هاني لبيب
حضرت افتتاح المؤتمر الإقليمى «مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معًا»، الذى عقده مجلس كنائس الشرق الأوسط MECC، بالشراكة مع الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية CEOSS، فى 4 أكتوبر 2026.
استمعت إلى الكلمة الافتتاحية للدكتور أندريه زكى «رئيس الطائفة الإنجيلية» ود. ميشال عبس «الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط»، وسميرة لوقا «رئيس قطاع الحوار بالهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية»، ود. لورا أبى خليل «منسقة برنامج الحوار والتماسك الاجتماعى وتأهيل الكرامة الإنسانية بمجلس كنائس الشرق الأوسط».. ثم قرأت البيان الختامى بعنوان «شرعة القاهرة لمواجهة خطاب الكراهية وحماية الكرامة الإنسانية» للمؤتمر الذى انعقد خلال الفترة من 4 إلى 6 أكتوبر 2026. وبعيدًا عن عنوان البيان الختامى، أكدت الكلمات المذكورة والبيان الختامى رفض الكراهية والدفاع عن الكرامة الإنسانية، غير أنها لم تقدم تحليلًا كافيًا للأسباب السياسية والاجتماعية والمؤسسية التى تنتج عن الكراهية أو تغذيها؛ لأن إدانة الكراهية أخلاقيًّا وفكريًّا لا تعنى بالضرورة فهم آلياتها أو تحديد المتسبب لها.
وأتوقف هنا عند بعض الأفكار الجدلية المهمة:
أولًا: تناولت الكلمات «الكراهية» باعتبارها مسارًا يبدأ بالأفكار والصور النمطية، ثم سرعان ما يتحول إلى خطاب وسلوك يمكن أن ينتهى بالعنف، وهو طرحٌ يتجاهل أن الكراهية ربما تنتج عن صراعات السلطة والمصالح، ويمكن أن يتم توظيفها لمزيد من التمييز والإقصاء دون حدوث عنف مباشر. وفى هذا السياق، يمثل مفهوم «الأبلسة»، الذى ذكره د. عبس، وسيلة لفهم تصوير المختلف بوصفه شرًّا مطلقًا، ولكنه كمصطلح يحتاج إلى ضبط دقيق يميز بين نزع الإنسانية والإدانة الحقيقية للظلم والقهر والازدراء والتحريض.. حتى لا يتحول إلى مجرد مفهوم فضفاض.
ثانيًّا: يؤكد البيان الختامى حرية التعبير، وضرورة التمييز بين الرأى المشروع والتحريض.. غير أنه لم يحدد معايير هذا التمييز أو الضمانات التى تمنع استغلال قوانين مكافحة الكراهية للقمع والنقد. أعلم جيدًا أن المؤسسات والقوانين ليست محايدة بالضرورة، ومن المحتمل أن تتحول الجهة المنوط بها مكافحة الكراهية إلى طرف فى استمرار وجودها؛ لذا لا بد من تحديد مَن يملك سلطة تعريف مفهوم الكراهية، وأدوات مراقبة تلك السلطة، ومحاسبتها عند أى انحراف لاستخدامها.
ثالثًا: دعا المؤتمر كلًا من: الدول والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والمجتمع المدنى والأشخاص إلى المشاركة فى مواجهة الكراهية. وهو نوع من التعميم مخل للمساواة، لأن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق القيادات السياسية والمؤسسات السيادية التى تمتلك قدرة أكبر على تشكيل الرأى العام بقراراتها على غرار البرلمانات.. مع ملاحظة أن الدول ليست مجرد جهة لحماية المواطنين؛ لأنها ربما تنحرف بسياساتها وقوانينها، فتنتج المزيد من التهميش والإقصاء. حماية التعددية والهوية الوطنية تتطلب ضمان المساواة والعدالة فى الحقوق، وحفظ حق المواطنين فى الانتقاد الإيجابى للسلطة دون اتهامهم بتهديد تماسك المجتمع ووحدته.
رابعًا: أكدت الكلمات أن الرحمة والحوار والتسامح هى قيم أساسية فى مواجهة الكراهية، واستندوا فى ذلك إلى التعاليم الدينية والإنسانية. وأؤكد أن هذه القيم لا تنفى حق المظلوم ومحاسبة المعتدى وضمان الحقوق. الرحمة لا تعنى القبول بالظلم، والتسامح لا ينفى المسؤولية، والمصالحات تأتى بعد الاعتراف بالانتهاكات ومعالجة أسبابها.. وهو ما يتطلب خضوع الخطاب الدينى وممارسات المؤسسات الدينية للنقد، والتمييز بين القيم الإنسانية للنصوص الدينية، وأساليب تفسيرها وتوظيفها واستخدامها وتوجيهها.
خامسًا: ضمن ما تضمنته الكلمات الربط بين ما يجرى فى فلسطين وجنوب لبنان من قتل وتهجير وتدمير، والسؤال عن فاعلية منظومة الحماية الدولية.. وهى مقاربة تتطلب الانتقال من الإدانة النظرية للكراهية إلى تحديد المسؤوليات وتجريم الانتهاكات.. مع ملاحظة أن تمسك جميع الأطراف بالحوار والسلام يتجاهل تفاوت القدرة والقوة بين الدول التى تمارس الانتهاكات، وبالتالى لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى السلام بديلًا يتجنب رصد الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها. لا يجوز تطبيق المبادئ الإنسانية بصورة انتقائية.
سادسًا: ينص البيان الختامى على حرية التعبير والكرامة الإنسانية والهوية الوطنية والتعددية والمسؤولية المشتركة، ويدعو إلى تطوير التعليم والإعلام والسياسات العامة واستخدام التكنولوجيا، لكنه لم يقدم تعريفًا دقيقًا لمفهوم خطاب الكراهية، ولم يحدد بدقة كيفية معالجة التداخل بين الحقوق، وضمانات منع إساءة استخدام صلاحيات مواجهة خطاب الكراهية. وأجد أنه من الأهمية اقتران المبادئ التى تضمنها البيان الختامى بآليات واضحة للتنفيذ والمتابعة.
المشكلة ليست فى المبادئ والقيم الإنسانية التى يتبناها البيان الختامى، وإنما فى وسائل التطبيق وأدوات المتابعة سواء بتحقيق تلك المبادئ أو انتهاكها.
نقطة ومن أول السطر..
لا أختزل مواجهة الكراهية فى مجرد تغيير نظرتنا إلى الاختلاف، وإنما فى مدى تغيير الشروط السياسية والمؤسسية التى تسمح لبعض الأطراف ذات الصلة بالتحكم فى حقوق الآخرين ومكانتهم. بيان مؤتمر «مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معًا» يحتاج إلى التوافق بين حرية التعبير ومواجهة التحريض، وبين وحدة المجتمع واحترام تعدديته، وبين الرحمة والعدالة والمساواة، وبين تحديد المسؤوليات ومحاسبة المحرضين دون استثناء.. وهكذا يصبح البيان الختامى مرجعًا تطبيقيًّا متكاملًا.
نقلا عن المصرى اليوم





