بقلم: نادر شكري
ليست القضية مجرد مقطع فيديو قصير أعاد ستة شباب مسيحيين من قرية طحا الأعمدة بمركز سمالوط في المنيا تمثيل مشهد كوميدي من فيلم «خلاويص»، لكنها تفتح الباب أمام أسئلة أكبر تتعلق بالمساواة أمام القانون، وحدود حرية التعبير، وخطورة تحويل الوقائع الفردية إلى وقود لإشعال الفتنة الطائفية وتأجيج خطاب الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.
فقد أثار حبس الشباب الستة بالمنيا، ومن بينهم طفل لم يبلغ الثامنة عشرة، على خلفية إعادة تمثيل مشهد من فيلم عُرض في دور السينما المصرية عام 2018، موجة من التساؤلات المشروعة: لماذا تحوّل مشهد فني معروف، جرى تداوله وإعادة تمثيله مرارًا على منصات التواصل الاجتماعي، إلى قضية تستدعي الحبس عندما قام بتجسيده شباب مسيحيون؟ وهل كانت ردود الفعل والإجراءات نفسها ستحدث لو كان أصحاب الفيديو من خلفية دينية أخرى؟
هذه الأسئلة لا تعني التقليل من مشاعر أي مواطن مسلم إذا شعر بالإساءة إلى شعائره الدينية، ولا تعني أن السخرية من المعتقدات أو استهداف مشاعر الآخرين أمر مقبول، لكنها تعني أن التعامل مع الوقائع يجب أن يستند إلى القانون، والأدلة، والتناسب، والمساواة، بعيدًا عن الانفعالات والضغوط الطائفية.
مشهد عُرض منذ 2018.. فلماذا تحوّل إلى أزمة الآن؟
فيلم «خلاويص» عُرض عام 2018، واحتوى على مشهد كوميدي يتناول مجموعة من المساجين يستعدون للصلاة، بينما لا يحفظ بعضهم الآيات اللازمة لإتمامها. وبالبحث عن عبارة «ساووا الصفوف» على منصة «تيك توك» يُظهر مئات المقاطع التي تحاكي المشهد نفسه باستخدام التسجيل الصوتي ذاته لمواطنين غير أقباط.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان المشهد قد عُرض في عمل فني حصل على موافقة الرقابة على المصنفات الفنية، وإذا كان قد أُعيد تجسيده في مقاطع متعددة على منصات التواصل الاجتماعي، فلماذا انفجرت الأزمة بهذه الصورة عندما قام شباب مسيحيون بإعادة تمثيله؟
هل تغيّر مضمون المشهد بحسب هوية من يعيد تمثيله؟ وهل يصبح الفعل نفسه مقبولًا في حالة، ثم يتحول إلى جريمة تستوجب الحبس في حالة أخرى؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بتبرير كل ما يُنشر على مواقع التواصل، وإنما بتطبيق معايير قانونية واضحة على الجميع، والتحقق من طبيعة الفعل وسياقه وقصده، وعدم ترك تحديد المسؤولية القانونية للضغوط الشعبية أو لحملات التحريض.
وإذا كانت هناك شبهة مخالفة للقانون في إعادة تمثيل المشهد، فمن حق جهات التحقيق فحصها وفقًا للقانون، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يعرف ما المعايير التي يُحتكم إليها، وكيف تُطبَّق على الوقائع المتشابهة، ولماذا تختلف النتائج من حالة إلى أخرى.
هل يُحاسَب الشباب وحدهم.. وماذا عن صناع الفيلم؟
من الأسئلة التي تفرض نفسها كذلك: إذا كان المشهد نفسه هو أساس الاتهام، فهل ستُعاد مراجعة مسؤولية صناع الفيلم الذين قدموه للجمهور منذ عام 2018؟ وهل سيُلاحق كل من أعاد تجسيده قبل الواقعة الحالية؟ أم أن المسؤولية ستظل مرتبطة بهوية الأشخاص الذين ظهروا في الفيديو الأخير؟ لا يعني هذا التساؤل أن صناع الفيلم ارتكبوا بالضرورة مخالفة، ولا أن كل من أعاد تمثيل المشهد يستحق الملاحقة. بل على العكس، إنه يكشف ضرورة التمييز بين العمل الفني، والسياق الذي قُدِّم فيه، وطريقة إعادة استخدامه، والقصد من نشره، والأثر المترتب عليه.
وبحسب ما أعلنته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن الشباب أوضحوا خلال التحقيقات أنهم صوروا المقطع ونشروه بصورة عفوية، ثم حذفوه بعد ساعات من نشره، قبل أن يعيد أحد سكان القرية نشره وتتوالى التعليقات التي تضمنت تحريضًا ضدهم وضد أسرهم ومسيحيي القرية. وهذه التفاصيل، إن ثبتت أمام جهات التحقيق، يجب أن تكون جزءًا من تقييم الواقعة، لا أن تُهمَل أمام ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي.
القانون لا يتجزأ.. وأين المساواة في الوقائع الأخرى؟
إن أخطر ما في هذه القضية ليس فقط مصير الشباب الستة، بل الانطباع الذي قد يتكون لدى قطاع من المواطنين بأن القانون لا يُطبَّق بالمعايير نفسها على الجميع، وأن بعض الفئات قد تجد نفسها أكثر عرضة للملاحقة عندما يتعلق الأمر بالمعتقدات الدينية.
فإذا كان القانون هو المرجعية، فيجب أن يكون المرجع نفسه في كل واقعة مماثلة، بصرف النظر عن ديانة المتهم أو هوية الشخص الذي يدّعي وقوع الإساءة عليه. وإذا كانت هناك حدود قانونية للتعبير عن المعتقدات الدينية أو تناول الشعائر، فلا ينبغي أن تتحول هذه الحدود إلى أداة انتقائية تُستخدم في اتجاه دون آخر.
وفي المقابل، تظل هناك تساؤلات تستحق إجابات واضحة بشأن البلاغات التي قُدِّمت، بحسب ما يُثار في المجال العام، ضد محتويات ومنشورات اعتبرها مسيحيون مسيئة إلى عقيدتهم أو رموزهم الدينية، ومن بينها ما نُسب إلى دينا المصري، إلى جانب صفحات وحسابات تنشر محتوى يراه متابعون تحريضيًا أو ازدراء ضد المسيحيين.
إن تطبيق القانون في اتجاه واحد، أو ترك انطباع بأنه يُطبَّق بصورة انتقائية، لا يحقق العدالة، بل يمنح المتشددين فرصة للصيد في المياه العكرة، ويعزز الشعور بالتمييز، ويفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان الطائفي.
لا تمنحوا المتشددين فرصة لإشعال خطاب الكراهية
في مثل هذه الأزمات، تصبح مسؤولية النخب الدينية والإعلامية والسياسية أكبر من أي وقت مضى. فهناك من يسعى إلى استغلال كل واقعة ذات طابع ديني لإعادة إنتاج خطاب الكراهية، وتصوير الخلاف الفردي باعتباره صراعًا بين المسلمين والمسيحيين، وكأن المجتمع منقسم إلى معسكرين متواجهين.
وهذا أخطر ما يجب التصدي له.فلا يجوز تحميل المسيحيين مسؤولية تصرف فرد، كما لا يجوز تحميل المسلمين مسؤولية تعليقات تحريضية صدرت عن بعض الأشخاص. التعميم هو الوقود الذي تتغذى عليه الكراهية، وتحويل الواقعة إلى مواجهة دينية يفتح أبوابًا لا تخدم سوى دعاة الانقسام.. فالحقوق لا تتعارض، والكرامة الإنسانية ليست امتيازًا تمنحه الأغلبية أو تسحبه، بل هي حق أصيل لكل إنسان.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي وقف حملات التحريض ، وعدم تداول المحتوى الذي يستهدف إشعال الفتنة، والامتناع عن إطلاق أحكام جماعية على المواطنين بسبب دينهم. كما تقتضي أن تتعامل وسائل الإعلام مع الواقعة بمهنية، فلا تضخم الانقسامات، ولا تضع أبناء الوطن الواحد في مواجهة بعضهم البعض.
إن حماية السلم الأهلي لا تتحقق بإسكات طرف أو حبس أفراد لإرضاء الغاضبين، بل بإزالة أسباب الشعور بالظلم، وإعلاء قيمة المواطنة، والتأكيد أن الدولة هي المرجعية الوحيدة للفصل في النزاعات، وليست الضغوط الطائفية.
العدالة هي الطريق إلى المواطنة
تأتي قضية سمالوط'> شباب سمالوط في وقت تحتاج فيه مصر إلى تعزيز الثقة بين مواطنيها، وترسيخ مفهوم المواطنة الذي يجعل الانتماء الوطني أساسًا للحقوق والواجبات، لا الدين أو الطائفة أو الخلفية الاجتماعية.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس تجاهل مشاعر أي طرف، ولا التساهل مع أي إساءة تثبت مسؤولية مرتكبها، بل ضمان تحقيق عادل وشفاف، ومراجعة مدى تناسب الإجراءات مع الوقائع، وتطبيق المعايير القانونية نفسها على جميع المواطنين.
كما أن الإفراج عن الشباب الستة، إذا انتفت المبررات القانونية لاستمرار حبسهم، سيكون خطوة مهمة لاحتواء الأزمة، إلى جانب ضرورة مراجعة أوضاع كل من يُحتجز بسبب التعبير عن معتقده أو رأيه، مع ضمان عدم الإفلات من المساءلة في أي واقعة تثبت فيها مخالفة للقانون.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد دولة يُحتكم فيها إلى القانون، أم مجتمعًا تُحدَّد فيه مصائر الأفراد وفقًا لحجم الضغوط التي تُمارَس ضدهم على السوشيال ميديا؟
إن العدالة التي تُطبَّق على الجميع هي وحدها القادرة على حماية المسلم والمسيحي، وطمأنة المجتمع، وتجفيف منابع التطرف. أما العدالة الانتقائية، أو ما يبدو كذلك في نظر المواطنين، فهي تمنح المتشددين فرصة جديدة لتغذية الشكوك وإشعال خطاب الكراهية.
إن مصر لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى ما يجمع أبناءها. ولا تحتاج إلى تحويل مشهد كوميدي إلى معركة طائفية، بل إلى حوار مسؤول يضع الأمور في حجمها الحقيقي، ويترك الفصل في المسؤولية للقانون.





