورة «البصريات الوراثية»، التى مُنحت بسببها نوبل الطب فى الخامس من أكتوبر ٢٠٢٦، لبيتر هيجمان وجيورج ناجل وكارل ديسيروث، الاسم يبدو صعبًا، لكن الفكرة بسيطة: نجعل خلايا عصبية محددة تستجيب للضوء، ثم نستخدم ومضات ضوئية للتحكم فى نشاطها. كأن العلماء ركّبوا مفتاحًا داخل الخلية، يمكن تشغيله من الخارج. كلمة «وراثية» تعنى استخدام تعليمات جينية تجعل الخلية تصنع بروتينًا حساسًا للضوء، وكلمة «بصريات» تشير إلى الضوء الذى يشغّل هذا البروتين.
ليست العملية تسليط كشاف على الرأس؛ إنها تقنية تحتاج تجهيز الخلايا المستهدفة وإيصال الضوء إليها، والحكاية بدأت من كائن متواضع، طحلب وحيد الخلية يسبح نحو الضوء. سأل هيجمان: كيف يشعر هذا الكائن بالضوء ويستجيب له؟ وبالتعاون مع ناجل، اكتُشف بروتين يعمل كبوابة فى غشاء الخلية. حين يسقط عليه الضوء، تُفتح البوابة وتعبر أيونات، أى جسيمات مشحونة كهربائيًا، أدرك ديسيروث وفريقه أن نقل التعليمات الجينية لهذا البروتين إلى الخلايا العصبية يمكن أن يجعل الضوء يطلق إشاراتها. ونُشرت التجربة الأساسية عام ٢٠٠٥، لماذا كانت هذه قفزة هائلة؟ لأن الخلايا العصبية تتواصل بإشارات كهربائية سريعة، وهذه التقنية تسمح بالتدخل بدقة زمنية تقاس بأجزاء الألف من الثانية، مع استهداف أنواع محددة من الخلايا.
ومع تطوير أدوات أخرى، أصبح ممكنًا تنشيط خلايا أو تثبيط نشاطها. تخيّل أوركسترا: بدل أن تسمع الموسيقى كلها وتحاول تخمين دور الكمان، تستطيع إسكات الكمان لحظة، أو تشغيله وحده، فتفهم مساهمته فى اللحن، هكذا انتقل الباحثون من السؤال: «ما الخلايا التى تنشط أثناء هذا السلوك؟» إلى سؤال أقوى: «ماذا يحدث إذا غيّرنا نشاط هذه الخلايا؟»، وهذا هو الفرق بين ملاحظة الارتباط واختبار السبب، أصبحت التقنية وسيلة لدراسة دوائر الذاكرة والمشاعر والسلوك، وفهم مساهمة خلايا بعينها فى وظائف المخ واضطراباته. قيمتها أنها تمنح العلماء تجربة يمكن التحكم فيها، ونتيجة يمكن اختبارها وتكرارها، أما العلاج، فهناك خطوات مشجعة، خصوصًا فى فقدان البصر.
عام ٢٠٢١، وثّقت دراسة استعادة جزئية لبعض الوظائف البصرية لدى مريض مصاب بالتهاب الشبكية الصباغى، بعد جعل خلايا باقية فى شبكيته حساسة للضوء، مع استخدام نظارة خاصة. لكنها استعادة محدودة، وليست عودة كاملة للإبصار، ولا تعنى أن أمراض المخ أصبحت قابلة للعلاج بهذه التقنية فورًا.
استحق العلماء نوبل لأنهم منحونا أداة تغيّر طريقة السؤال عن المخ، وتقرّبنا من فهمه تجريبيًا. وفى القصة درس أبعد، البحث الذى يبدأ بفضول حول طحلب قد يفتح نافذة على الإنسان، لا أحد يعرف مسبقًا أين تنتهى رحلة السؤال؛ لذلك فإن حماية البحث الأساسى استثمار فى احتمالات لا نراها اليوم، وقد تغيّر حياة البشر غدًا.
نقلا عن المصري اليوم





