أحمد الخميسي
انتزع الشعب المصري وصان أهم دروس حرب أكتوبر 1973 ألا وهو أن الانتصار ممكن دائما، وأن علينا أن نختزن في قلوبنا صور الجسارة والبسالة التي أبداها أبناؤنا " على اسم مصر".

من تلك الصور مشهد الفلاحة المصرية التي ظلت واقفة خلال الحرب بجوار كوبري بسيط في قرية جنيفة على الطريق بين الاسماعيلية والسويس بينما كان الجنود المصريون ينقلون زملاءهم الجرحى إلي تحت الكوبري وكانت كلما أقبلوا بزميل جريح تمزق قطعة من جلبابها وتضمد بها جراحه، حتى لم يبق مزقة من جلبابها فمكثت عارية في مكانها تواجه السماء بعينيها وتهتف" الله أكبر". سجل هذه الصورة الأديب محمد ناجي، إلا أن البعض يعتقد أن حرب أكتوبر لم تستوف حقها من التعبير الأدبي، وهنا علينا أن نلاحظ صدور عدد من الروايات عن بطولات أكتوبر أشهرها" الرصاصة لاتزال في جيبي" لإحسان عبد القدوس، و" نوبة رجوع" لمحمود الورداني، وأيضا روايتي " الرفاعي"، و"حكايات الغريب" لجمال الغيطاني، و" رجال وشظايا" لسمير الفيل، و" يوميات مقاتل قديم " للسيد نجم، و" أنشودة الأيام الآتية " لمحمد عبد الله الهادي، و" الحرب في بر مصر" ليوسف القعيد، ورواية «سرابيوم» لمحمود عرفات الذى شارك فى الحرب، ومسرحية" رأس العش" لسعد الدين وهبة التي ظهرت بعد الحرب بعام واحد.

كما ظهر أيضا العديد من القصائد لكنها لم تشكل تيارا قويا. أما كبار الكتاب حينذاك فاكتفوا بالتعليق والمقالات كما فعل نجيب محفوظ في مقالاته " دروس أكتوبر". ورغم ذلك يظل البعض يميل إلى أن حرب أكتوبر لم تستوف حقها من التعبير المناسب لحجمها التاريخي. وهناك أسباب وراء ذلك لعل أهمها أن الحرب استمرت فترة محدودة فلم تتردد أصداؤها بقوة داخل المجتمع وفي نسيج علاقاته، وأنها اقتصرت على الجيش الوطني من دون مشاركة شعبية خلافا لمواجهة العدوان الثلاثي في 56 التي ساهمت فيها فئات شعبية واسعة، لهذا ظهر خلال العدوان الثلاثي مصطلح " أدب المعركة"، بينما برز مصطلح آخر بعد حرب أكتوبر هو " أدب الحرب".

وهنا يجب ملاحظة أن الأدب الروائي يعبر عن أثر تلك الوقائع في النفوس، وهو أثر يحتاج إلي وقت طويل ليختمر خلاله. ويميز تولستوي بين"التأريخ الأدبي" الذي يمكنه أن يلاحق الحدث وبين" الأدب" قائلا : "إن الفنان الذي يدرس أفعال فرد من الأفراد في كل ظروف الحياة لا يمكنه ولا يجب عليه ان يرى أبطالاً، وإنما هو يرى بشراً".

أي أن الكاتب بحاجة لأن يرى خلاصة الحرب في أرواح بشر محددين، وهي العملية التي تحتاج إلي وقت، ومن الظلم مقارنة ما قدمه أدبنا المصري بما قدمه الأدب العالمي عن الحرب مثل رواية " في مغيب القمر" لشتاينبك، أو"وداعا للسلاح" لهمنجواى أورواية "الأمل" لأندريه مارلو، وغير ذلك، هذا لأن كل مقارنة من هذا النوع ستكون غير صحيحة سواء أكان الموضوع هو الحرب أو الحب أو الموت. ومازلت إلى الآن أذكر ما حكاه لي أحد الذين شاركوا في الحرب من أن الجنود المصريين كانوا يندفعون لسد فوهات المدافع الاسرائيلية بأبدانهم.

وعامة فقد استخلص الشعب المصري أهم دروس الحرب، ألا وهو أن الانتصار ممكن ، وأن الجسارة تبني الوطن. 
***
نقلا عن الدستور