بقلم د. نادية هنري
أؤيد فتح نقاش جاد حول تعديل الدستور المصري، لا لأننا أمام استحقاق رئاسي قادم فحسب، بل لأن الدستور ينبغي أن يكون إطارًا حيًا ينظم الدولة، ويوازن بين سلطاتها، ويحمي حقوق مواطنيها، ويمنع استئثار أي طرف بالحكم.
لكنني أرى أن البداية يجب ألا تكون بحذف مادة أو إضافة أخرى، ولا بالاختلاف حول بقاء رئيس أو رحيله، بل بسؤال أعمق: ما شكل الدولة التي نريد بناءها، وما النظام السياسي القادر على إدارتها بكفاءة وعدالة واستدامة؟
نحتاج إلى مراجعة دستورية جادة تتناول توزيع السلطات بين رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان، واستقلال القضاء، وفاعلية الرقابة والمساءلة، وحرية الأحزاب والإعلام، وضمانات المشاركة السياسية وتداول السلطة.
فأنا لا أرى تعارضًا بين تعديل الدستور واحترام مبدأ تداول السلطة. على العكس، قد تكون بعض التعديلات ضرورية لتعزيز هذا المبدأ وحمايته. لكن يجب ألا تتحول مراجعة الدستور إلى وسيلة لتغيير قواعد الحكم لمصلحة مؤقتة أو لإطالة بقاء شخص في السلطة.
كذلك، لا ينبغي أن يتحول النقاش الدستوري إلى بديل عن مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. فالدستور وحده لن يحل أزمة الديون، ولن يقضي على الفساد، ولن يعيد بناء التعليم والصحة، ولن يضمن حسن إدارة الموارد. لكنه يستطيع أن يضع القواعد والمؤسسات والضمانات التي تساعد على تحقيق هذه الأهداف ومحاسبة المسؤولين عن تعطيلها.
ومن هنا، أرى أن الوقت مناسب لفتح حوار وطني جاد ومستقل، لا يقتصر على استعراض الإنجازات أو تبادل الاتهامات، بل ينتقل إلى تشخيص واقع الدولة وتحديد أولويات إصلاحها.
حوار يجيب عن أسئلة واضحة:
* ما نظام الحكم الأنسب لمصر، وكيف نحقق توازنًا حقيقيًا بين السلطات؟
* كيف نضمن استقلال المؤسسات وفاعلية الرقابة ومكافحة الفساد؟
* كيف نعيد بناء حياة حزبية وسياسية قادرة على إنتاج بدائل وبرامج واقعية؟
* كيف نواجه أعباء الدين العام، ونراجع أولويات الإنفاق، ونحمي حقوق المواطنين الاجتماعية والاقتصادية؟
* كيف نُعدّ كوادر وفرقًا تمتلك المعرفة والخبرة والنزاهة والقدرة على إدارة الدولة؟
* وما الضمانات التي تجعل تداول السلطة ممارسة دستورية فعلية، لا مجرد نص مكتوب؟
وإذا كان عام 2030 يمثل استحقاقًا رئاسيًا مقبلًا، فإن الاستعداد له يجب أن يبدأ الآن، ليس باختيار أسماء المرشحين مبكرًا، بل ببناء البيئة السياسية والمؤسسية التي تسمح بظهور بدائل حقيقية، وتنافس حر، وبرامج قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
فالرئيس القادم، أيًّا كان، لن يتسلم دولة تبدأ من الصفر، ولن يستطيع إصلاحها بقرار منفرد. ما يحتاج إليه هو مؤسسات قوية، وقواعد مستقرة، وحياة سياسية حقيقية، ومجتمع قادر على المشاركة والمساءلة.
نحن لا نحتاج إلى دستور أطول أو أقصر لمجرد الاختصار، ولا إلى تغيير شكلي في النصوص؛ بل إلى دستور واضح وملزم للجميع، يقيّد السلطة، ويحمي المواطن، ويضمن تداول الحكم، ويجعل مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص.
لسنا بحاجة إلى تجميل الواقع حتى نمنح الناس الأمل، ولا إلى إنكار ما تحقق حتى نعترف بما تعثر. نحن بحاجة إلى قراءة صادقة لما أنجزناه، وما أخفقنا فيه، وما يجب تغييره، وكيف يمكن تغييره.
فالسؤال ليس فقط: مَن سيحكم مصر بعد 2030؟ بل: أي دولة نريد أن يتسلمها، وبأي مؤسسات وقواعد وضمانات يستطيع أن يحكمها؟
إن الإصلاح الدستوري الحقيقي ليس معركة من أجل شخص أو ضده؛ بل مشروع لإعادة بناء الدولة، بحيث تبقى مصر أكبر من حكامها، ويظل المواطن غاية مؤسساتها، وتكون السلطة مسؤولية مؤقتة تخضع للمساءلة والتداول.





