بقلم: أيمن فايز
نقول «كان» عن أشياء لم تفقد حضورها فينا، ونقول «سيكون» عن أشياء قد لا تحدث أبدًا. أما كلمة «الآن»، فما إن ننطقها حتى تصبح جزءًا من الماضي.
 
يا لها من مفارقة! نحن نعيش أعمارنا في زمن لا نستطيع الاحتفاظ بلحظة واحدة منه، ومع ذلك نتصرف كأننا نملكه، نقسمه إلى سنوات وشهور وأيام، ونطمئن إلى دقة الحساب.
 
لكن الحساب لا يكشف لنا حقيقة ما نحسبه.
 
ولعل الموت هو أكثر ما يكشف حدود هذه الدقة. فعلى شاهد قبر، قد تختصر حياة إنسان في تاريخين تفصل بينهما شرطة لا تتجاوز سنتيمترًا. تسعون عامًا أو تسعة أيام، والمسافة على الحجر واحدة. كأننا نجحنا في قياس العمر، لكننا لم نجد مقياسًا لما احتواه.
 
ومن هنا شغلتني مسألة الزمن: ماضٍ لا نستطيع استعادته، وحاضر لا نستطيع إيقافه، ومستقبل لا نعرف إن كنا سنبلغه. فهل الأبدية مجرد امتداد لهذا الزمن، أم أننا نحاول فهم ما يتجاوزه بالأدوات التي نقيسه بها؟
 
نقول عن الله إنه أزلي وأبدي وسرمدي. والأزلي، في التمييز الاصطلاحي، لا بداية له، والأبدي لا نهاية له، والسرمدي لا أول له ولا آخر. لكن هذه الألفاظ تتجاوز معناها الزمني المعتاد حين نتحدث عن الألوهية. فالله ليس كائنًا امتد عمره إلى ما لا نهاية؛ إنه لا يخضع لتعاقب الأمس واليوم والغد كما نخضع نحن.
 
وقد عبّر بوئثيوس (Boethius) عن هذا الفارق حين ميّز بين حياة نعيشها لحظة بعد أخرى، والأبدية بوصفها كمال الحياة غير الخاضعة لهذا التعاقب.
 
أما الفيلسوف الفرنسي جان لوك ماريون (Jean-Luc Marion)، فيفتح في دراستيه Une fois pour toutes وLe temps d’en finir إشكالية أكثر إثارة: نحن نتصور نهاية الزمن بالطريقة نفسها التي نتصور بها نهاية يوم أو حياة، مع أن كل نهاية نعرفها تقع داخل زمن يستمر بعدها. فكيف نتصور نهاية الزمن نفسه؟
 
وفي قراءته للزمن الإسخاتولوجي، يمنح ماريون قيامة المسيح موقعًا حاسمًا؛ فالقيامة حدث تحقق بالفعل، لا موعد ينتظر أن يمنحه المستقبل معناه. وهكذا لا تصبح القضية معرفة متى ينتهي التاريخ، بل ماذا نفعل بالحاضر الذي نعيشه.
 
عند هذه النقطة عادت إليّ كلمات المسيح في سفر الرؤيا: «أنا الألف والياء، الأول والآخر، البداية والنهاية» (رؤيا 22: 13).
 
في اليونانية: Τὸ Ἄλφα καὶ τὸ Ὦ، أي الألفا والأوميجا (Α وΩ)، أول الأبجدية وآخرها. لكن العلاقة بين الحرفين ليست خطًا زمنيًا يبدأ بأحدهما وينتهي بالآخر. فالترتيب يخص الأبجدية، أما الألوهية فلا تخضع لترتيب الحروف.
 
إن المسيح يستعيد إعلان الله في سفر إشعياء: «أنا الأول وأنا الآخر، ولا إله غيري» (إشعياء 44: 6). فهو ليس البداية التي يسبقها عدم، ولا النهاية التي يعقبها فناء؛ بل هو الذي به صار للوجود بدء، وفيه يجد الوجود غايته.
 
ولهذا ينبغي ألا نخلط بين البداية بوصفها نقطة زمنية، والبداية بوصفها أصلًا للوجود؛ ولا بين النهاية بوصفها انقطاعًا، والنهاية بوصفها غاية واكتمالًا.
واللافت أن سفر الرؤيا، الذي اعتاد كثيرون قراءته بحثًا عن نهاية العالم، يضع هذا الإعلان إلى جوار عبارة «ها أنا أصنع كل شيء جديدًا» (رؤيا 21: 5–6). فالنهاية هنا لا تنفصل عن تجديد الخليقة.
 
لكن الفكرة اكتسبت عندي بُعدًا آخر حين انتقلت من النص إلى الفن.
 
في دياميس كوموديلا (Catacombs of Commodilla) بروما، وتحديدًا في حجرة ليون (Cubiculum Leonis)، نجد تصويرًا للمسيح من أواخر القرن الرابع الميلادي، وعلى جانبي وجهه الحرفان اليونانيان Α وω.
 
لم يكن هذا أول ظهور معروف لهما في الفن المسيحي، لكن موضعهما هنا بالغ الدلالة. ففي مكان خُصص لدفن الموتى، حيث تنتهي حياة الإنسان ويُسجَّل تاريخ رحيله، تحضر صورة المسيح مصحوبة بحرفين لا يسجلان عمره، بل يعلنان هويته الإلهية.
 
هنا تتغير وظيفة العلامة نفسها. فعلى شاهد القبر يحدد تاريخان مدة حياة إنسان، أما في صورة المسيح فلا يحدد أول الحروف وآخرها مدة وجوده. إنهما يستعيران حدود اللغة للإعلان عمّن لا تحدّه.
 
وهذا ما أراه من أعمق خصائص الفن المسيحي: الصُّورَةُ وَالنَّصُّ، تَكَامُلٌ وَتَطَابُقٌ في المعنى، لا تكرار في التعبير.
 
فالوجه يشهد للتجسد، والحرفان يستدعيان الإعلان الكتابي عن الألوهية. ولا يشرح أحدهما الآخر بقدر ما يجتمعان في الكشف عن هوية المسيح.
 
ومن هذا المدخل نفهم أيضًا بعض خصائص اللغة الفنية للإِيقونة البيزنطية، دون أن نفترض أن جميع مراحل الفن المسيحي اتبعت قواعد واحدة.
 
فالخلفية الذهبية ليست مجرد ترف زخرفي، والمنظور المعكوس ليس مجرد مخالفة لقواعد الرسم الطبيعي. كلاهما يستطيع، في توظيفه الفني واللاهوتي، أن يحرر المشهد من الاكتفاء بزمانه ومكانه المحسوسين، دون أن ينكر حقيقة التجسد والتاريخ.
 
فالذهب لا يرسم الأبدية، لأن الأبدية لا تُرسم. والمنظور المعكوس لا يلغي المكان، بل يفتح أمام المشاهد علاقة مختلفة به.
 
ولذلك ليست قيمة الإِيقونة في أنها تنقلنا خارج التاريخ، بل في أنها لا تختزل حقيقة الشخص المقدس في اللحظة التاريخية التي تصوره فيها.
 
وأعود إلى تلك الشرطة الصغيرة على شاهد القبر. لقد بدأت منها لأن الموت يجعل الزمن سؤالًا شخصيًا لا ترفًا فلسفيًا. لكنني أدركت أن المشكلة لم تكن يومًا في قِصر الخط أو طوله، بل في اعتقادنا أن كل وجود يمكن فهمه من خلال بداية ونهاية.
 
فالألفا والأوميجا لا تعنيان أن المسيح يمتلك خطًا زمنيًا أطول من خطوط حياتنا، وإنما تعلنان عن هويته التي لا يقيسها الزمن.
 
وما زالت تلك الشرطة الصغيرة تدهشني؛ لا لأنها تختصر حياة الإنسان، بل لأنها تكشف كم يسهل علينا أن نخلط بين ما نستطيع قياسه وما نستطيع فهمه.