(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
ثانيًا: الرجاءُ كمبدإٍ إنسانيّ أصيل
إنّ بُعْدَ "الرّجاء" ليس متعلّقًا بالأديان والرّوحانيّات فحسب، وإنّما هو "مبدأ" إنسانيّ أصيل. فنحن بشرٌ مرتبطون بحَيّزَيّ الزّمان والمكان، إذ نعيش في زمنٍ ومكانٍ محدودَيْن؛ ويعني الخروجُ منهما عدمَ وجودنا في الحياة الأرضيّة. والزّمنُ في بُعْده المُعاش لا يتلاشى؛ فأثرُ الماضي باقٍ فينا كنتائج، وأثرُ المستقبل قائم فينا كتطلُّعات. وفي هذا المضمار، يبرز التّساؤلُ حول "مَعْنى الحياة"، أي حول الأمر الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعَاش بمِلْء كلّ طاقاتنا؛ وهذا "المَعْنى" نجده أمامنا، أي في المستقبل، إذ إنّ كلَّ إنسان يتّجه ويتوجّه إلى المستقبل على رجاءِ أن يجد فيه المَعْنى لما يعيشه في الحاضر، ولما يتطلّع إليه في المستقبل، ويجد فيه أيضًا الاكتمال لحاضره وطُموحاته وأحلامه وآماله. وبهذا المَعْنى، فإنّ إنسانًا بلا رجاء هو إنسانٌ يشبه "امرأة لُوط" التي تحوّلت إلى تمثالٍ من الملح (راجع تكوين 19/ 26)؛ أعني أنّه يظلّ على هيئة البشر، ولكنّه مجرّد جماد بلا حراك. وكذلك أيضًا، مجتمعٌ أو وطنٌ بلا رجاء هو ضال ومائت، ولا رجاء فيه، ولا مستقبل له.
ولعلّه أمرٌ ذو مغزى وجدير بالملاحظة أنّ بعضَ حُقول الفلسفة تربط اهتماماتها وانشغالاتها بقضيّة "الرّجاء"، ولا سيّما في نطاق "فلسفة المستقبل". ويلمع الفيلسوفُ الألمانيّ الملحد، ذو الأصول اليهوديّة، "إرنست بلوخ" (1885-1977م) كنموذجٍ لهذا التّوجُّه، إذ إنّه في مؤلَّفاته التي تتمحور كلّها حول «مبدأ "الرّجاء"»، قد حاول أن يخطّط ويرسم مستقبلًا باهرًا وكاملًا (يوتوپيا "وطن الهويّة")، من دون الله وبتفاؤلٍ شديد، انطلاقًا من "الأُنطولوجيا" (علم الوجود) المتعلّقة بالواقع الذي هو في تطوُّرٍ مستديم، ومن "أنثروبولوجيا" (علم الإنسان) الشّخص المترجّي والحالم والعامل. ووفقًا لكلمات "بلوخ" عينها، «يجب على الفلسفة أن يكون لديها وَعْيٌّ أخلاقيٌّ بالغَد، وأن تنحاز للمستقبل، وأن تعرف الرّجاء، وإلَّا فإنّها لن تملك أيَّ معرفةٍ بعد الآن» .
ثالثًا: الإسكاتولوجيا والرجاء المسيحيّ
يعتقد بعضُ المسيحيّين أنّ "الإسكاتولوجيا" هي مجرّد الخطاب الثّيولوجيّ (اللّاهوتيّ) الخاصّ بـ"الآخرويّات" أو "الأمور الآخرويّة" أو "النّهيويّات" أو "العواقب" فحسب، أي مجرّد الحديث عن الموت، والدّينونة الخاصّة والعامّة، والسّماء وجَهنَّم النّار. ولا يعلمون بأنّ "الإسكاتولوجيا المسيحيّة" تتعلّق بالحرىّ بإعادة خَلْق كلّ الأشياء مِن جديد، أي بالرّجاء المسيحيّ الّذي لا يُخَيِّب أبدًا (راجع رومية 5/ 5)، لأنَّه يجد أساسه في قيامة المسيح المجيدة. وفي هذا السّياق، قد أصاب حقًّا الثّيولوجيّ (عَالِم اللّاهوت) البروتستانتيّ "يُرغِين مُولتمانّ" (1926-2024م) عندما كتب:
«لا تكمن الإسكاتولوجيا المسيحيّة إطلاقًا في تلك "الحلول النّهائيّة" ذات الطّابع الأبُوكَلِبتيّ [أو الرؤيويّ]، إذ إنَّ موضوعها ليس"النّهاية"، وإنَّما بالحرىّ إعادة خَلْق كلّ الأشياء مِن جديد. فالإسكاتولوجيا المسيحيّة هي الرّجاء الّذي يُذكِّرنا بقيامة المسيح المصلوب؛ وبالتّالي، فهي تتحدّث عن البداية الجديدة عند النّهاية الّتي هي الموت» .
إذا كان الموضوعُ المحوريّ للإسكاتولوجيا المسيحيّة هو "الرّجاء" الحيّ والرّاسخ والوَطِيد في واقعٍ أفضل، ومجتمعٍ أفضل، وبَشَرٍ أفضل، وأزمنة أفضل، فما معناه ومُنطَلَقه وأبعاده إذًا؟
كما يشرح المختصّون، ترتكز فكرةُ الكِتاب المقدّس عن الرّجاء على القناعة بأنّ "إله الخَلْق" (الخالق) هو عينه "إله الخلاص" (المخلّص)، وأنّ تاريخ الخلاص بأسره يتّجه نحو تحقيق الوعد بمستقبلٍ أفضل ومُطلق وتامّ، ومُفْعم بالرّجاء في عمل الله الخلاصيّ. ونجد في العهد الجديد بنوعٍ خاصّ، أنّ لفظة "الرّجاء" تشير إلى حقيقة حياتيّة وفعّالة، وقد أصبحت ممكنةً بفضل السّيّد المسيح وفيه، إذ إنّه يسمح باستمراريّة الرّجاء وتجديده وحيويّته. ويتميّز الرّجاءُ بيبليًّا بمجموعة خصائل هامّة: 1) له علاقة بالخلاص، أي بمِلْء واكتمال الوقائع الشّخصيّة والاجتماعيّة والكونيّة؛ 2) يتطلّع إلى مضامين ليست مِن صُنْع الإنسان، بل هي هِبَة من الله القدير والمُحِبّ؛ 3) يكمن في الانتظار بثقةٍ لما هو مستحيل طبيعيًّا، فهو رجاءٌ ضدّ كلّ رجاءٍ (راجع رومية 4/ 18)؛ 4) يتمثّل في انفتاحٍ مزدوجٍ، أعني على المستقبل زمنيًّا وعلى الآخر اجتماعيًّا.
[من مقالةٍ نُشِرت في مجلّة "النّسُور"، وهي مجلّة غير دوريّة تصدر عن الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة، العدد رقم (14)، شتاء 2025، ص 169-179].
[يُتبَع]





