بقلم وائل كمال سعد
أمين تنظيم حزب صوت الشعب
هناك أسئلة لا يجوز أن تظل بلا إجابة، وثروات وطنية لا يجوز أن تتحول إلى غنيمة في أيدي من يستخرجونها خارج القانون. وفي مقدمة هذه القضايا يأتي ملف التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية والمناطق الصحراوية والحدودية.
من سمح باستنزاف هذه الثروة؟ وأين تنتهي رحلة الذهب المستخرج بطرق غير مشروعة؟ ومن المسؤول عن حماية هذه الموارد ومراقبة انتقالها من باطن الأرض إلى الأسواق؟
هذه ليست أسئلة عابرة، بل أسئلة تتعلق بحق الدولة المصرية في ثرواتها، وحق الشعب في موارده، وهيبة القانون على كامل التراب الوطني.
الدهابة.. حين يتحول البحث عن الذهب إلى قضية دولة
لا نتحدث هنا عن كل من يعمل في مجال التنقيب عن الذهب، ولا عن كل من يسعى إلى الرزق في الصحراء؛ فهناك فارق واضح بين العمل المشروع والنشاط الذي يخالف القانون.
لكن حين تتحول أعمال التنقيب غير المرخص إلى استخراج للثروات دون سند قانوني، أو إلى نقل الذهب وبيعه بعيدًا عن الرقابة، فإن الأمر يتجاوز المخالفة الفردية ليصبح قضية تستحق التحقيق والمحاسبة.
ذهب مصر ليس ملكًا لمن يعثر عليه، ولا لمن يمتلك المعدات، ولا لمن يستطيع الوصول إلى المناطق النائية. إنه ثروة وطنية تخضع للقانون، ولا يجوز الاستيلاء عليها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية.
وإذا ثبت أن مجموعات تستخرج الذهب بصورة غير مشروعة، أو تهربه، أو تتربح منه بالمخالفة للقانون، فلا بد من مساءلة كل من يثبت تورطه، مهما كان موقعه أو حجم مصالحه.
الصحراء الشرقية ليست أرضًا بلا صاحب
إن اتساع المساحات الصحراوية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق لا ينبغي أن يتحولا إلى مبرر لغياب الرقابة أو ضعف المتابعة. فالمناطق النائية جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية، وثرواتها ليست مباحة، وحدود الدولة ليست خطوطًا على الخرائط فحسب، بل مسؤولية مستمرة تتطلب اليقظة والرقابة وتطبيق القانون.
والأخطر أن تتداخل أنشطة التنقيب غير المشروع مع نقل الخامات دون مستندات، أو تهريب الموارد، أو نزاعات بين مجموعات تتنافس على مواقع التعدين.
وهنا يصبح السؤال واجبًا: هل تمتلك الجهات المعنية حصرًا دقيقًا للمواقع التي يجري فيها التنقيب غير المرخص؟ وهل توجد متابعة واضحة لمسارات الذهب المستخرج؟ وما النتائج المعلنة للحملات التي تستهدف وقف هذه الأنشطة؟
المطلوب ليس إطلاق الاتهامات، بل كشف الحقائق بالأدلة، وإعلان نتائج الإجراءات القانونية، وتحديد المسؤوليات بوضوح.
من باطن الأرض إلى الأسواق.. أين تذهب الثروة؟
لا تكفي مصادرة معدات أو ضبط أفراد إذا ظلت حلقات أخرى من النشاط خارج نطاق الفحص والتحقيق. فمواجهة التنقيب غير المشروع تقتضي النظر إلى سلسلة النشاط كاملة: من الوصول إلى مواقع التعدين، إلى استخراج الخام، ثم نقله ومعالجته وبيعه.
ولهذا، فإن المطلوب هو تشديد الرقابة على تداول الذهب ومصادره، والتحقق من المستندات التي تثبت مشروعية استخراجه، وملاحقة شبكات التهريب والتربح غير المشروع متى كشفت التحقيقات عن وجودها.
كما يجب نشر بيانات واضحة عن نتائج الحملات، وحجم المضبوطات حيثما تسمح الاعتبارات القانونية والأمنية بذلك، والإجراءات التي اتُخذت بحق المتهمين، وما انتهت إليه القضايا أمام جهات التحقيق والقضاء.
فالمواطن من حقه أن يعرف كيف تُحمى ثروات بلاده، وكيف تُصان حقوق الدولة، وكيف تتحول الإجراءات المعلنة إلى نتائج قابلة للمتابعة والمساءلة.
القضية ليست ذهبًا فقط.. بل أمن واقتصاد وسيادة قانون
إن استمرار التنقيب غير المشروع، متى ثبتت وقائعه، لا يقتصر أثره على حرمان الدولة من حقوقها المالية، بل قد يمتد إلى الإضرار بالبيئة، وتعريض العاملين للخطر، وخلق مصالح اقتصادية خارج الرقابة، وإثارة نزاعات على مواقع التعدين.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه القضية يجب أن يجمع بين الحزم الأمني، والرقابة المالية، والتطبيق الصارم للقانون، وفتح أبواب العمل والاستثمار المشروع أمام الراغبين في ممارسة نشاط التعدين وفق الضوابط المقررة.
فالدولة القوية ليست التي تكتفي بإعلان المواقف، وإنما التي تفرض القانون، وتحمي الموارد، وتمنع تحويل الثروة العامة إلى مكاسب خاصة غير مشروعة.
نطالب بإجابات واضحة وإجراءات حاسمة
إننا نطالب الجهات المختصة بما يلي:
- إعداد حصر موثق للمناطق التي تشهد أنشطة تنقيب غير مرخص عن الذهب في الصحراء الشرقية والمناطق الحدودية.
- تكثيف الحملات القانونية والرقابية على مواقع التنقيب المخالف ومسارات نقل الذهب المستخرج منها.
- تتبع مصادر الذهب المتداول والتحقق من مشروعية استخراجه، ومحاسبة كل من تثبت مشاركته في التهريب أو الاستيلاء غير المشروع.
- إعلان نتائج الإجراءات المتخذة بشفافية، مع احترام سرية التحقيقات وقرينة البراءة.
- توفير مسارات قانونية واضحة لصغار المنقبين والعاملين في هذا المجال، حتى لا يُترك النشاط المشروع فريسة للفوضى أو الاستغلال.
- حماية الثروة المعدنية والبيئة الصحراوية، وضمان أن تعود عوائد الموارد الوطنية إلى الاقتصاد المصري وفقًا للقانون.
كلمة أخيرة: لا حصانة لمن يعتدي على المال العام
إننا لا نحتاج إلى اتهامات مرسلة، بل إلى حقائق موثقة. ولا نحتاج إلى خرائط مثيرة بلا مصادر، بل إلى خرائط دقيقة تستند إلى بيانات رسمية وتقارير موثوقة، تحدد مواقع النشاط المخالف وتساعد على محاسبته.
إذا ثبت أن هناك من يستخرج ذهب مصر خارج القانون، فلتتم محاسبته. وإذا ثبت وجود شبكات تهريب، فلتُكشف حلقاتها أمام جهات التحقيق. وإذا كان هناك قصور في الرقابة، فمن حق المجتمع أن يعرف أسبابه وأن يطالب بمعالجته.
إن ثروات مصر ليست ملكًا لعصابة، ولا امتيازًا لمن يفرضون نفوذهم في المناطق النائية، ولا فرصة للثراء على حساب حقوق ملايين المصريين.
ذهب مصر للمصريين، وثرواتها أمانة، وحماية المال العام واجب، وسيادة القانون يجب أن تسري على الجميع دون استثناء.
وائل كمال سعد
أمين تنظيم حزب صوت الشعب





