الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

عزيزي الأستاذ توفيق،
عرفتُك عندما كنت أدرس الفلسفة. فلأعترف إذًا بأنّني دخلتُ إليك من باب الفلسفة، لا من باب الأدب، على عكس نجيب محفوظ الذي دخلتُ إلى عالمه من باب الأدب، فقـادني إلى الفلسفة. وهكذا أغويتني أنت بالفلسفة نحو الأدب، وأغواني محفوظ بالأدب نحو الفلسفة. ولا أعرف أيّكما يتحمّل مسؤوليّة ما حدث لي بعد ذلك، لكنّني أعرف أنّني مدين لكما بالكثير!

قرأتُ لك «أهل الكهف»، و«السلطان الحائر»، و«أرني الله»، و«حماري قال لي»، و«شمس النهار»، و«حمار الحكيم»، و«يوميّات نائب في الأرياف»، و«مصير صرصار»... واكتشفتُ معك أنّ الفلسفة تستطيع أن تخرج من قاعات الدراسة، وتخلع ثوبها الأكاديميّ الثقيل، وتجلس معنا في المقهى، بل وتتحدّث على لسان حمار!

وبالمناسبة، يا أستاذ توفيق، كيف حال حمارك؟
أتصوّر أنّه كان سيستقبل رسالتي بترحاب أكبر من بعض الفلاسفة الذين عرفتهم. فقد اكتشفتُ أنّ بعض الناس يدرسون الفلسفة طويلًا من دون أن يتعلّموا التفكير، بينما استطعتَ أنت أن تجعل حمارًا يطرح أسئلةً تستحقّ أن تُناقَش في كليّات الفلسفة. وأتساءل عمّا كان سيقوله لو عاد اليوم إلى مصر. أخشى أن يستمع إلى نشرات الأخبار، ويتأمّل أحوال الناس، ثمّ يقرّر أنّ الصمت أكثر حكمةً من الكلام.

ولم تكن علاقتي بك محصورةً في قراءاتٍ في أوقات الفراغ. أتذكّر أنّني، عندما كنت أدرس اللغة والأدب الفرنسيَّين في جامعة شارل ديجول – لييل الثالثة، اخترتُ في أحد أبحاثي أن أقارن بين مسرحيّتك «مصير صرصار» (١٩٦٦) وكتاب ألبير كامو «أسطورة سيزيف» (Le Mythe de Sisyphe، ١٩٤٢). ولا أدري إنْ كنتَ ستسعد بهذه المقارنة أم ستعترض عليها، فقد وضعتُ صرصارك المسكين إلى جانب أحد أشهر أبطال الأساطير اليونانيّة!

وجدتُ بينهما قرابةً عجيبة. فسيزيف يدفع صخرته إلى قمّة الجبل، وكلّما اقترب من القمّة تدحرجت إلى أسفل، فيعود ليبدأ من جديد. أمّا صرصارك فيحاول الخروج من حوض الاستحمام، ويتسلّق جدرانه، ويسقط، ثمّ يعاود المحاولة. وأمام هذَين المصيرَين سألتُ نفسي: ما الذي يدفع الكائن إلى مواصلة الكفاح حين يبدو النجاح مستحيلًا؟

لقد كتب كامو في ختام مقاله عبارته الشهيرة: «ينبغي أن نتخيّل سيزيف سعيدًا» (Il faut imaginer Sisyphe heureux). لكن هل ينبغي أن نتخيّل صرصارك سعيدًا أيضًا؟ أم أنّ المسكين كان يريد فقط الخروج من حوض الاستحمام، بينما كنّا نحن، معشر المثقّفين، نحمّله هموم الوجود والعبث والمصير الإنسانيّ؟ ومنذ ذلك الحين، أخشى أنّني إذا صادفتُ صرصارًا في الحمّام، فسأفكّر في كامو قبل أن أبحث عن مبيد الحشرات!

ولعلّ ما شدّني إلى «مصير صرصار» هو السؤال الذي وجدته بأشكال مختلفة في أعمالك: ماذا يفعل الإنسان أمام واقع لا يفهمه أو يعجز عن تغييره؟ وقد عاد إليَّ هذا السؤال بصورة أكثر مأساويّة في «أهل الكهف».

أحببتُ هذه المسرحيّة حبًّا خاصًّا، لأنّني قرأتُها بعينَي طالب الفلسفة، وبقلب مسيحيّ يعرف الحكاية القديمة عن فتية أفسس، الذين نعرفهم في مصر باسم أصحاب الكهف. لقد أخذتَ حكايةً يتشاركها التراث المسيحيّ ومن بعده التراث الإسلاميّ، وحوّلتها إلى تأمّلٍ فلسفيّ في الزمن والحبّ والموت.

ففي التراث المسيحيّ يستيقظ الفتية ليشهدوا على إمكانيّة القيامة، أمّا عندك فيكتشفون أنّ العودة إلى الحياة لا تعني استعادة العالم الذي أحبّوه. وجعلتني أتساءل: هل يستطيع الإنسان أن يعيش خارج زمنه؟ وهل تكفي الحياة وحدها إذا فقد الأشخاص والعلاقات التي كانت تمنحها معناها؟ ولعلّك ستختلف معي، لأنّ القيامة في الإيمان المسيحيّ تعني الدخول في حياة جديدة تتجاوز الموت والزمن، بينما يكتشف أبطالك أنّ الزمن قد انتصر عليهم.

ومن الزمن الذي يقهر الإنسان في «أهل الكهف»، أخذتني إلى السلطة التي تظنّ أنّها قادرة على قهر كلّ شيء في «السلطان الحائر». لكنّك فاجأتني بسلطان يقبل أن يخضع للقانون، حتّى إن اضطرّ إلى أن يُباع في المزاد العلنيّ! والأطرف، والأكثر مأساويّة، أنّ القاضي، حارس القانون، يكاد يتحايل عليه لإنقاذ السلطان، بينما تُعطي المرأة التي يحتقرها المجتمع درسًا للجميع في الكرامة والأخلاق. السلطان يحترم القانون، والقاضي يحاول الالتفاف عليه، والمرأة التي يصفونها بالفساد تبدو أشرف من المدافعين عن الفضيلة! وهنا لا يسعني إلّا أن أتساءل: هل المشكلة في القوانين، أم في الذين يتولّون حراستها؟

وأخشى، يا أستاذ توفيق، أنّك لو عدتَ اليوم لما وجدتَ سلطانًا يقبل أن يُباع من أجل احترام القانون. بل قد لا تحتاج مسرحيّتك إلى المزاد أصلًا؛ فالقاضي سيصدر فتوى، والوزير سيصدر بيانًا، والمؤذّن سيؤذّن للفجر في منتصف الليل، ثمّ يخرج الجميع لتهنئة السلطان بانتصار دولة القانون!

ومن أسئلتك عن الزمن والسلطة، وصلتُ إلى سؤالك عن الله في «أرني الله». ولا أخفي عليك أنّ العنوان وحده كان كافيًا لإغراء طالب فلسفة يدرس اللاهوت. فقد أمضيتُ سنوات أقرأ بعض ما كتبه الفلاسفة واللاهوتيّون عن الله، واكتشفتُ أنّ سؤالًا يسيرًا يطرحه طفل قد يهزّ بناءً فلسفيًّا أمضى صاحبه سنوات في تشييده. وربّما كانت إحدى مشكلاتنا، نحن المؤمنين، أنّنا نتعلّم كيف نجيب عن الأسئلة، ثمّ ننسى كيف نندهش أمامها.

ولم تتركنا طويلًا في عالم الأسئلة الميتافيزيقيّة، بل أعدتنا إلى أرض مصر في «يوميّات نائب في الأرياف»، إلى عالم المحاكم والبيروقراطيّة والظلم، وإلى المصريّ المسكين الذي لا يجد وقتًا للتفكير في العبث الفلسفيّ، لأنّه مشغول بعبث أكثر إلحاحًا: كيف يعيش يومه، وكيف يحصل على حقّه، وكيف ينجو من موظّف حكوميّ!

لقد أعادتني هذه الرواية إلى مصر التي أحبّها وأغضب منها في الوقت نفسه، مصر التي تستطيع أن تُضحكك وتُبكيك في الصفحة نفسها. وكم من مرّة شعرتُ بأنّ صفحاتها يمكن أن تُنشر اليوم من دون أن ينتبه القارئ إلى أنّها كُتبت منذ عقود! ولست أدري أكان ذلك دليلًا على عبقريّتك في فهم المجتمع المصريّ، أم دليلًا على عبقريّتنا نحن المصريّين في المحافظة على مشكلاتنا كأنّها جزء من التراث الوطنيّ!

أتعرف يا أستاذ توفيق؟ كلّما تقدّمتُ في دراسة الفلسفة واللاهوت، ازددتُ اقتناعًا بأنّ الإنسان يحتاج إلى الأدب كي لا يتحوّل فكره إلى منظومة مغلقة. يستطيع الفيلسوف أن يبني مفهومًا دقيقًا عن العدالة، لكنّ الروائيّ أو المسرحيّ يضع أمامه إنسانًا مظلومًا، فيكتشف الفيلسوف أنّ مفهومه لا يكفي وحده لفهم المأساة. ولهذا أحببتُ فيك قدرتك على جعل الأسئلة الفلسفيّة تعيش على خشبة المسرح، وفي إحدى قرى مصر، بل وفي حوار مع حمار. لقد علّمتني أنّ الضحك قد يكون طريقةً جادّة جدًّا في التفكير.

وبما أنّني بدأتُ رسالتي بالسؤال عن حمارك، فلا يصحّ أن أختمها من دون العودة إليه.

قل لي يا أستاذ توفيق، لو عاد حمارك اليوم إلى مصر، هل سيظلّ قادرًا على الكلام؟ أم سيكتشف أنّ الكلام أصبح مهنةً خطيرة، فيقرّر أن يعيش حمارًا عاديًّا، يأكل ويشرب وينهق عند الضرورة، ويترك الفلسفة لأصحابها؟

أتخيّله يتجوّل في شوارع القاهرة، ويستمع إلى أحاديث الناس ونشرات الأخبار، ثمّ يعود إليك مكتئبًا ويقول: «يا أستاذ توفيق، لقد ظلمتَ الحمير حين شبّهتَ بها بعض البشر!». وربّما يطلب منك أن تكتب كتابًا جديدًا بعنوان «حماري اعتزل الفلسفة». فالحمار العاقل اليوم هو الذي يعرف متى يصمت، ومتى يتظاهر بأنّه لم يفهم شيئًا. هل ترى المأساة يا أستاذ توفيق؟ لقد كتبتَ عن العبث، أمّا نحن فأصبحنا نعيشه. والفارق أنّ شخصيّاتك تستطيع مغادرة المسرح بعد انتهاء العرض، بينما لا نعرف نحن أين يقع باب الخروج!

أمّا حمارك، فأرجوك أن تُبقيه عندك. فقد أصبحنا في حاجة ماسّة إلى الحكماء، ولا أريد أن نُخاطر بآخر حمار يفكّر!
مع مودّتي وامتناني،
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ