د. رامي عطا صديق
تُشير أحدث الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن تعداد الأشخاص ذوى الإعاقة يُمثل نحو 10.64٪ من إجمالى تعداد السكان فى مصر، وإن كانت هناك إحصائيات أخرى منشورة تقول إن عددهم يبلغ حوالى 11.3 مليون شخص، بنسبة تقارب 11٪ من إجمالى السكان.
وعلى أى حال، فهم مواطنون يتمتعون بكافة حقوق المواطنة، وقد أكد الدستور المصرى الصادر عام 2014م، على كافة الحقوق والواجبات تجاه الأشخاص ذوى الإعاقة، وفقًا لما ورد ببعض مواد الدستور وهى المواد (53، 54، 55، 80، 81، 180، 214، 244)، من حيث تأهيلهم واندماجهم فى المجتمع وتمتعهم بحقوق الإنسان.
والشخص ذو الإعاقة، حسب القانون رقم (10) لسنة 2018م فى مادته الثانية، هو «كل شخص لديه قصور أو خلل كلى أو جزئى، سواء كان بدنيًا، أو ذهنيًا أو عقليًا، أو حسيًا، إذا كان هذا الخلل أو القصور مستقرًا، مما يمنعه لدى التعامل مع مختلف العوائق من المشاركة بصورة كاملة وفعّالة مع المجتمع وعلى قدم المساواة مع الآخرين».
وبحكم عملى أستاذًا جامعيًا، فإننى أتعامل مع طلاب «الدمج» من ذوى الاحتياجات الخاصة، والبعض منهم من ذوى الإعاقات الذهنية، ويعانى بعض آخر من إعاقات حركية، وبعض ثالث من إعاقات حركية وذهنية معًا. ووفق متطلبات العملية التعليمية وتحقيق جودتها فإنه يتم تخصيص ساعات مكتبية إضافية لذوى القدرات الذهنية المحدودة يلتزم بها أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، ويتم الرد عن أسئلتهم واستفساراتهم على مدار اليوم الدراسى، بل خلال الإجازة، حيث يتواصلون معنا ونرحب بهم. ونضع لهم امتحانات ذات طبيعة خاصة تقوم على الاختيار من متعدد أو أن نطلب منهم وضع علامة صح أو علامة خطأ أمام بعض العبارات تسهيلًا عليهم، حيث لا يستطيع بعضهم التعامل مع الأسئلة المقالية.
وخلال سنوات الدراسة الجامعية، فإنهم ينشغلون بالمحاضرات والتكليفات المطلوبة منهم، وبعضها تكون مشروعات جماعية، حيث يعملون مع زميلاتهم وزملائهم بقدر طاقتهم وبقدر استطاعتهم.
ولعل أكثر ما يشغل اهتمامى ويحتل مساحة من تفكيرى هو مستقبل هؤلاء الطلاب عقب التخرج فى الجامعة؛ فمن يستطيع أن يشغل وقتهم ويسد الفراغ الذى يترتب على ذلك؟ ومن يُبعد عنهم الشعور بالملل؟ حيث يتواصل معى بعضهم أو ذووهم بحثًا عن فرصة عمل مناسبة أو رغبة فى استكمال الدراسات العليا، حتى يتغلبوا على هذا الفراغ، ورغبة فى الحضور والمشاركة المجتمعية.
أقترح هنا أن تقوم منظمات المجتمع المدنى، من جمعيات ومؤسسات أهلية، وكذلك رجال وسيدات الأعمال فى شركاتهم ومصانعهم، باستيعاب المزيد من هؤلاء الخريجين من ذوى الاحتياجات الخاصة، ودمجهم فى «دولاب» العمل وشغل أوقاتهم، ولو بشكل جزئى على مدار الأسبوع، ما يعزز استقلاليتهم، وينمّى قدراتهم، ويتيح لهم المشاركة الفعّالة فى المجتمع، مع تقديم أجور ومكافآت عادلة تتناسب مع طبيعة العمل والجهد المبذول، وإن كان يمكن خصمها من الضرائب تشجيعًا من جانب الحكومة على دمج ذوى الاحتياجات الخاصة فى المجتمع، وتسهيلًا على الآباء والأمهات، الذين أوجه لهم تحية واجبة من القلب، لما بذلوه من تعب وجهد كبير مع هؤلاء الأبناء والبنات حتى وصلوا بهم إلى هذه المرحلة من الدراسة.
كذلك، التوسع فى الأنشطة المُقدّمة لذوى الاحتياجات الخاصة فى مراكز الشباب والأندية الرياضية وقصور الثقافة والمكتبات، ومن جانب آخر وضع مسارات تعليمية ومهنية متنوعة، تراعى قدرات هؤلاء الأشخاص وميولهم، وبحسب استعداد كل منهم والفرص المُتاحة.
وأمامنا تجارب ناجحة مثل تجربة الدكتورة ندى ثابت، التى يُلقبها البعض بـ«أم المعاقين»، حيث أسست قرية الأمل للتنمية والتأهيل الاجتماعى للأشخاص ذوى الإعاقة فى منطقة برج العرب بالإسكندرية، انطلاقًا من تجربتها الشخصية مع ابنها، الذى لم تجد له خدمات مناسبة، فأسست هذا المشروع، بهدف دمج الأشخاص ذوى الإعاقة فى المجتمع وتنمية مهاراتهم، من خلال: التأهيل الاجتماعى، والتدريب المهنى والإنتاج، والدمج المجتمعى، والتمكين الاقتصادى. وهم يعرضون منتجاتهم فى الأسواق التجارية الكبيرة، وفى مراكز تابعة لوزارة التضامن الاجتماعى، وهى تجربة تستحق الدعم والمساندة.
نقلا عن المصرى اليوم





