ست سنوات من الانتظار والأزمة الاقتصادية تثقل كاهل عمال الكنائس والتجار والعائلات المقدسية

نادر شكرى
يقول أديب جواد جودة الحسيني، كنيسة القيامة'> أمين مفتاح كنيسة القيامة في القدس، إن المدينة المقدسة تعيش أوضاعًا اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة، في ظل تراجع حركة السياحة والزيارات، وما ترتب على ذلك من تداعيات قاسية طالت عمال الكنائس والتجار والعائلات المقدسية، مؤكدًا أن القدس باتت تواجه أزمة إنسانية تتجاوز حدود التراجع التجاري إلى تهديد مصادر رزق آلاف المواطنين واستقرارهم المعيشي.

ويضيف جودة الحسيني: «نعم، كنيسة القيامة تبكي غياب زوارها، وأزقة البلدة القديمة تبكي أحوال أهلها، والقدس اليوم تنزف وجعًا بصمت، فيما تتراكم الهموم على أكتاف أبنائها، دون أن يلوح في الأفق أمل قريب بالخلاص».

ويتابع: «منذ جائحة كورونا عام 2020، دخلت المدينة المقدسة في نفق مظلم. ست سنوات ونحن ننتظر أن تتعافى القدس، وأن تعود الحياة إلى شوارعها، وأن تدق أجراس كنيسة القيامة فرحًا بعودة الحجاج والزوار، وأن تستعيد الأسواق نبضها الذي عرفناه قبل الجائحة. لكننا نجد أنفسنا أمام واقع أشد قسوة، ومأساة تتفاقم يومًا بعد يوم».

ويشير جودة الحسيني إلى أن تداعيات الأزمة الاقتصادية انعكست بصورة مباشرة على العاملين في كنيسة القيامة وغيرها من كنائس الأراضي المقدسة، موضحًا أن الظروف الصعبة دفعت إلى الاستغناء عن عدد من العاملين الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الكنائس، وكانوا يعتمدون على وظائفهم في إعالة أسرهم وتأمين احتياجاتها الأساسية.

ويقول: «لم يكن الاستغناء عن هؤلاء العاملين أمرًا سهلًا، لا على الكنائس ولا على العمال أنفسهم، الذين وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن أزمة لم يصنعوها. خلف كل عامل فقد وظيفته عائلة، وخلف كل راتب انقطع بيت ينتظر، وأطفال لهم احتياجات، وأقساط لا تنتظر، والتزامات لا ترحم. فكيف يستطيع رب أسرة أن يواجه كل هذه الأعباء حين يفقد مصدر رزقه؟».

وفي حديثه عن الأوضاع التجارية في البلدة القديمة، يستذكر جودة الحسيني حركة الأسواق قبل جائحة كورونا، حين كانت القدس تستقبل أعدادًا كبيرة من الحجاج والزوار، ولا سيما خلال مواسم الصيف، ما كان ينعش المتاجر ويدعم مصادر دخل العائلات المقدسية.

ويضيف: «قبل الجائحة، كانت المدينة تستقبل أعدادًا كبيرة من الزوار الذين يقصدون كنيسة القيامة، ويتجولون في أزقة البلدة القديمة، ويشترون من محالها، فتدور عجلة الاقتصاد وتفتح العائلات أبوابها على الأمل والرزق. أما اليوم، فقد تبدل المشهد؛ تراجعت حركة الزوار، وضعفت حركة الشراء، وأغلقت متاجر أبوابها، فيما باتت محال أخرى تبحث عن مستأجرين بدلًا من أن يتسابق الناس على استئجارها كما كان الحال سابقًا».

ويتابع بأسى: «يا للمفارقة المؤلمة! بالأمس كان صاحب المحل يبحث طويلًا عن مكان يفتح فيه باب رزقه، واليوم يقف عاجزًا أمام ديونه والتزاماته، ويتساءل كيف يسدد مستحقاته، وكيف يحافظ على تجارته، وكيف يتجنب أن تقوده الديون المتراكمة إلى الملاحقات القانونية والسجن».

ويؤكد جودة الحسيني أن الأعباء المعيشية التي يتحملها المقدسيون أصبحت أكثر قسوة في ظل تراجع الدخل واستمرار الالتزامات المالية، من ديون البنوك ومستحقات الضرائب والبلدية، إلى فواتير المياه والكهرباء وأقساط المدارس والجامعات وإيجارات المنازل.

ويقول: «أصبح أهل القدس يخوضون معركة البقاء يومًا بيوم. هناك عائلات تقف عاجزة أمام كثرة الالتزامات، ولا تعرف أي الديون تسدد أولًا وأي الاحتياجات تؤجل. لقد أصبح هم بعض الناس ليس كيف يوسعون تجارتهم أو يحسنون أوضاعهم، بل كيف يؤمنون إيجار البيت في نهاية الشهر، وكيف يضعون الطعام على مائدة أطفالهم، وكيف يواجهون الغد من دون أن يفقدوا ما تبقى لهم من أمل وكرامة».

ويضيف: «آه، ثم آه يا قدس! كيف انقلبت الأحوال من الخير الوفير إلى الضيق والمأساة؟ وكيف تحولت الأسواق التي كانت تضج بالحياة إلى أزقة شبه خالية؟ وكيف أصبح العامل يخشى على لقمة عيشه، والتاجر يخشى على متجره، والأب يخشى ألا يستطيع الوفاء بالتزاماته تجاه أسرته؟».

ويشدد جودة الحسيني على أن ما تشهده المدينة ليس مجرد أزمة تجارية أو تراجع عابر في حركة السياحة، بل أزمة إنسانية واجتماعية تمس كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم.

ويقول: «القدس التي تحمل حجارتها تاريخ الأديان، وتحتضن كنيسة القيامة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك، لا ينبغي أن يُترك أبناؤها وحدهم في مواجهة هذا المصير. إن عمال الكنائس وتجار البلدة القديمة والعائلات المقدسية بحاجة إلى مساندة حقيقية تعيد إليهم الأمل، وتحفظ لهم حقهم في العيش الكريم والاستقرار في مدينتهم».

ويتابع: «نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب أن تعود الحياة إلى مدينتنا، وأن يجد عمال الكنائس فرصتهم في العمل، وأن تستعيد المتاجر زبائنها، وأن يعود الحجاج والزوار إلى كنيسة القيامة، وأن يتمكن المقدسي من العيش في مدينته بكرامة وأمان».

ومع اقتراب عام جديد، يعبّر جودة الحسيني عن مخاوفه من استمرار الأزمة، متسائلًا عما إذا كان عام 2027 سيحمل بداية انفراج حقيقي لأهل القدس، أم ستظل المدينة تعاني تداعيات سنوات طويلة من التراجع الاقتصادي والمعيشي.

ويختم بالقول: «آه، ثم آه يا قدس… كم نشتاق إلى أيام كانت فيها كنيسة القيامة تعج بالحجاج، وكانت أزقتك تنبض بالحياة، وكانت أبواب المتاجر تُفتح على الأمل، لا على لافتات الإيجار. القدس لا تبكي غياب زوارها فحسب، بل تبكي حال أهلها أيضًا. وإذا طال هذا الصمت، فمن يحمي ما تبقى من نبض الحياة في مدينتنا المقدسة؟ ومن يسمع أنين القدس، ومن يمد يد العون إلى عمال كنائسها وتجارها وأهلها؟».

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يحمل العام الجديد الأمل الذي ينتظره المقدسيون، وتعود الحياة إلى أسواق القدس وكنيسة القيامة؟