(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
أيّها الحَبر الأعظم المنظور، البابا لاوُن الرابع عشر،
أكتبُ إلى قداستكم شاعرًا بحجمي متناهي الصغر وكأنّني سِقْط. وأكتبُ إليكَ من بلدٍ ليس ببعيدٍ عن الأرض التي خدمتَ فيها بسخاءٍ الله والكنيسة والإنسان، راهبًا أغُسطينيًّا وكاهنًا وأسقفًا، أعني من البلد الحبيب كولومبيا، القريب من بلدكَ الآخر الحبيب بيرو. وكذلك أكتبُ إليكَ كمغتربٍ –على غرار قداستكم– عن وطنه الأمّ مِصْر؛ وهو موطنُ الجمال والتاريخ والحضارة والعلوم والفنون والثقافة. وأرجو بثقةٍ أن تزوره يومًا!
إنّني أكتبُ إليكَ، وأدرك جيّدًا أنّ قداستكم لن تقرأ هذا الخطاب، لا لأنّه مكتوبٌ باللغة العربيّة فحسب، وإنّما لأنّه من الصعب أن يصل خطابي هذا لقداستكم، وكذلك لأنّها مجرّدُ شخابيط فؤادٍ أرهقته الهموم والتساؤلات، وأراد أن يسكب مشاعره الحزينة عبر الصفحات الفيسبوكيّة. ولعلّ هذا قادرٌ على أن يجلب له التعزيات.
علي كلّ حالٍ، يكفيني أن أطرد خارجًا قليلًا من أفكاري وعواطفي وأحزاني حيال ما حَدثَ بَغتةً لقداستكم في هذه الأيّام العصيبة. فإنّ هذا لم يكن يخطر على فكر أحدٍ إطلاقًا، حتّى وإن كان من المتخصّصين والعارفين بالشؤون الفاتيكانيّة. ومع كوننا أبناء وحجّاج الرجاء، ولكنّ ما حَدثَ لقداستكم لهو فاجعةٌ على أصعدةٍ عدّة.
لقد شكرتُ الله مع الجميع، بقلبٍ مفعم بالرجاء، أنّ العمليّة الجراحيّة التي أُجريت لقداستكم، يوم الـ13 من أكتوبر/تشرين الأوّل المنصرم، وهي استئصالُ ورمٍ من رئتكَ اليُمنى، قد تكلّلت بالنجاح. ومع ذلك، ومع الأسف الشديد، قد شَخَّص الأطباءُ الحالةَ بأنّ قداستكم مصابٌ بسرطان الرئة الخبيث، وبالتحديد "السرطان الغدي الرئويّ" (pulmonary adenocarcinoma).
قد مرّتْ على حَبريّتكَ نحو عامٍ ونصف؛ فقد اُخترتم في يوم الـ8 من مايو/أيَّار لعام 2025، لتكون البابا الـ267 للكنيسة الكاثوليكيّة. وهذه الفترةُ المنصرمة من حَبريتكَ وإن كانت وجيزةً، ولكنّها مفعمةٌ بالنشاط والحيويّة والزيارات الرسوليّة والثمار الواضحة. فأريد أن أشكر قداستكم عليها شكرًا جزيلًا، وأذكّر نفسي وآخرين بها. فدعني، يا قداسة البابا، أن أسرد لكَ وأمامكَ بضعةَ جوانبها.
بدايةً، لقد ارتبط اسمُ قداستكم بالبابا لاوُن الثالث عشر (1978-1903)، آخر بابا قد اختار هذا الاسم قبلكَ، وأوّل بابا يتنيّح في القرن العشرين. وبات الجميع يدرك أنّكَ أغُسطينيٌّ رهبنةً وفكرًا؛ ولذا، فالقدّيس أغسطينُس وشخصيّته وتعاليمه حاضرون حضورًا قويًّا وفعّالًا، ليس في شعار خدمتكَ الأسقفيّة-البُطرسيّة فحسب ("في الواحد، نصير واحدًا")، وإنّما في أحاديثكَ وأقوالكَ وتعبيراتكَ كلّها. فمنذ اليوم الأوّل لاختياركَ، صرّحتَ قائلًا: «أنا ابن للقدّيس أغسطينس، أنا راهب أغسطينيّ، الذي قال: "معكم أنا مسيحيّ، ومن أجلكم أنا أسقف". بهذا المعنى يمكننا كلّنا أن نسير معًا نحو الوطن الذي أعدّه الله لنا».
على صعيدٍ آخر، ومنذ اليوم الأوّل لاختياركَ بابا، أظهرتَ مركزيّةَ شخص السيّد المسيح أيضًا، وارتباطه بأبعادٍ وقضايا مهمّة ومعاصرة. وقد حذّرتنا من الوقوع في "إلحادٍ فعليّ"، عبر اختزالنا ليَسُوع المسيح في مجرّد كونه إنسانًا فحسب، أو قائدًا كاريزميًّا، أو رجلًا خارقًا (سوبرمان). وذكّرتنا بأنّه لا وجود للكنيسة وخُدّامها من دون المسيح المصلوب القائم، واللقاء به. وعلّمتنا أنّ السّلام الحقيقيّ والعادل والشّامل لهو سلام المصلوب القائِم أيضًا: «هذا هو سلام المسيح القائم من بين الأموات، إنّه سلام مجرَّد من السّلاح، وسلام يُجرِّدُ من السّلاح، ومتواضع ومثابر. إنّه سلام يأتي من الله، الذي يحبّنا كلّنا من دون شروط».
لا شكّ أنّ كلمات –وهي حقائقٌ ووقائعٌ أيضًا– مثل الشّراكة، والوَحدة، والمحبّة، والحقيقة، هي محوريّةٌ وجوهريّة ومعياريّة في حبريّتكَ. إنّها أبعادٌ حاضرة بقوةٍ في قلبكَ وعقلكَ منذ بدايات حَبريّتكَ؛ فقداستكم مدركٌ تمام الإدراك أهمّيّتها والحاجة الملحّة إليها في الحقبة المعاصرة.
لقد ذكّرتنا أيضًا، يا قداسة البابا، بدعوة القدّيس أغسطينُس، التي فحواها يكمن في هذه العبارة المهمّة للغاية: «أحبّوا هذه الكنيسة، ابقوا في هذه الكنيسة، كونوا هذه الكنيسة». وعلى نحوٍ آخر، فإنّ الكنيسة التي تسعى إليها، إضافةً لكونها مُحِبّةً ومتّحدة، وعلامة على الوَحدة والشّركة، ينبغي لها أن تكون مُرسَلةً أيضًا.
إنّ قداستكم، لا في إطار مناسبة الذكرى السنويّة العاشرة لصدور الإرشاد الرسوليّ "فرح الحبّ" (19 مارس/آذار 2016) فحسب، بل منذ بداية حَبريّتكَ، لمقتنعٌ –بقلبٍ مفعم بالشُّكر والرّجاء– بأهمّيّة الزّواج والعائلة للبشريّة والمجتمع والكنيسة، وبموقعهما في مخطّط الله الخالق: فـ«مستقبل الشعوب يُولَد في العائلات [...] إنّ الزّواج ليس مجرّد مثال ونموذج، بل هو معيار الحبّ الحقيقيّ بين الرّجل والمرأة: حبّ كامل، وأمين، وخصب».
من جهةٍ أخرى، يوجد موضوعٌ مركزيّ، قد بَرَزَ جليًّا أنّه محوريٌّ بالنّسبة لشخصيّتكَ وحَبريّتكَ، أعني "السّلام" بأبعاده المتنوعّة. إنّه محورٌ يلخّص ويختزل محاور حَبريّتكَ الأخرى كلّها؛ وهو هاجسٌ لقداستكم منذ اليوم الأوّل لاختياركَ. فإنّ عَالَمنا المعاصر في أَمَسِّ الحاجة إلى السّلام المجرَّد والمجرِّد من السّلاح، والحقيقيّ والعادل والشّامل والدّائم. فبالحقيقة، نحن جميعًا في أَمَسِّ الحاجة إلى سلام القلوب والأشخاص والعائلات والمجتمعات والدّول.
في اليوم الذي تحتفل فيه الكنيسةُ الكاثوليكيّة، مِن كلّ عامٍ، بعيد القدّيس فرنسيس الأسيزيّ (4 أكتوبر/تشرين الأوّل لعام 2025)، قد وَقَّعتَ قداستكم على إرشادكَ الرّسوليّ الأوّل بعنوان «لقد أَحبَبتُكَ» (رؤ 3: 9)، حول محبّة الفقراء أو المحبّة نحو الفقراء. وبوَجهٍ عامٍّ، إنّ محاور إرشادكَ الرسوليّ هذا هي الموضوعات التّالية: تعريف "الفقر" ومستوياته المتنوّعة (المادّيّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة، والتّربويّة، والرّوحيّة، والطَّوعيّة أو الاختياريّة)؛ يسوع النّاصريّ الفقير وعلاقته بالفقر والفقراء؛ الفقر الإنجيليّ؛ مبدأ "الاختيار التّفضيليّ للفقراء"؛ البُعد الإكليزيولوجيّ (الكَنسيّ) الجوهريّ المتعلّق بـ"كنيسةٍ فقيرةٍ من أجل الفقراء"؛ قضيّة الفقر والفقراء كمشكلةٍ روحيّة وثِيولوجيّة وكَنسيّة، بالإضافة إلى كونها قضيّةً إنسانيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة. ويُعَدُّ هذا الإرشادُ الرّسوليُّ وثيقةً كَنسيّةً وحَبريّةً مندرجةً ضِمْن وثائق "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ".
وعلى هذا النحو، فإنَّ "عصر تعليم الكنيسة الاجتماعيّ"، بدايةً من الرّسالة البابويّة العامّة «في الشّؤون الجديدة» للبابا لاوُن الثّالث عشر (1891)، ومرورًا بالرّسالة البابويّة العامّة «أُمّ ومُعلّمة» للبابا يوحنّا الثّالث والعشرين (1961)، ودَورات وجَلَسَات ووثائق المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني (1962-1965)، والرّسالة البابويّة العامّة «تقدُّم الشّعوب» للبابا بولس السّادس (1967)، ووثائق البابا يوحنّا بولس الثّاني (مثلًا، الرّسالتَيْن البابويّتَيْن العامّتَيْن «الاهتمام بالشّأن الاجتماعيّ» و«العمل الإنسانيّ»)، والرّسالة البابويّة العامّة «المحبّة في الحقيقة» للبابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر، ووصولًا إلى تعاليم البابا فرنسيس، لخَيرُ بيانٍ وبرهانٍ وشاهدٍ على أنّ "السُّلطة التّعليميّة في المئة وخمسين سنة الأخيرة قدّمت كنزًا حقيقيًّا من التّعاليم الخاصّة بالفقراء".
وهذا عينه ما أكّدتَ عليه أيضًا، بل أسهبتَ في إيضاحه، من خلال رسالتكَ العامّة الأولى (الـ15 من مايو/أيّار للعام الجاري). وقد حملتْ هذا العنوان المعبّر: «الإنسانيّة الرائعة» (Magnifica Humanitas). وقد تناولتْ بدورها قضايا مهمّة، مثل العالم الرقميّ والذكاء الاصطناعيّ، والعدالة والسلام، وأزمة القانون الدوليّ، بالإضافة إلى التهديدات الراهنة الأخرى التي تواجه البشريّة برمّتها (كنزعتي "ما بعد الإنسانيّة" و"ما يتجاوز الإنسانيّة"، وكمأساة "الحرب"، وبالتحديد "الحرب العالميّة المجزّأة").
ومن الجميل والمعبِّر للغاية أنّ قداستكم استهلّ هذه الرسالة العامّة، برمزَيْن أو صورَتْين من الكتاب المقدَّس: بناء برج بابل (تكوين 11: 1-9)، وإعادة بناء أسوار أورشليم (نحميا 2-6). إنّ هاتَيْن المدينتَيْن الكتابيّتَيْن ليستا بعيدتَيْن عن مدينتي القدّيس أَغسطينُس: مدينة "حُبّ الذات فقط" الأرضيّة، ومدينة "حُبّ الله والقريب" السماويّة. وفي هذه الرسالة العامّة، قد قَدّمتَ «مسيرةً للحياة المسيحيّة متّسمة بالبساطة ومتطلّبة نعيش بها هذا التّغيير التّاريخيّ في ضوء الإنجيل. إنّها مسيرة تنشأ من التّأمّل في مخطّط الله، وتعيش الوَحدة الكنسيّة وتتغذّى من كلمة الله والإفخارستيّا، وتبني العالم في الخير، وتصلّي مع مريم العذراء».
أمّا فيما يتعلّق بزيارات قداستكم الرسوليّة المفعمة بالثمار، دعني أتذكّر معكَ وأمامكَ زيارتين فقط. لقد زُرتَ الأراضي الإسبانيّة (مدريد، وبرشلونة، ودير مونتسِرّات، وجزر الكناري)، من الـ6 إلى الـ12 من يونيو/حزيران للعام الجاري. وكانت هذه الزيارةُ الرسوليّة التاريخيّة، لهي بحقٍّ "مظاهرةُ إيمانٍ ومحبّة" من قِبل الشعب الإسبانيّ. فهي مظاهرةُ "إيمانٍ" بالإله الأحد-الواحد-الثالوث، الذي هو جوهرُ الإيمان المسيحيّ؛ وكذلك مظاهرةُ "محبّةٍ" للكنيسة والبابا. وقد أوضحتَ، يا قداسة البابا، أنّ المسيح الحَيّ الحاضر دائمًا حضورًا حقيقيًّا وجوهريًّا في سرِّ الإفخارستيّا، على مدار جميع الأزمنة والأماكن، هو عينه الحاضرُ بيننا أيضًا، بل فينا، وفي شوارعنا وساحاتنا وحياتنا اليوميّة. وأكّدتَ على أنّ الكنيسة، انطلاقًا من إيمانها والحسّ السليم، تُولِي أهمّيّةً كبيرةً لمبدأ "الخير العامّ"؛ وكذلك للعائلة، التي هي "الحقيقة الإنسانيّة الأولى والأساس الطّبيعيّ للجماعة"، و"المدرسة الأولى للإنسانيّة"؛ ولقضيّة "السلام" أيضًا بوصفها أكثر من مجرّد تطلّعٍ سياسيّ وضرورةٍ أخلاقيّة حقيقيّة.
وكذلك قد زُرتَ الأراضي الفرنسيّة (باريس، ولورد، ومتز)، من الـ25 إلى الـ28 من سبتمبر/أيلول للعام الجاري أيضًا. وخلال هذه الزيارة الرسوليّة، زُرتَ مقرَّ منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعِلم والثّقافة (اليونسكو) أيضًا. وعبر أحاديثكَ وخطاباتكَ أثناء المحطّات المتنوّعة من زيارتكَ الرسوليّة، قد ذكّرت بجذور فرنسا وأوربا المسيحيّة، وبأنّ "العلمانيّة الحقيقيّة لا تستبعد البعد الدّينيّ، بل تعرف، على العكس، كيف تستفيد منه بوصفه موردًا تربويًّا". ومن ضِمْن تأكيداتكَ الرائعة، أثناء هذه الزيارة الرسوليّة، أنّ «الإنسان هو الذي يفقد نفسه حين يقول إنّ الله قد مات: فإن لم يكن الله معه، لم يعد للإنسان خلاص، ويضيع معنى حياته، ويتحوّل إلى طريق مسدود أو إلى العدم. أمّا الذي يقول: "الحَياةُ عِندي هي المسيح"، فيختبر العكس تمامًا. ففي المسيح، نعلم أنّ الله ليس غير مبالٍ بالإنسان أبدًا!».
دعني، يا قداسة البابا، أختمُ خطابي هذا، مؤكّدًا على أمرٍ مهمّ: إنّ الكنيسة جمعاء، بل ومؤسّسات وأشخاص عدّة حول العالم، متضامنةٌ مع قداستكم في مرضكَ. وإن بدأ الأفقُ قاتمًا ومبهمًا، من جرّاء هذا المرض الخبيث وآلامه، ولكنّ رجاءنا الحيّ في المصلوب القائم يحثّنا على الإيمان والصلاة وتوقُّع الخير دائمًا. وتوجد جماعاتٌ وتجمّعات في أرجاء المعمورة بأسرها، وبلغاتٍ وثقافات وعقليّات مختلفة، وبطرقٍ متنوّعة، يتضرّعون إلى "ضابط الكلّ" (البانتوكراتور)، من أجل صحّة قداستكم، وتدبير فترة مرضكَ والتعافي منه. وسنظلُّ متّحدين في الصلاة بحرارةٍ ولجاجة من أجل تعافيكَ التام من هذه الإصابة المزمنة، ومن أجل استكمال حَبريّتكَ المثمرة.
مع جزيل محبّتي وتقديري وصلواتي لقداستكم،
ابنكم أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك





