بقلم: أيمن فايز
هناك رجال يمرّون في التاريخ بألقابهم، ورجال تصبح حياتهم نفسها تاريخًا. وقد ينسى الناس أسماء مَن شغلوا المقاعد، لكنهم لا ينسون مَن غيّروا شيئًا في حياتهم دون أن يطلبوا مقابلًا.
كان القمص الدكتور أنطون فرنسيس من هؤلاء الذين لا تستطيع أن تختصرهم في شهادة علمية أو رتبة كهنوتية أو منصب.
عرفته كاهنًا راقيًا، مثقفًا، صاحب شخصية فريدة لا تستعير حضورها من أحد. لم يكن الكهنوت عنده وظيفة يمارسها، بل رسالة يعيشها. ولم تكن الثقافة مجموعة معلومات يضيفها إلى أحاديثه، بل كانت حاضرة في تفكيره، وفي لغته، وفي احترامه للإنسان.
وأذكره أستاذًا في الإكليريكية، لا باعتباره رجلًا يملك سلطة الامتحان، بل رجلًا يعرف كيف يجعل الطالب يحب المعرفة.
لم يكن مشغولًا بأن يكشف ضعف الطالب من خلال الدرجات، أو أن يجعل الامتحان مناسبة لإثبات صعوبة مادته. كان يهمه أن يبحث الطالب عن العلم، وأن يفهم ما يقرأ، وأن يكتشف قيمة ما يتعلمه، لا أن يحفظ ما يكفي لينجو من الامتحان.
كان يجيد السهل الممتنع؛ يجعل المادة العميقة قريبة من العقل دون أن يفقدها عمقها. ولذلك أحبه طلابه، ولم يكونوا يخشونه. كان صديقًا لهم دون أن يفقد كرامة الأستاذ، وقريبًا منهم دون أن تسقط المسافة التي تحفظ الاحترام.
وهذه موهبة نادرة في التعليم؛ أن تكون محبوبًا دون أن تتساهل في قيمة العلم، وأن تكون صاحب هيبة دون أن تحتاج إلى الخوف.
ولم تقف ثقافته عند حدود اللاهوت. كان مخرجًا للمسرح في الإكليريكية، يعرف أن الفن ليس ترفًا، وأن تكوين الإنسان لا يكتمل بالمقررات وحدها. وكان تأسيسه لدار سيدة السلام لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة وجهًا آخر لهذه الشخصية؛ رجل لا يكتفي بالكلام عن كرامة الإنسان، بل يفسح لها مكانًا في الحياة.
هكذا اجتمع فيه اللاهوت والفن والتعليم والخدمة، لا بوصفها إنجازات متفرقة، بل تعبيرًا عن إنسان واحد.
وربما هنا نفهم لماذا يكون بعض الناجحين مزعجين دون أن يفعلوا شيئًا لإزعاج أحد.
فالذي لا يسعى إلى منصب، ولا يحتاج إلى تخويف طلابه ليحترموه، ولا يستعير قيمته من لقبه، يضع أمام الآخرين، بمجرد وجوده، صورة مختلفة لما يمكن أن يكون عليه الإنسان.
لم يكن الأب أنطون في سباق مع أحد. وهذه بالذات إحدى علامات قوته. فقد امتلك ما لا تمنحه المناصب، ولا تستطيع الدرجات العلمية وحدها أن تصنعه: شخصية لها وزنها الخاص.
كانت له إِيقونة في حياة كل مَن عرفه، لا تُرسم بالألوان، بل بالمواقف، وبطريقة الكلام، وبالاحترام الذي يتركه في نفوس الآخرين.
واليوم، لا أجد في رحيله مناسبة لتعداد إنجازاته، ولا أريد أن أحوّل حياته إلى كلمات رثاء.
إنما أتأمل مفارقة تستحق أن نتذكرها:
هناك مَن يحتاج إلى المنصب ليصبح حاضرًا، وهناك مَن يظل حاضرًا بعد أن يغيب عن كل المناصب.
فليس كل الأحياء أحياءً في ذاكرة الناس، وليس كل الذين رحلوا أصبحوا من الماضي.
بعض الرجال لا يتركون وراءهم سيرةً تُقرأ، بل يتركون في الآخرين شيئًا من سيرتهم يستمر في الحياة.





