صلاح الغزالي حرب
تابعت الجلسة الحوارية التى دارت حول ملف الصحة والسكان بعنوان (أين نحن.. والى أين نتوجه؟) بمشاركة وزير الدولة للإعلام د. ضياء رشوان وعدد كبير من الصحفيين والإعلاميين، وأستطيع القول إن السيد وزير الصحة ساهم فى محاولات النهوض بالخدمات الصحية بقدر ما يستطيع، ولكن الحقيقة المرة هى ما سبق أن سجلته فى مقالاتى والتى تقول إن المواطن المصرى الذى يصاب بالمرض يكون كمن دخل نفقًا كبيرًا لا يعرف متى وكيف يخرج منه! وهو ما شعرت وأشعر به فى لقاءاتى الكثيفة مع المرضى.. وسوف أتحدث اليوم عما يطلبه وما يحلم به المريض.. وهو حقه كما جاء فى الدستور المصرى.

أولًا: مهزلة العلاج على نفقة الدولة والتى لا أعلم من صاحبها.. فالمريض فى كل أنحاء الدنيا عندما يشعر بالمرض يتوجه إلى أقرب مستشفى للكشف عليه وإجراء اللازم له بحسب الدستور، ولكننا فى مصر نطالب المريض بالتوجه إلى المستشفى ليتم الكشف عليه ثم يرسله إلى هيئة من عدة أطباء لتحديد المرض ويتم تحديد مبلغ من المال يذهب به إلى المستشفى بعد عدة أيام؟! فهل هذا يليق بالمريض المصرى المتألم؟ ولمصلحة من؟ وما وظيفة المستشفيات الحكومية؟ وماذا قال الدستور المصرى فى المادة 18 التى تنص على أن لكل مواطن الحق فى الصحة وفى الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة؟.. وأتذكر لقائى بوزير التخطيط الأسبق أ. د. عثمان محمد عثمان، يرحمه الله، فى مكتبه حين شرحت له الأمر وقد تعجب كثيرًا من هذا الإنفاق المزدوج لميزانية الدولة المنهكة ووعدنى بدراسة الوضع.. وقد أعلن السيد وزير الصحة أن هناك 14 ألف قرار على نفقة الدولة يوميًّا!! بتكلفة 25 مليون جنيه! وأضاف أن إجمالى القرارات يصل إلى نحو 343 ألف قرار شهريًا ونحو 4 ملايين قرار سنويًا بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 34 مليار جنيه سنويًا لعلاج غير القادرين الذين لا تشملهم مظلة التأمين الصحى؟ أليس ذلك إنفاقًا مزدوجًا من الميزانية فى وجود المستشفيات الحكومية التى بالقطع تتسلم عدة ملايين شهريًا أو سنويًا لكى تقوم بدورها فى علاج المريض؟ والمطلوب فقط اختيار سليم لكل مدير مستشفى حكومى مع مراقبة جادة للإنفاق مع تيسير وجود الأطباء وطابق التمريض الكافى والعلاج بأنواعه لكل مريض.. ويجب أن تكون الأولوية فى الإنفاق على الصحة والتعليم كما حدث فى كل الدول التى نجحت فى أنحاء العالم المتقدم.

ثانيًا: خصخصة المستشفيات الحكومية والتى قال عنها السيد وزير الصحة إن الخصخصة تستهدف دعم المنظومة الصحية ولصالح المريض المصرى! وللأسف فإن هذه الخصخصة أدت إلى احتمالية تقليص العلاج المجانى مع ارتفاع الأسعار على محدودى الدخل، وحدث ذلك فى عدة مستشفيات ويمكن للإعلام أن يدرس بجدية رأى المريض فى هذا الأمر.. وقد طرحت وزارة الصحة 5 مستشفيات كبيرة وهى مبرة المعادى وهليوبوليس والعجوزة وهرمل والشيخ زايد أمام القطاع الخاص! كما أعلنت الهيئة العامة للاستثمار عبر موقعها الرسمى عن طرح 18 مستشفى حكوميًا ضمن منظومة التزام المرافق العامة بحجة تطويرها وتحسين الخدمة العلاجية المقدمة للمواطنين!! وحقيقة الأمر وعلى أرض الواقع فإن العبء أصبح شديدًا على الغالبية العظمى من المواطنين ويمكن ببساطة التحدث مع المرضى لمعرفة الحقيقة.

إن مستشفياتنا الحكومية والجامعية تحتاج إلى علاج لائق مهما كانت التكلفة من أجل السواد الأعظم من المرضى المصريين.

ثالثًا: كارثة هجرة الأطباء.. يبلغ عدد الأطباء المقيدين فى نقابة الأطباء نحو 350 ألفًا إلا أن أكثر من نصف هذا العدد بين مهاجر أو تارك المهنة كليًّا.. وهناك فجوة مالية بين أطباء التأمين الصحى الشامل ونظرائهم فى المنظومة رغم تطابق العمل! ولا أعرف من أمر بهذا التجاوز بين الأطباء ومن أين جاء بالنقود بعيدًا عن ميزانية الدولة؟ ولماذا لم يحاسب؟ بالإضافة إلى ضعف الحماية داخل المستشفيات وتراجع التدريب فى غياب منظومة واضحة للتعليم الطبى المستمر وسط توسع فى أعداد الخريجين دون تحتية لاستيعابها بالإضافة إلى الملاحقة القضائية والتعنت الإدارى ونقص الأدوية والأجهزة وقرارات تعسفية بمنع الإجازات أو رفض الاستقالات بدلًا من معالجة جذور المشكلة (هناك غضب شديد عند المرضى الذين يلجأون إلى التأمين الصحى القديم لأسباب مختلفة وتحتاج إلى وقفة من وزارة الصحة).

رابعًا: مشكلة زيادة السكان.. المشكلة السكانية فى مصر هى عدم التوازن بين عدد السكان السريع النمو وبين الموارد والخدمات.. ومن آثارها السلبية تراجع المستوى المعيشى للأسر وزيادة معدلات الفقر؛ مما يضع أعباء هائلة على الدولة لتوفير خدمات التعليم والصحة والمواصلات، ويؤدى ذلك إلى نقص نصيب الفرد من المياه والغذاء، كما تساهم فى ظهور العشوائيات وزيادة البطالة والزحف على الأرض الزراعية.. وأرى أن نعود مرة أخرى إلى وزارة خاصة للسكان مع وجود قامات كثيرة فى هذا المجال مع توفير كل ما يلزم لنجاح هذه المشكلة الخطيرة فى الأوضاع الراهنة وهناك وزارات كثيرة يمكن أن تساهم فى حل هذه المشكلة ونترك وزارة الصحة لأعبائها الجمة.

خلاصة القول.. هناك خلل واضح فى ترتيب الأولويات يتطلب ضرورة التركيز على التعليم والصحة وزيادة السكان فى المقام الأول.
نقلا عن المصرى اليوم