حنان مفيد فوزي
كثيراً ما سُئلتُ: مَن تكون المرأة ولماذا هى محط أنظار وأذهان الفلاسفة والمؤرخين على مر الزمان؟ فقلت: بعيداً عن تفردها النابغ فى كل مجال وسيرتها العطرة فى كل عصر وإصرارها المستميت على ضرورة الوجود، وعنادها الجنونى فى حتمية البقاء، وعلى الرغم من الهالة الكينونية التى تتحصن بها من شر التمييز والجحيم والتضييق إلى آخر التعديات المجتمعية، هى تعى جيداً فى قرارة نفسها دون وسيط ماكر أو وكيل ناكر أنها منك وإليك أى من ضلعك خُلقت وإليك المصير، أما المعضلة فهى أنك لا تعى مَن هى وما قيمتها ومدى إتقانها فى تنوع أدوارها المسخرة لك — كأم وكأخت وكزوجة وكحبيبة وكابنة وكصديقة وكزميلة وكجارة — دون ملل أو كلل، ومَن يدرى ربما يروق لك ويشبع غرورك أن تتجاهل مقدراتها الآدمية وأهمها وأعظمها أنه حين نُسجت خيوط روحك كنت فى رحم امرأة وحين بكيت من صقيع الوحدة كنت فى حضن امرأة وحين تصالحت مع عشق الحياة كنت فى قلب امرأة، لكنك قطعت أحبالها السُّرّيّة الممدودة إليك يوم كَبِرت، وسلبت عذرية ثقتها المُرَسَّخة فيك يوم توحشت، وانتهكت أمان مشاعرها المبنية عليك يوم رحلت، ونسيت أو تناسيت لا فرق، أنها قطعة خزفية من البلور الشفاف إن مسستها برفق زاد لمعانها وإن كسرتها يوماً سيصعب عليك جمع أشلائها، وإن جمعتها لتلصقها من جديد فلن تُخفى بأية حال ندوبها وفى كل مرة تمرر يدك على الندوب ستتألم بجرح غائر لا يطيب، فلا شيء يطفئ نضارة امرأة كالقهر والجحود والاستغناء، ولا شيء يسرق عمر امرأة كانغماس سنواتها فى طريق بلا أمل، ولا شيء يربك امرأة كإحساسها بالحضور المؤقت حتى إشعار آخر، ولا شيء يهزم امرأة كحنين النهار بعد لقاء، وحنين الليل بعد فراق، ولا شيء يهين امرأة كالنظر إليها جسداً بلا روح وجمالاً بلا عقل.
فيا أيها السيد المتسيد فى الشارع والعمل والبيت، أن يسقط قناعك أمامها مرة فهذا مغفور لك، ولكن أن تعيد ارتداءه بنفس ذات الملامح المتهالكة فهذا يجعلك مثيراً للشفقة، لا تصدق الكذب الذى يرضيك ولا تكذب الصدق الذى يغضبك، فالرجل الحق فى نظر كل امرأة هو ذلك الذى يكون ناصحاً لها وليس معاقباً، واثقاً بها وليس مراقباً، رجلاً لها وليس عليها لأنها تتوق للعيش فى ظل رجل لا فى ذل رجل، صحيح أنها تكتمل بك لكنها لن تنقص بدونك، فإذا لم تقدر وجودها لن تُعظّم غيابك، ومن الأجدى بك أن تفرق بين الرجولة والفحولة لأنك تَخلط بينهما دوماً، الأولى يا سيدى الفاضل أسلوب متحضر، والثانية أداء متحرش، وعلى ذكر التحرش الذى بات قاسماً مشتركاً أعظم، مَن قال إنه ينحصر فى ملامسة الأجساد والتعدى بالألفاظ النابية فى الحارات المزنوقة؟ التحرش أنواع والمتحرشون كُثر والمواقع عدة، فهناك من يتحرش بالأحلام حتى لا تتحقق، ومن يتحرش بالقوانين حتى لا تُطبق، ومن يتحرش بالعلاقات حتى لا تترابط وتمتزج، وبالمثل، مروجو الشائعات متحرشون، وصانعو الفتن متحرشون، وقاطعو الأرزاق والأوصال متحرشون، وهل من مزيد؟ نعم ويزيد، سيطرة المال تحرش، واستغلال النفوذ تحرش، والتلاعب بالمشاعر تحرش، وإسقاط الحقوق تحرش، والتنصل من الواجبات تحرش، والادعاء تحرش، والنفاق تحرش، والفساد بكل أشكاله وطوابقه هو غدة التحرش التى تفرز سموماً فى كل شبر فى بلادى، ولأن التحرش صار ممنهجاً علينا أن نعيد الوعى الجمعى والخلقى لكافة أفراد المجتمع لنفرغ تلك الطاقات الذكورية المتحرشة فى قنوات شرعية تجلب لنا مهارات ولا تتحفنا بشهوات فنستثمرها بشكل يحقق لنا اكتفاءً ذاتياً واستقراراً نفسياً وأمنياً. هكذا تستقيم معدلات الحياة.
فالحق لا يُعطى لمن يصمت عنه، وعلى المرء أن يحدث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد بحق وحقيق، وبناءً عليه لا تسألنى مَن أنا وأنت تجهل مَن أنت، فأنا كل النساء فى امرأة واحدة. ولعل ما أخشاه ليس بكائن، ولعل ما أرجوه سوف يكون، ولعل ما هونت ليس بهيّن، ولعل ما شددت سوف يهون.
نقلا عن المصرى اليوم





