د.ماجد عزت إسرائيل
في الوقت الذي يشهد فيه العالم تطورًا غير مسبوق في وسائل الاتصال والإعلام الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري إعادة النظر في طبيعة الخطاب الإعلامي، ولا سيما ذلك الذي يتناول المؤسسات الدينية وقياداتها، لما قد يترتب عليه من آثار اجتماعية وروحية وقانونية تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
وما يُتداول تحت عنوان «التسريبات» بشأن بعض شؤون الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وإيبارشية سيدني بأستراليا، وما يصاحبه من اتهامات ومناقشات عبر بعض المنصات الإعلامية بالخارج، يضعنا أمام قضية جوهرية تتعلق بحدود حرية التعبير، وأخلاقيات العمل الإعلامي، واحترام الخصوصية، ومسؤولية الكلمة أمام المجتمع والقانون.
أولًا: ليست كل تسريبات حقيقة، وليست كل اتهامات دليلًا
إن إطلاق الاتهامات، مهما تكررت عبر المنصات الرقمية،لا يحولها إلى حقائق ثابتة. كما أن تقديم تسجيلات أو مراسلات دون التحقق المستقل من أصالتها وسياقها لا يكفي وحده لإثبات ما يُنسب إلى أصحابها. وفي عصر أصبحت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على توليد أصوات وصور ومحتويات يصعب أحيانًا التمييز بينها وبين المواد الأصلية، فإن المسؤولية المهنية تستوجب التحقق قبل النشر، لا الاكتفاء بالتداول وإثارة الجدل. ولا يعني ذلك أن المواد المنشورة مزيفة بالضرورة، وإنما يعني أن إثبات صحتها وسلامة سياقها أمر جوهري قبل بناء الاستنتاجات عليها.
ثانيًا: سيدني موضع القضية.. وسويسرا موضع المسؤولية الإعلامية
عندما تتعلق الادعاءات بأشخاص أو مؤسسات دينية في سيدني بأستراليا، بينما يجري نشرها من سويسرا، فإن اختلاف الحدود الجغرافية لا يلغي ضرورة احترام الحقوق القانونية للأفراد والمؤسسات. فالقانون السويسري يتضمن أحكامًا تتعلق بحماية السمعة والشرف والخصوصية، ومن بينها المادة 173 من القانون الجنائي السويسري المتعلقة بالتشهير، وفق شروط تطبيقها القانونية. كما أن النظام القانوني الأسترالي يتضمن قواعد لحماية السمعة والتعامل مع بعض أشكال الإساءة الرقمية. وهنا ينبغي التأكيد أن الإقامة في دولة أوروبية لا تمنح صاحب أي منصة إعلامية حصانة مطلقة من المسؤولية عما ينشره، كما لا تعني أن كل نقد أو تسريب يشكل مخالفة قانونية. فحرية التعبير حق أصيل، لكنها تقترن بمسؤولية التحقق، واحترام الحقوق الشخصية، والتمييز بين النقد المشروع والإضرار غير المشروع بالآخرين.
ثالثًا: الألقاب الإعلامية لا تمنح حصانة من المساءلة
إن العمل الإعلامي لا تُحدده كثرة الألقاب أو عدد المتابعين أو حجم المشاهدات، بل تحدده معايير الدقة والموضوعية والمصداقية واحترام حق الرد. فالصفة الإعلامية أو الحقوقية لا تعفي صاحبها من المسؤولية المهنية، ولا تجعل المنصة الرقمية جهة قضائية تختص بالفصل في صحة الاتهامات. ومن يطرح قضية تخص مؤسسة دينية أو شخصية عامة ينبغي أن يكون مستعدًا لتقديم مصادره وأدلته بالطرق المشروعة، وأن يمنح الأطراف المعنية فرصة عادلة للرد والتوضيح. أما الإصرار على تداول اتهامات غير متحقق منها، دون مراعاة آثارها على سمعة الأفراد وخصوصياتهم، فهو نهج يستحق المراجعة الجادة.
رابعًا: الكنيسة القبطية ليست فوق النقد.. ولكن كرامة أبنائها وقياداتها ليست مباحة
إن احترام قداسة البابا تواضروس الثاني وأصحاب النيافة الأساقفة والآباء الكهنة لا يعني مصادرة حق الآخرين في التساؤل أو النقد الموضوعي. فالكنيسة، بتاريخها الروحي والإنساني، لا تحتاج إلى إسكات النقد، وإنما إلى حوار مسؤول يقوم على الحقيقة والاحترام. وفي المقابل، لا يجوز تحويل الاختلاف مع أشخاص أو قرارات كنسية إلى اتهامات عامة تمس مؤسسة بأكملها دون أدلة كافية. إن إيبارشية سيدني، شأنها شأن سائر الإيبارشيات في بلاد المهجر، تعمل داخل مجتمع متعدد الثقافات، وتواجه تحديات رعوية واجتماعية وإنسانية تستحق الفهم والدراسة، بعيدًا عن التعميم والاستقطاب الإعلامي.
خامسًا: رسالة مباشرة إلى صاحبة ما يُعرف إعلاميًا بـ«تسريبات الفنكوش»
إننا ندعوكِ إلى مراجعة ما يُنشر من مواد واتهامات، والتحقق من مصادرها، والتوقف عن إعادة تداول أي محتوى لا تتوافر أدلة موثوقة على صحته أو يتضمن انتهاكًا غير مشروع للخصوصية. وإذا كانت لديكِ مستندات أو أدلة جدية على مخالفات، فإن الطريق المسؤول هو تقديمها إلى الجهات المختصة، مع المحافظة على الحق المشروع في الإبلاغ والنقد الصحفي المسؤول. أما تحويل المنصات إلى ساحات لإصدار الأحكام على الأشخاص والمؤسسات، فهو أمر لا يخدم الحقيقة، ولا يعزز الثقة في العمل الإعلامي. ولنتذكر أن الكلمة المنشورة لا تختفي بمجرد انتهاء البث، وأن المواد الرقمية يمكن الاحتفاظ بها وفحصها عند وجود نزاع قانوني. والوعي بالقانون ليس تهديدًا لأحد، بل تذكير بأن الحقوق تقابلها التزامات، وأن المسؤولية عن النشر لا تسقط لمجرد وقوعه عبر الإنترنت.
سادسًا: قبل القانون.. هناك دعوة مسيحية للمراجعة والتوبة
إن رسالتنا ليست دعوة إلى الخصومة الشخصية، ولا إلى الانتقام أو التشهير المضاد، وإنما دعوة صادقة إلى مراجعة الضمير والمسؤولية أمام الله والإنسان. يقول الكتاب المقدس: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ» (متى 5: 9).ويقول أيضًا: «فَاطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ» (أفسس 4: 25). إن التوبة في المفهوم المسيحي ليست هزيمة، والرجوع عن الخطأ ليس ضعفًا، وتصحيح المعلومات غير الدقيقة لا ينتقص من قيمة صاحبها، بل يعكس شجاعة أخلاقية واحترامًا للحقيقة. ومن هنا، تبقى الدعوة مفتوحة إلى العودة لروح الإنجيل، وإلى المحبة والسلام والحوار البناء، بعيدًا عن لغة الصدام وإصدار الأحكام.
ختامًا: الحكمة أن نراجع الكلمة قبل أن نُسأل عنها
إن الإعلام رسالة قبل أن يكون منصة، ومسؤولية قبل أن يكون شهرة، وأمانة قبل أن يكون انتشارًا. وما تحتاج إليه الكنيسة القبطية في بلاد المهجر هو خطاب واعٍ يسهم في البناء، وخدمة الفقراء والمساكين وأصحاب الاحتياجات الخاصة، وتدعيم الروابط الروحية والاجتماعية بين أبنائها. أما الاتهامات الجدية، فيجب التعامل معها بوسائل عادلة ومنضبطة، تحفظ حقوق المشتكين وحقوق من تُوجَّه إليهم الادعاءات على السواء. ولصاحبة المنصة نقول: راجعي ما تنشرين، وتحري الدقة، واحفظي خصوصيات الآخرين، ولا تجعلي الرغبة في إيصال الرسالة سببًا في تجاوز حدودها الأخلاقية أو القانونية. فليس كل ما يجوز قوله يحسن نشره، وليس كل ما يُتداول يصلح دليلًا. ويبقى الباب مفتوحًا للمراجعة والتصحيح والمصالحة، لأن غايتنا ليست إدانة الإنسان، وإنما حماية الحقيقة وصون الكرامة. فلتكن الكلمة للبنيان لا للهدم، ولتكن الحقيقة بالدليل لا بالتكرار، وليظل القانون ضامنًا للحقوق، والمحبة المسيحية سبيلًا للإصلاح.





