بقلم: مواطن مصري (عزت بولس)
تصريح الرئيس.. وما بعد التصريح
تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن عدم تعديل الدستور وعدم الترشح مجددًا يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز التصريحات نفسها، ويتعلق بما يمكن أن تنجزه الدولة المصرية خلال السنوات المتبقية من مدة الرئاسة.
أما المثقفون الحقيقيون، وأنصاف المثقفين وأرباعهم، وأصحاب المواقف التي تتبدل بتبدل الظروف والمصالح، فلكل منهم قراءته وتعليقه. وهناك أيضًا ذلك اليسار الذي يبدو أحيانًا وكأنه يحاول الجمع بين شعاراته القديمة وبعض المواقف المحافظة، حتى أصبح من الصعب معرفة أين ينتهي خطابه السياسي وأين تبدأ هويته الجديدة!
لكنني، بصفتي مواطنًا مصريًا، لا أريد أن أكتفي بتحليل التصريحات، أو أن أدخل في معركة لا تنتهي حول النوايا، ولا أن أكرر الجدل بشأن توصيف ما جرى في 23 يوليو 1952: هل كان ثورة أم انقلابًا؟ فليسمّه كل فريق بما يراه، وليقدم حججه كما يشاء.
ما يعنيني هو المستقبل، وما يمكن أن نفعله قبل انتهاء مدة الرئاسة الحالية.
ولا أريد أن أعيد الحديث عن أن رؤساء الجمهورية لم يعتادوا مغادرة مناصبهم بإرادتهم الشخصية في التاريخ المصري الحديث، أو أن أحوّل المسألة إلى محاكمة للتاريخ. ما أريده هو أن ننظر إلى السنوات المقبلة باعتبارها فرصة لإنجاز إصلاحات حقيقية تظل آثارها قائمة بعد انتهاء أي مدة رئاسية.
ومن هنا، أطرح على الرئيس مجموعة من المطالب والأفكار التي أراها ضرورية لبناء دولة حديثة، تحترم عقل المواطن، وتستثمر في الإنسان، وتتعامل مع العالم بثقة، وتترك وراءها مؤسسات أقوى من الأشخاص.
أولًا: تغيير المشهد الإعلامي وإعادة الاعتبار إلى الصحافة المصرية
آن الأوان لإعادة النظر في المشهد الإعلامي المصري، الذي أصبح بحاجة إلى مراجعة جادة وشاملة.
لقد عرفت مصر صحافة وإعلامًا تركا بصمة حقيقية في تاريخها الثقافي والسياسي، وكان بين رموزهما من امتلكوا القدرة على التحليل والنقد وإثارة الأسئلة، ومن جعلوا من الصحافة مهنة تحترم عقل القارئ، لا مجرد وسيلة لترديد خطاب واحد.
أما اليوم، فإن بعض الوجوه الإعلامية أصبحت، في نظر قطاعات من الجمهور، نموذجًا لفقدان المصداقية وتراجع المهنية، حتى بات ظهورها سببًا في نفور المشاهد بدلًا من جذبه.
والمطلوب ليس استبدال وجوه بوجوه أخرى لمجرد الاختلاف معها، ولا فرض قائمة جديدة من الأسماء على الشاشات، وإنما تغيير قواعد العمل الإعلامي نفسها.
نريد إعلامًا يسمح بتعدد الآراء، ويمنح مساحة للنقد الجاد، ويستضيف أصحاب الخبرة والكفاءة، ويحاسب المسؤولين عن المعلومات المضللة والتجاوزات المهنية وفق قواعد واضحة.
نريد صحافة تستطيع أن تسأل المسؤول: ماذا أنجزت؟ وأين ذهبت الأموال؟ ولماذا أخفقت هذه السياسة؟ وما البدائل المتاحة؟
فالإعلام الذي لا يستطيع طرح الأسئلة الصعبة لا يساعد الدولة على اكتشاف أخطائها، بل قد يجعلها أقل قدرة على تصحيحها.
إن إعادة الاعتبار إلى الصحافة المصرية ليست مسألة ترف، بل ضرورة لبناء مجتمع قادر على فهم ما يجري حوله، والمشاركة في مناقشة مستقبله.
ثانيًا: الدولة تتقدم بالعلم، لا بالدروشة
لا يمكن بناء دولة حديثة بالاعتماد على الخطاب الوعظي وحده، ولا باعتبار كثرة الشعائر والطقوس الدينية دليلًا كافيًا على التقدم الحضاري.
الإيمان شأن يحترمه المجتمع، وحرية الاعتقاد والعبادة حق أصيل، لكن إدارة الدولة تحتاج إلى العلم والبحث والتخطيط والتفكير النقدي، وإلى مؤسسات تتخذ قراراتها بناءً على الأدلة والخبرة والمصلحة العامة.
نحن بحاجة إلى ثقافة تقدر الطبيب والعالم والباحث والمهندس والمعلم، وتحتفي بالاكتشاف والابتكار بقدر ما تحتفي بالمظاهر والرموز.
فالدول لا تتقدم بمجرد ترديد الشعارات، وإنما بما تنتجه عقول أبنائها، وبما توفره لهم من فرص للتعلم والعمل والإبداع.
ولست أرى أي تعارض ضروري بين الإيمان والعلم، أو بين احترام الدين واحترام العقل. المشكلة تبدأ عندما يحل الخطاب الوعظي محل المعرفة، أو عندما تُناقش السياسات العامة باعتبارها مسائل تحسمها الشعارات بدلًا من الدراسات والبيانات.
أريد دولة يكون فيها التفوق العلمي مصدرًا للفخر الوطني، وتكون فيها الجامعات ومراكز البحث والابتكار في مقدمة أولويات الإنفاق والتخطيط.
فإذا أردنا أن ننافس العالم، فعلينا أن نمتلك أدواته في العلم والإنتاج، لا أن نكتفي بالحديث عن أمجاد الماضي.
ثالثًا: ثورة حقيقية في التعليم وبناء المدارس
إذا كانت هناك أولوية تستحق أن تتقدم على كثير من المشروعات، فهي إصلاح التعليم.
لا يكفي أن نبني مدارس جديدة أو نعلن عن تطوير المناهج، بينما يجلس عشرات التلاميذ في فصول مزدحمة، ويجد المعلم نفسه أمام أعداد يصعب معها الاهتمام بكل طالب على حدة.
المطلوب خطة واضحة لبناء المدارس، وتقليص الكثافات داخل الفصول، وتوفير المعلمين المؤهلين، وتحسين أجورهم وظروف عملهم، وتطوير المناهج لتعليم التفكير والفهم بدلًا من الحفظ والتلقين.
كما يجب أن تتاح للطلاب فرص حقيقية لممارسة الأنشطة العلمية والفنية والرياضية، وأن تصبح المدرسة مكانًا لاكتشاف المواهب وبناء الشخصية، لا مجرد محطة للحصول على شهادة.
ومن الضروري أيضًا الاهتمام بالتعليم الفني والتكنولوجي، وربطه باحتياجات سوق العمل، حتى لا يتخرج الشاب ليكتشف أن سنوات دراسته لم تمنحه المهارات التي يحتاج إليها.
إن الاستثمار في التعليم ليس بندًا يمكن تأجيله حتى تتحسن الظروف الاقتصادية؛ بل هو أحد الشروط الأساسية لتحسين هذه الظروف من الأساس.
وإذا كانت الدولة تريد أن تترك إنجازًا حقيقيًا للأجيال المقبلة، فلتكن المدارس الجيدة، والمعلم الكفء، والطالب القادر على التفكير، من أهم ما تتركه وراءها.
رابعًا: فصل المؤسسات الدينية عن إدارة السياسة
تقدمت تجارب أوروبية عديدة مع تطور العلاقة بين المؤسسات الدينية والدولة، وترسيخ مبدأ أن السلطة السياسية والتشريعية يجب أن تستند إلى المؤسسات المدنية والقواعد القانونية، لا إلى سلطة دينية تحتكر تحديد المصلحة العامة.
وليس المطلوب أن تنقل مصر تجربة أوروبية بحذافيرها، فلكل مجتمع تاريخه وظروفه، وإنما المطلوب أن نناقش بجدية طبيعة الدولة المدنية التي نريدها، وحدود تدخل المؤسسات الدينية في السياسة والتشريع والحياة الثقافية.
مصر بحاجة إلى دولة تحترم الدين، لكنها لا تجعل المؤسسات الدينية صاحبة الكلمة النهائية في كل قضية سياسية أو اجتماعية أو فنية.
للأزهر مكانته العلمية والدينية، وللكنيسة دورها الروحي والاجتماعي، لكن هذه المكانة لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة تفرض الوصاية على المجتمع أو تحتكر تفسير المصلحة العامة.
الدولة المدنية لا تعني محاربة الدين، ولا إقصاء المتدينين عن الحياة العامة، بل تعني أن المواطنة والحقوق والواجبات لا تتوقف على معتقد الإنسان، وأن إدارة الشأن العام تتم وفق الدستور والقانون، وبما يضمن المساواة بين المواطنين.
إننا بحاجة إلى نقاش وطني هادئ حول هذا الملف، بعيدًا عن التخوين والتكفير والمزايدات، لأن مستقبل الدولة لا ينبغي أن يظل رهينة لصراع دائم بين السياسة والخطاب الديني.
خامسًا: الأزهر والكنيسة للدور الديني، والفكر والفن للمجتمع
من حق الأزهر أن يقدم رؤيته الدينية، ومن حق الكنيسة أن تمارس دورها الروحي، ومن حق المواطنين أن يستفيدوا من الخطاب الديني أو يناقشوه أو يختلفوا مع بعض اجتهاداته.
لكن ليس من حق أي مؤسسة دينية أن تتحول إلى سلطة فوق المجتمع، أو أن تفرض وصايتها على الأدب والفن والفكر، أو أن تصبح مرجعًا إلزاميًا لكل قرار ثقافي أو سياسي.
أريد أن يتمكن الكاتب من مناقشة الأفكار، والفنان من التعبير عن رؤيته، والباحث من دراسة القضايا التاريخية والاجتماعية، من دون أن يتحول كل اختلاف إلى معركة اتهامات أو مطالبات بالمنع والمصادرة.
والأمر نفسه ينطبق على الجميع: حرية التعبير لا تعني إعفاء أحد من المسؤولية القانونية عن أفعاله، لكنها تعني أن الأصل هو الحوار والنقد والاحتكام إلى القانون، لا فرض الرأي بالقوة المعنوية أو الضغط الاجتماعي.
المجتمع الحر لا يخشى الأسئلة، ولا يعامل الاختلاف الفكري باعتباره تهديدًا، ولا يمنح أي جهة حصانة من النقد لمجرد أن لها مكانة دينية.
نريد مؤسسات دينية قوية في مجالها، ومؤسسات مدنية مستقلة في مجالها، ومواطنًا حرًا يستطيع التفكير والاختيار دون وصاية.
سادسًا: فرض الانضباط في الشارع وإنهاء العشوائية
لا يمكن أن نتحدث عن دولة حديثة بينما تتحول بعض الشوارع إلى مساحات للفوضى، وتتراجع فيها قواعد المرور، ويحتل البعض الأرصفة، وتُلقى المخلفات في الطرق، ويشعر المواطن أحيانًا أن احترام القانون أمر اختياري.
المطلوب تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ومواجهة الإشغالات والتعديات والقيادة المخالفة وإلقاء القمامة في الشوارع.
لكن الانضباط لا يعني القسوة على المواطن، ولا استخدام القوة بلا ضوابط. بل يعني وجود قواعد واضحة تطبق بعدالة، وإدارة محلية تتحمل مسؤوليتها، وشرطة تؤدي دورها في إطار القانون.
وعندما نطالب بتنظيم الباعة الجائلين، يجب أن نوفر لهم بدائل مناسبة تحفظ أرزاقهم وتمنع في الوقت نفسه احتلال الأرصفة وتعطيل حركة المواطنين.
وعندما نطالب بمنع التعديات، يجب أن تكون هناك آلية واضحة للشكاوى، ومحاسبة للمقصرين، وتطبيق للقانون على صاحب النفوذ كما يطبق على المواطن البسيط.
إن الدولة التي تريد احترام القانون عليها أولًا أن تجعله عادلًا وواضحًا وقابلًا للتطبيق على الجميع.
ولا أعتقد أن المواطن يطلب المستحيل حين يريد أن يسير على رصيف مخصص للمشاة، أو يعبر الشارع بأمان، أو يجد طريقًا خاليًا من العشوائية التي يمكن تجنبها بالتنظيم والرقابة.
سابعًا: صيانة المشروعات الكبرى قبل أن تتآكل
إنشاء الطرق والكباري والمرافق والمشروعات الكبرى خطوة، والحفاظ عليها خطوة لا تقل أهمية.
فما قيمة طريق جديد إذا تُركت حفره تتسع؟ وما جدوى إنشاء منشأة عامة إذا غابت عنها الصيانة الدورية؟ وما فائدة إنفاق الأموال على البنية الأساسية إذا لم توجد خطط واضحة للحفاظ عليها وإطالة عمرها التشغيلي؟
المطلوب وضع برامج معلنة للصيانة الوقائية، وتحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ، ومحاسبة المقصرين، ونشر بيانات دورية عن حالة الطرق والمرافق وتكاليف صيانتها.
كما ينبغي أن تتضمن دراسات المشروعات منذ البداية حسابات التشغيل والصيانة المستقبلية، لا أن ينصب الاهتمام كله على موعد الافتتاح والاحتفال به.
المشروعات ليست صورًا تُلتقط عند افتتاحها، ولا أرقامًا تُضاف إلى قوائم الإنجازات، وإنما أصول عامة يجب أن تخدم المواطنين لسنوات طويلة.
ومن حق المواطن أن يعرف كيف تُنفق أمواله، وما المخصص للصيانة، وما الخطط الموضوعة للحفاظ على الطرق والكباري وشبكات المياه والصرف الصحي والمباني العامة.
إن كفاءة الدولة لا تقاس بعدد المشروعات التي تنشئها فقط، بل بقدرتها على الحفاظ عليها وتشغيلها بكفاءة.
ثامنًا: تحويل النظافة إلى ثقافة وطنية
نظافة الشارع ليست مسألة تجميلية، ولا رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل هي جزء من الصحة العامة والكرامة الإنسانية والصورة الحضارية للبلد.
لكن لا يجوز أن نلقي المسؤولية كلها على المواطن، ولا أن نختزل المشكلة في نقص الوعي وحده.
النظافة تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل جمع القمامة بانتظام، وتوفير صناديق المخلفات، وتحسين خدمات الأحياء، ومراقبة أداء شركات النظافة، وتطبيق الغرامات على المخالفات وفقًا للقانون.
وفي المقابل، يجب أن تبدأ حملات توعية مستمرة في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، لترسيخ فكرة بسيطة: الشارع ملك للجميع، وما نفعله فيه يؤثر في حياة الجميع.
أريد أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها إلقاء القمامة في الشارع سلوكًا مرفوضًا اجتماعيًا، لا مجرد مخالفة قد يدفع صاحبها غرامة إذا ضُبط.
ومن الضروري أن نبدأ بالأطفال، وأن يتعلموا في المدارس أن المحافظة على نظافة الفصل والشارع والحديقة والمواصلات العامة مسؤولية مشتركة.
فالمظهر الحضاري لا تصنعه المباني الحديثة وحدها، بل تصنعه أيضًا طريقة تعاملنا مع الأماكن العامة واحترامنا لحقوق الآخرين.
ولا يصح أن ننفق على إنشاء المشروعات ثم نترك محيطها غارقًا في المخلفات أو الإهمال.
تاسعًا: السياحة ليست موسمًا للنصب على الأجانب
إذا كنا نتحدث عن السياحة باعتبارها أحد مصادر الدخل المهمة لمصر، فعلينا أن نتعامل معها باعتبارها صناعة متكاملة، لا مجرد وسيلة لتحصيل الأموال من الزائرين.
السائح الذي يأتي إلى مصر لا ينبغي أن يجد نفسه مضطرًا إلى خوض معركة يومية مع من يحاول استغلاله، أو مضايقته، أو فرض خدمات عليه، أو ابتزازه بحجة أنه أجنبي ولا يعرف الأسعار الحقيقية.
وأطالب بالتعامل الحاسم مع التحرش بالسائحات والسائحين، والمضايقات، والاحتيال التجاري، والمبالغة المتعمدة في الأسعار، وكل سلوك يسيء إلى سمعة مصر السياحية.
يجب تطبيق القانون على المخالفين، وتوفير قنوات سهلة لتقديم الشكاوى، وتنظيم عمل الباعة والمرشدين ومقدمي الخدمات السياحية، ووضع أسعار واضحة حيثما أمكن، وتدريب العاملين على التعامل المهني مع الزائرين.
كما يجب أن يشعر السائح بالأمان في الشارع، وأن يجد من يحميه إذا تعرض للتحرش أو الاحتيال، بدلًا من أن يضطر إلى التعامل مع المشكلة بمفرده.
السياحة ليست آثارًا عظيمة وشواطئ جميلة وفنادق فاخرة فقط؛ إنها أيضًا سلوك الناس، وكفاءة الخدمات، وشعور الزائر بالأمان والاحترام.
فلا يعقل أن ننفق الأموال للترويج لمصر في الخارج، ثم نترك بعض الممارسات الفردية تسيء إلى صورتها على أرض الواقع.
السائح الذي يغادر مصر بتجربة جيدة قد يعود مرة أخرى، وقد ينصح غيره بزيارتها. أما الذي يغادر وهو يشعر بأنه كان هدفًا للاستغلال، فقد يصبح دعاية سلبية لا تستطيع الحملات الإعلانية تعويضها بسهولة.
إن احترام السائح ليس مجاملة للأجنبي، بل احترام لمصر نفسها ولمصالح العاملين في قطاع السياحة.
عاشرًا: الهوية المصرية أولًا
أريد أن تعود الهوية المصرية إلى مكانتها الطبيعية في التعليم والثقافة والإعلام والحياة العامة.
لدينا تاريخ يمتد آلاف السنين، وشخصية ثقافية تشكلت عبر حضارات وتجارب متعددة، ولغة وثقافة وفنون وموسيقى وأدب أسهمت في تشكيل وجدان المنطقة العربية.
فلماذا لا نغرس هذا الوعي في نفوس أبنائنا منذ الصغر؟
الهوية المصرية ليست خصومة مع الدين، ولا إنكارًا للانتماء العربي، ولا قطيعة مع العالم. إنها إدراك لما نحن عليه، وما نملكه من تراث وتجارب وقدرات، وما ينبغي أن نضيفه إلى العالم بدلًا من الاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
أريد مناهج تعليمية تعرّف الأجيال بتاريخ مصر بصورة علمية متوازنة، وإعلامًا يحتفي بالعلماء والمفكرين والفنانين والمبدعين، ومؤسسات ثقافية تصل إلى المحافظات والقرى، لا أن تترك الثقافة حكرًا على العاصمة أو على مناسبات موسمية.
كما أريد أن يتعرف أبناؤنا إلى تاريخ بلادهم بكل مراحله، بما له وما عليه، وأن يتعلموا التفكير النقدي بدلًا من تلقينهم رواية واحدة لا يجوز مناقشتها.
الاعتزاز بالهوية لا يعني تمجيد كل ما حدث في الماضي، ولا إنكار أخطائه، بل يعني القدرة على فهم التاريخ والاستفادة منه.
الدولة التي تعرف هويتها لا تحتاج إلى اختراع عدو دائم كي تشعر بقيمتها، ولا إلى التقليل من الآخرين كي تعتز بنفسها.
إن الهوية المصرية التي أدعو إليها هوية واثقة، منفتحة على العالم، تحترم التنوع، وتجمع بين الاعتزاز بالجذور والإيمان بقدرة المصريين على صناعة مستقبل أفضل.
الحادي عشر: كفى حنجورية سياسية واستدعاءً دائمًا للماضي
ما زال بعض الخطاب السياسي يعيش في عالم الشعارات القديمة، وكأن الزمن توقف عند مرحلة تاريخية بعينها، وكأن تكرار مفردات التعبئة والحماسة يكفي لمواجهة تحديات الحاضر.
لسنا مطالبين بإنكار تاريخ جمال عبد الناصر أو تجاهل ما ارتبط بعهده من تجارب ومشروعات وسياسات، لكننا لسنا مطالبين أيضًا بأن نظل أسرى لغة سياسية تشكلت في ظروف مختلفة تمامًا عن ظروف العالم اليوم.
لقد تغير الاقتصاد العالمي، وتطورت التكنولوجيا، وأصبحت المعرفة والابتكار والإنتاجية عناصر أساسية في قوة الدول.
وفي هذا العالم، لا تكفي الخطب الرنانة ولا الشعارات القومية وحدها لبناء اقتصاد قوي أو تحسين مستوى معيشة المواطنين.
المطلوب أن نميز بين الوطنية الحقيقية والمزايدة الوطنية، وبين الدفاع عن مصالح مصر واستخدام الكلمات الكبيرة للتغطية على غياب الحلول العملية.
ومن الأفضل أن نتجاهل الضجيج الذي لا يقدم حلولًا، وأن نحاسب الخطاب السياسي بمعيار النتائج لا بارتفاع الصوت.
فمصر تحتاج إلى سياسيين يناقشون الأرقام والنتائج، ويشرحون للمواطنين ما يمكن تحقيقه وما يتعذر تحقيقه، بدلًا من استدعاء معارك الماضي كلما واجهنا مشكلة في الحاضر.
ولا ينبغي أن تتحول الوطنية إلى امتياز يحتكره أصحاب الشعارات، أو أن يصبح الاختلاف مع خطاب سياسي معين دليلًا على نقص الانتماء.
الوطنية الحقيقية تظهر في العمل، وفي احترام المال العام، وفي الدفاع عن مصالح المصريين، وفي تقديم حلول قابلة للتنفيذ.
أما الحنجورية، مهما ارتفع صوتها، فلن تبني مدرسة، ولن تصلح مستشفى، ولن تخلق فرصة عمل، ولن تحل مشكلة اقتصادية.
الثاني عشر: سياسة مصر هي السلام، والقوة في الحكمة لا في التصعيد اللفظي
أريد لمصر أن تتمسك بسياسة خارجية قوامها السلام، وحماية المصالح الوطنية، واحترام القانون الدولي، وتجنب الحروب التي تستنزف موارد الشعوب وتبدد فرص التنمية.
ليس معنى ذلك التنازل عن الحقوق أو تجاهل التهديدات أو التخلي عن المصالح المصرية، وإنما يعني أن تُدار الخلافات بحسابات دقيقة، وأن تكون الدبلوماسية والحوار والردع المسؤول أدوات أساسية في حماية الأمن القومي.
وأرى أن الوقت قد حان لمراجعة بعض مفردات الخطاب السياسي والإعلامي التي تقوم على التعبئة الدائمة والعداء المطلق، واستبدالها بلغة أكثر دقة واتزانًا.
فالألفاظ الرنانة قد تحقق تصفيقًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع بالضرورة سياسة ناجحة.
يمكن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو ممارساتها، ويمكن رفض الاحتلال والاستيطان وانتهاكات حقوق الفلسطينيين، من دون تحويل الخلاف السياسي إلى عداء قائم على الهوية أو إلى خطاب لا يترك مجالًا للحلول الدبلوماسية.
كذلك، من المهم التمييز بين اليهودية بوصفها ديانة، والصهيونية بوصفها تيارات سياسية متعددة، وسياسات الحكومات الإسرائيلية التي يجوز نقدها ومحاسبتها وفقًا للقانون الدولي.
إن الاعتراف بوجود إسرائيل كدولة قائمة وعضو في الأمم المتحدة لا يعني الموافقة على كل سياساتها، ولا إسقاط حقوق الفلسطينيين، ولا التخلي عن الموقف المصري من القضية الفلسطينية.
بل يعني التعامل مع الواقع السياسي كما هو، والعمل على حماية الحقوق وتحقيق السلام العادل بالوسائل الممكنة.
ومن حق المواطن المصري أن يعرف أن السياسة الخارجية ليست مسابقة في الشعارات، وأن قوة الدولة لا تقاس بعدد العبارات العدائية التي تستخدمها، بل بقدرتها على حماية مصالحها، وبناء اقتصادها، وتوسيع علاقاتها، ومنع الحروب، والدفاع عن حقوقها بأدوات فعالة.
أما احترام الحدود والسيادة الوطنية فهو مبدأ أساسي في العلاقات الدولية، ولا ينبغي أن يكون انتقائيًا؛ فلكل دولة حقوقها، وعلى جميع الدول احترام سيادة غيرها والتزاماتها القانونية.
ومصر، بحكم موقعها وتاريخها ومسؤولياتها الإقليمية، تستطيع أن تدافع عن مصالحها وأمنها القومي، وأن تدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأن تتمسك في الوقت نفسه بالسلام والاتفاقات الدولية وتسوية النزاعات بالطرق الدبلوماسية.
إن مصر التي نريدها دولة قوية، تعرف متى تتفاوض، ومتى تتمسك بموقفها، ومتى تستخدم أدوات الضغط، وتعرف قبل كل شيء أن الحفاظ على حياة المواطنين ومستقبلهم جزء أصيل من الأمن القومي.
السلام ليس ضعفًا، والحكمة ليست تراجعًا، واللغة الهادئة لا تعني التفريط في الحقوق.
بل إن الدولة الواثقة من نفسها هي التي تستطيع الدفاع عن مصالحها دون أن تجعل التصعيد اللفظي غاية في حد ذاته.
وأخيرًا: ماذا نريد أن يبقى بعد انتهاء مدة الرئاسة؟
هذه المطالب ليست قائمة أمنيات منفصلة، ولا محاولة لإرضاء تيار سياسي على حساب آخر. إنها محاولة للنظر إلى مستقبل مصر من زاوية المواطن الذي يريد دولة أفضل، بصرف النظر عن اسم الرئيس أو الحزب أو التيار الذي يتولى المسؤولية.
أريد إعلامًا يحترم عقول الناس، وتعليمًا يصنع أجيالًا قادرة على التفكير، ودولة مدنية تحترم الدين ولا تسمح بتحويله إلى أداة للوصاية السياسية، وشارعًا منظمًا، ومرافق تتم صيانتها، وسياحة تحترم زوارها، وهوية وطنية واثقة، وسياسة خارجية تحمي المصالح المصرية وتتمسك بالسلام.
وأريد أيضًا أن تكون هناك مؤسسات قادرة على مكافحة الفساد، ومحاسبة المسؤولين، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية الحقوق والحريات، وأن يشعر المواطن بأن القانون يحميه، وأن صوته يمكن أن يصل، وأن مستقبله لا يتوقف على علاقاته أو مكانته الاجتماعية.
فالدولة الحديثة لا تُبنى بالمشروعات وحدها، مهما كان حجمها، ولا بالخطب مهما كانت بلاغتها، ولا بالشعارات مهما كانت جاذبيتها.
إنها تُبنى بالإنسان، وبالمؤسسات، وبالقانون، وبالتعليم، وبالقدرة على تصحيح الأخطاء والاعتراف بها.
وإذا كان الرئيس السيسي يؤكد أنه لا يريد تعديل الدستور ولا الترشح مجددًا، فإن السؤال الذي أراه جديرًا بالنقاش هو: ماذا نريد أن نرى يتحقق على أرض الواقع قبل انتهاء مدة الرئاسة؟
هل نستطيع أن نجعل السنوات المقبلة فرصة لإصلاح الإعلام والتعليم والإدارة المحلية، وتحسين الخدمات، وترسيخ دولة القانون، وتوسيع مساحة التفكير الحر، وتعزيز مكانة مصر في العالم؟
وهل نستطيع أن نضمن أن تستمر الإصلاحات بعد انتهاء أي مدة رئاسية، لأنها أصبحت جزءًا من نظام مؤسسي واضح، لا مجرد قرارات مرتبطة بشخص الحاكم؟
إن قيمة أي مرحلة سياسية لا تتحدد بالتصريحات التي تبدأ بها أو تنتهي عندها، بل بما تتركه من مؤسسات أكثر كفاءة، ومواطن أكثر حرية وكرامة، ودولة أكثر قدرة على الاستمرار.
وفي النهاية، لا أطلب من الرئيس أن يحقق كل شيء دفعة واحدة، ولا أتصور أن إصلاح دولة بحجم مصر يمكن أن يتم بقرار واحد.
لكنني أطلب تحديد الأولويات، ووضع جداول زمنية، وإعلان النتائج، ومحاسبة المسؤولين، وفتح المجال أمام النقد والمشاركة المجتمعية.
أريد أن ننتقل من دولة تتحدث كثيرًا عن الإنجازات إلى دولة يستطيع المواطن أن يلمس أثرها في مدرسته ومستشفاه وشارعه وعمله وحريته وكرامته.
فالرؤساء يأتون ويغادرون، والحكومات تتغير، أما الدولة فيجب أن تستمر، والمؤسسات يجب أن تبقى، وحقوق المواطنين يجب ألا تكون مرتبطة بأسماء الأشخاص.
هذه هي مصر التي أتمناها: دولة حديثة، مدنية، علمية، نظيفة، منضبطة، تحترم هويتها، وتصون حريات أبنائها، وتعيش بسلام مع العالم، وتضع الإنسان في قلب كل مشروع وكل قرار.
وهذا، في رأيي، هو الإنجاز الذي يستحق أن يُترك للأجيال القادمة.





